ثماني سنوات على تقسيم السودان

Share
Share
ثماني سنوات على تقسيم السودان
ثماني سنوات على تقسيم السودان



لم تبرح الإخفاقات الناجمة في السودان عن تقسيمه قبل ثماني سنوات حيز التوقعات، بالكاد كانت بعض التوقعات فحسب أكثر تشاؤماً مما آلت إليه الأمور برغم كل سوداويتها. 

البدهي الذي كان متوقعاً على نطاق واسع، هو أن السودانَين ما كانا لينتعشا اقتصادياً، ولا هما استطاعا مضياً في طريق التحرر من مشاكلهما العميقة. وهذا أمر سالت فيه أحبار كثيرة، وحذر منه العديد من الخبراء حتى قبل توقيع اتفاق مشاكوس واتفاقية نيفاشا أوائل هذا القرن؛ فالمسارات الخاطئة لا تقود بالمطلق أبداً إلى نهاية حميدة.

وبوسع مشهد بسيط لآلاف اللاجئين من «دولة جنوب السودان» وهم يترجلون لمسافات طويلة قاصدين اللجوء إلى السودان، أو لبعضهم وهم يحتفلون في الملجأ الاختياري لهم في ولاية شرق دارفور بلحظة توقيع أطراف الصراع في دولة جنوب السودان على اتفاقية السلام في الخرطوم في الخامس من أغسطس الماضي، طمعاً في سيادة الهدوء وعودتهم إلى بلادهم، أن يختزل القصة الحزينة كلها.

مواطنون لدولة ينتمون لإقليم فيها يطالبون بنسبة تفوق 90% بالانفصال عنها، فيحصل لهم ما أرادوا، وبعد سنتين اثنتين فقط تقاتل مليشيات ساستهم (قادة التمرد العسكري) بعضها بعضاً، فتتأزم الأمور، ويتدفق اللاجئون إلى الخارج، وتستقبلهم الدولة الأم التي انفصلوا عنها، لكن ليس هذه المرة كمواطنين يتمتعون بحقوق المواطنة وإنما كلاجئين مقيدي الحركة، فاقدي الحقوق والمزايا، وهم بأحسن الأحوال مجرد «ضيوف» في بلدهم السابق الذي عاشوا وأجدادهم فيه منذ آلاف السنين! وهم بين خيم اللجوء يحتفلون بمجرد توقيع اتفاق سلام بأحرف أولى، سرعان ما سينقض مجدداً كسابقيه.. كل هذا لم يمض عليه سوى ثماني سنوات فقط!

على أن القصة لم تبدأ من هذا التاريخ القريب، فقبل 142 عاماً كان التاريخ الحديث يُرسم للسودان على نحو إمبراطوري، حين كان جزءاً من دولة كبيرة أعلنت القاهرة عن حدودها الجديدة عام 1876م لتهيمن على مساحة شاسعة من أراضي وادي النيل الخصيب من مضيق باب المندب جنوباً إلى ساحل المتوسط شمالاً، ومن أوغندا في الغرب حتى الحدود الغربية للدولة المصرية. وقد كان الإسلام ينتشر في الجنوب مع توافد تجار ودعاة إليه بعد استقرار نسبي لهذه الأراضي الشاسعة لهذه الدولة الكبيرة.

لكن بعد فترة وجيزة كان الاحتلال البريطاني يتنبه إلى خطورة انتشار الإسلام في الجنوب، ويعمد إلى تنفيذ سياسة تقوض عمل الدعاة بدءاً من سياسة المناطق المغلقة التي حدت من اختلاط الشماليين بالجنوبيين، وانتهاء بتشجيع أعمال التمرد الجنوبي الذي اكتسى ثوباً طائفياً قبل ما أطلق عليه «الاستقلال» بعدة أعوام، ومروراً بالسماح بالنشاط  للإرساليات التنصيرية في مناطق الجنوب الوثنية.

على جانب آخر، كانت أوغندا التي اختيرت لإقامة الكيان الصهيوني قبل أن يستقر الرأي على اغتصاب فلسطين، تعد حليفاً مهماً لهذا الكيان في وادي النيل، والذي لم يغفل عن أهمية تغلغل نفوذه في منابع النيل فيما بعد، حالما يبدأ التمرد في الجنوب يأخذ نمطاً تدميرياً لآمال وحدة واستقرار السودان.

هذا البلد الذي اعتبر مركزاً لانتشار الإسلام في الحزام الإفريقي الممتد حتى الأطلسي (دول الساحل) تلاقت الإرادتان الغربية والصهيونية لاحقاً في إشغاله بنفسه، والعمل على تدميره ذاتياً، وحرفه عن الاضطلاع بدوره ومسؤولياته تجاه وسط وشرق إفريقيا.

بدأ التمرد في العام 1955م بشكل بدائي لكنه كان فاعلاً، وسرعان ما أخذ في تنظيم ذاته، مستفيداً من عوامل عديدة، منها ضعف حكومات السودان المتعاقبة، وإخفاقها عمداً أو قسراً في تحقيق العدالة بين الشمال والجنوب؛ فلم تكن حكومات الخرطوم المتوالية منذ الاستقلال متحمسة لتحقيق هذه العدالة، كما أنها لم تكن قادرة على رفع المظالم الإقليمية بسبب الحروب المزمنة التي خاضتها مع المتمردين في الجنوب، وتسببت سياسة الخرطوم الرخوة في تنامي التمرد وانتظامه داخل أطر عسكرية احترافية إلى حد ما، لاسيما مع الخطأ الفادح الذي وقع فيه الجيش السوداني بإرساله العقيد جون قرنق لإخماد تمرد الجنوب؛ فما كان منه إلا أن انضم إليه، وقاد الحركة الشعبية التي شكلها، ويجعل من أهم أهدافها المعلنة السعي لــ«سودان علماني موحد»، إلى أن آل الحال في عام 1997م أن صارت المعارك تدار ضد السودان من قبل جيوش ثلاث دول مجاورة أسهمت بشكل فعال في تقوية نزعة الانفصال ودعمها عسكرياً، حينها كانت غرفة العمليات في عنتيبي الأوغندية والقيادة لعميد صهيوني!

ضغط الغرب طويلاً على الخرطوم من أجل انفصال الجنوب لاسيما بعد اكتشاف النفط فيه بمعدلات جيدة تسمح بتحقيق قدر من الانتعاش الاقتصادي والرفاه، وزاد الضغط شدة حينما جمدت شركة شيفرون الأمريكية عمليات التنقيب والاستخراج من الجنوب السوداني، فتحولت الخرطوم للتعامل مع شركات ماليزية وصينية وكندية، ما أدى إلى زيادة الحنق الأمريكي والبريطاني تحديداً. وإلى أن جاء وقت الانفصال في العام 2011م كانت حقول الجنوب قد لامس إنتاجها حد 500 ألف برميل يومياً، وهو رقم كبير بالنسبة إلى بلد زراعي نامٍ كالسودان، كفاه القليل وصدر معظمه. لكن واشنطن ولندن لم تسمحا إبان ذلك للسودان بالنمو والاستقرار؛ فسرعان ما رفعت واشنطن في وجه الخرطوم عصا الاتهام بالإرهاب، وأحالت ملف الرئيس السوداني للجنائية الدولية بسبب اتهامات أمريكية وبريطانية عن مسؤوليته عن انتهاكات في دارفور.

رمت الولايات المتحدة الأمريكية، والكيان الصهيوني، وبريطانيا، بثقل دولي كبير لإرغام الخرطوم على الانصياع لمطالبات بـ«حق تقرير المصير» لجنوب السودان، والذي اقترحته منظمة الإيغاد الإقليمية (شرق إفريقيا)، واستمر الضغط على الخرطوم حتى رضخت لمطالب التقسيم، ووقعت في العام 2002م اتفاق مشاكوس الإطاري، والذي أعقبه اتفاق نيفاشا النهائي عام 2005م الذي وضع جدولاً للتقسيم يستمد شرعيته لاحقاً من استفتاء تقرير المصير في العام 2011م.

انفصل الجنوب، أو بالأحرى فصل الجنوب أو تم تقسيم السودان عملياً في هذا العام، وتركت قضية منطقة آبيي متنازع عليها دون حسم حتى اليوم، لتكون نواة لأي صراع عسكري قادم بين «الدولتين»، وشرعت الحركة الشعبية لتحرير السودان (فرع الشمال) في تأجيج الصراع بالسودان في إقليمي جنوب كردفان والنيل الأزرق تمهيداً لزرع فتنة التقسيم من جديد في الجسد السوداني.

بيد أن الرياح لم تأت بما يشتهي رُبان الصراع؛ فقد اندلعت الحرب الأهلية في الجنوب السوداني، إثر خلاف بين رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت ونائبه السابق رياك مشار، فاشتعلت حرب أهلية بين مليشياتهما وقبيلتيهما (الدينكا والنوير)، ما أدى إلى مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين وفقاً لتقديرات دولية، ولم تزل هذه الحرب تراوح بين شدة وهدوء نسبي حتى حلول الذكرى الثامنة لتقسيم السودان. وإذ صار الجنوب مضطرباً، تضاءلت - مؤقتاً - فرص تأثيره العسكرية على الشمال.

تأثير الحرب في الجنوب كان إيجابياً من جهة تأجيل تفاقم مشاكل دارفور والنيل الأزرق وكردفان، وساعد حكومة البشير على التقاط الأنفاس خلال أزمات كان لها أن تؤثر في بقاء النظام مسيطراً على كامل أقاليم الشمال لولا انشغال الجنوب بحربه المستعرة، ومن أبرز هذه الأزمات كانت أزمة الوقود ومشكلة الخبز، ما أدى لحدوث احتجاجات متوالية (كانتفاضة «لحس الكوع» المحدودة) بسبب الغلاء، واضطراب أسعار الجنيه السوداني، وتفاقم أزمات البطالة والتضخم. غير أن الآثار السلبية الناجمة عن هذه الحرب كانت أسوأ على الشمال من هدوء الأوضاع في الجارة الجديدة، ولهذا بادرت الخرطوم إلى رعاية مباحثات سلام بين الطرفين المتنازعين في الجنوب.

وللسودان أسبابه في رعاية السلام في جنوب السودان، فلقد تعثر اقتصاده كثيراً، لاسيما بعد تخليه طوعاً وتحت الضغط الغربي عن إقليم جنوب السودان الذي كان ينتج 80% من موارد السودان النفطية، ولهذا فهو يتطلع من خلال تحقيق السلام في الجنوب إلى إعادة استئناف إنتاج النفط في الجنوب الذي يدر عليه أرباحاً في النقل وفي مد السودان بنفط أقل تكلفة، خصوصاً أن أزمة الوقود التي ظهرت في السودان مؤخراً لم تكن لسبب آخر سوى تعثر الجنوب في الإنتاج بسبب الحرب.

وكذلك، فالسودان راغب في تحسين صورته الدولية، والتي قد تحصل بسبب مساعيه من أجل إحلال السلام في الجنوب، وهو يريد أيضاً أن يتخلص من أزمة لاجئين ضاغطة على اقتصاده الهش، وهي بدورها تسبب له بعض الصعوبات والمخاوف سواء في ما يتعلق بوجود جزء من هؤلاء اللاجئين في إقليم دارفور المتوتر، أو في الإشكالات الناجمة عن تدفق اللاجئين وبعض ممارساتهم في العاصمة ومدن رئيسة تختلف في ثقافتها معهم، وما ينجم عنها من انتشار بعض الجرائم في تلك المدن.

وينضاف إلى ذلك، رغبة الشمال في الاستثمار الزراعي في جنوب السودان المعروفة التي تتوفر على مساحات شاسعة خصبة. وإلى دفع حكومة الخرطوم بتلك الرعاية لمشكلات متوقعة مستقبلية في الشمال نفسه إذا ما رعت حكومة جنوبية دعوات الانفصال في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وهاتان الأخيرتان تسعى فيهما «الحركة الشعبية»  المتمردة (قطاع الشمال - فرع الحركة التي تحكم جنوب السودان اليوم) لفرض حكم ذاتي فيهما عبر الطرق السلمية أو العسكرية، تمهيداً لفصلهما عن السودان. أما الأولى فلا تختلف كثيراً في علاقاتها بمليشيات الجنوب، فلطالما شكا السودان من إيواء مقاتلي هذه الحركات، وشن هجمات انطلاقاً من أراضيها.

الحصاد المر للتقسيم:

للدولتين كان الحصاد مراً؛ لكنه كان أشد مرارة في الجنوب، برغم أن 98.83٪ من أصوات الجنوبيين قد ذهبت في استفتاء 2011م (المشكوك في دقته) إلى الانفصال، وتحمست له قطاعات واسعة من الوثنيين والنصارى هناك.

فبالنسبة للشمال، كان التقسيم يعني حرمان البلاد من ثروة نفطية في بيئة أقل تخلفاً عن الجنوب، وبها بعض الأسس والبنى التحتية ونقاط التجميع والتكرير التي تسمح لها باستغلال هذا الفائض في تعمير الشمال والجنوب معاً، فلقد أبقى التقسيم على نحو 20% من ثروته النفطية فقط في أيدي السودان، فحرم الشمال والجنوب معاً من الاستفادة بفائض الإنتاج في تنمية البلاد.

وانتزعت أراضٍ شاسعة خصيبة وصالحة جداً للزراعة تقدر بنحو خمس مساحة السودان من السودان، فيما لم يتمكن الجنوبيون من استغلالها حتى الآن، علاوة على نحو 11 مليون رأس من الماشية فقدها السودان وبدأ جنوبه يفقدها هو الآخر بسبب الحرب الطاحنة.

وغدا الانفصال سابقة قد تشجع حركات متمردة في الشمال إذا ما هدأ الجنوب واستقرت أوضاعه يوماً ما، على المطالبة بالانفصال أسوة بما حصل في الجنوب، وهو أمر غير مستبعد مستقبلاً وإن لم يكن على المدى المنظور قريباً، فلربما يتأخر ريثما تحل مشكلة الجنوب فتتفجر قضية أخرى في شمال السودان، حتى برغم السمعة السيئة لانفصال الجنوب.

وأدى تدفق نحو مليون و300 ألف جنوبي إلى الشمال في موجة لجوء كبرى إلى مفاقمة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الشمال، إذ اضطرت حكومة الخرطوم إلى الإنفاق على نحو ثمن سكان الجنوب في وقت حرم فيه السودان من ثروات الجنوب بسبب التقسيم!

على أن الأهم من ذلك كله بالنسبة للسودان، هو وقوع أكثر من ثلاثة ملايين مسلم في جنوب السودان تحت حكم يهمشهم بدرجة كبيرة ويهضم حقوقهم الأساسية، وقد تنجلي الحرب الغائبة عن وسائل الإعلام عن ضحايا من الأقلية المسلمة في الجنوب برغم أنهم لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فأصل الصراع دائر بين قبيلتي الدينكا والنوير ذواتي الغالبية غير المسلمة واللتين تتنازعان على السلطة، فيما لا يتطلع إلى ذلك المسلمون برغم نسبتهم الكبيرة. فالمسلمون تبلغ نسبتهم نحو 35% من سكان جنوب السودان، وفقاً للخبير في الشؤون السودانية محمد جمال عرفة، والتي عزاها لدراسات غربية[1]، وتفوق 30% بحسب تقديرات الباحث المتخصص في شؤون الجنوب السوداني، أبو بكر دينق[2].

وتهميش مسلمي جنوب السودان أول ما يتبدى، يظهر في عدم تمثيلهم داخل نظام ودواليب الحكم الجنوبية، حيث تخلو جميعها من أي اسم مسلم، ويحرمون من تطبيق الشريعة في الأحوال الشخصية وتصادر مؤسساتهم الدينية ويمنعون من بناء غيرها على نفقة الدولة ومنها المساجد بطبيعة الحال، حيث يعبر العدد التقريبي للمساجد عن نمط التهميش والاضطهاد الذي لم يختلف في زمن التمرد عن زمن الانفصال، إذ يضم جنوب السودان نحو 65 مسجداً موزعة على مختلف الولايات، طبقاً لمعطيات أوردها أتيم سايمون مراسل وكالة الأناضول في جوبا (العاصمة الجنوبية) وهو رقم صغير جداً على استيعاب نحو ثلاثة ملايين من المسلمين. وكذا يعبر إغلاق الجامعة الإسلامية وجامعة القرآن الكريم بفروعها في العاصمة ومدينتي واو وملكال، وحرمان المسلمين من التحدث بالعربية كلغة ثانية للبلاد، عن ألوان من هذا التهميش الواضح في الجنوب.

أما بالنسبة للجنوب؛ فلقد تعطلت عمليات استخراج النفط، وهجرت الأراضي الزراعية، ونفقت آلاف الماشية نتيجة الحرب وأعمال النهب والفوضى، وانتشرت الجرائم بشكل مريع، واستحلت الأرواح والأعراض والممتلكات في صراع قبلي صفري، وانتشرت على إثره الأمراض الفتاكة مثل الكوليرا والملاريا.

والذي زاد الصورة قتامة أن الدولة الوليدة لم تكن قد أسست بعد بناها التحتية، فلم تمهلها الحرب سوى شهور، دب بعدها الخلاف بين الحليفين، وسرعان ما تحول إلى حرب عرقية طاحنة حصدت مئات الآلاف من الأرواح خلال خمس سنوات ونيف، وبالتالي لم تكن تلك البلاد مستعدة لأي نوع من أنواع الأزمات فضلاً عن حرب وحشية كهذه. يقول ديفيد بيلينع في تقرير له لصحيفة الفايننشال تايمز إن «هذا البلد ليس فيه أي مقومات الدولة من طرق أو أبنية أو مؤسسات، وإن هذه الأوضاع المزرية كانت متوقعة بما أن الفصائل العرقية تتقاتل من أجل السيطرة على السلطة والمال».

ومن المثير للدهشة أن بلداً يحوي نحو 11 مليون رأس من الأبقار، وعدد سكانه يبلغ نحو 10 ملايين نسمة فقط قد بات يعاني نصف سكانه الآن (5.2 ملايين نسمة) من سوء شديد في التغذية وفقاً لبيانات الأمم المتحدة، وصار مهدداً بمجاعة إلى جانب دولتين أخريين (اليمن ونيجيريا).

إلى ذلك؛ فإن بلداً نفطياً وزراعياً واعداً ويتوفر على ثروة حيوانية كبيرة قد بات أحد أكبر مصدري اللجوء في العالم، وغادره نحو خمس سكانه في غضون خمس سنوات فقط.

كما أنه بتدخل دول الجوار في الصراع الدائر لدعم فرقائه قد صار مهدداً بديمومة حربه وانهيار مقومات دولته، وجذبه لألوان الفوضى والفساد، وتحوله سريعاً لدولة فاشلة، وضياع سيادته، وهشاشة تأثيره في الجوار الإقليمي.

سنوات التيه:

ربما يمكن الخلوص إلى استنتاجات أساسية بعد مرور هذه السنين التي أعقبت استفتاء وإعلان دولة حظيت بترحيب عالمي، ودفع غربي هائل لفصلها عن الدولة الأم بشكل تعسفي يصادم التاريخ والجغرافيا والمنطق والسياسة، منها:

  أن السودان الذي رضخ لضغوط التقسيم متصوراً أنه قد أزاح عن عاتقه ثقل الحرب الجنوبية، وتخلص من هموم الجنوب، قد جلب إلى نفسه مشكلاتها مجدداً لكن دون أية حوافز في الموارد أو غيرها؛ فهو إذ خسر النفط وثروات الجنوب عموماً فقد استحضر مشاكل الجنوب لنفسه، بدليل أنه ما زال يلعب دور الوسيط ويتورط شيئاً فشيئاً في صراع الجنوب، وإن ولج من باب الوساطة، كما أنه قد تحمل عبء أكثر من مليون لاجئ جنوبي علاوة على ما يتحمله من أعباء نتيجة تراجع الناتج القومي وازدياد معدلات التضخم والبطالة وأزمات الوقود.

أن الجنوب انحدر إلى حرب أهلية، ولم يمنحه الانقسام أي فرصة للتطوير الداخلي، بل الأكيد أن الجنوبيين قد عانوا أشد ما كانوا يعانونه أيام التمرد، إذ صارت حروب الشمال مع الجنوب مجرد نزهة قياساً بالحرب الضروس التي تخوضها الدينكا والنوير ضد بعضهما البعض وتحصد مئات الآلاف وهجرت نحو خمس تعداد السكان.

أن الأشد دلالة في هذا التيه الذي قد صار إليه «السودانان» أن السودان قد صار هو الوسيط بين الجنوبيين، وأن الجنوبيين قد صاروا وسيطاً بين السودان والمتمردين الشماليين! والمضمون في ذلك، أن أحداً لم يربح في صفقة التقسيم هذه سوى الغرب الذي أراد أن يرى بلدين هزيلين، وقد رأى!

أن كلا البلدين عالق في مشاكلهما المشتركة، وأن لا حل سوى إعادة النظر في الوضع القائم من أجل إنضاج نمط جديد من العلاقات المتداخلة سياسياً واقتصادياً، وربما إعادة التفكير مجدداً في الوحدة، على نحو يستلهم التجربة الألمانية في ذلك.

أن وعود الخارج هي محض أوهام، سواء ما تعلق بمد يد العون للجنوبيين من قبل الغرب إن هم انفصلوا عن الشمال، وتدفق القروض، والبدء في بناء الدولة على أسس حديثة، أو ما يتعلق بالشمال والوعود بفك الحصار عنه وتحريره من تهم الإرهاب، ومساندته في نهضته. فالحلول المستوردة لا تصنع رفاه أو تحرر شعوباً بل إنها غالباً تزيدها رهقاً.

أن الخضوع للضغوط الغربية لا يفضي إلا إلى مزيد من التردي والتراجع، ولقد قاد هذه المرة إلى ولادة دولة فاشلة، وانتزع من دولة عريقة جزءاً مهماً منها ضرب بخروجه مشاريع التنمية في مقتل.

أن العدالة ورفع الجور عن أبناء البلد الواحد، وعدم التفرقة عرقياً، وتنموياً بين أقاليمه، قد كان بوسعها أن توفر اللحمة الشعبية، وتحول دون دعوات التقسيم، مهما كانت مدعومة من أطراف خارجية، فما يحصده السودان بشقيه الآن هو نتاج مظالم وتفاوتات في معدلات التنمية، وهي التي جعلت - ولم تزل - بعض الأقاليم تتوق إلى للانفصال وتمنح المتمردين ملجأ ودعماً بشرياً ولوجيستياً في الحرب، ثم أصواتاً في الاستفتاءات الانفصالية. فغياب العدل يجعل الدول هشة قابلة للتشظي غير عصية على دعاوى التفكيك والتمزيق.

أنه ما من بد من وجود فكرة أو عقيدة جامعة تصهر الفروق العرقية وتذيب الألوان، وبدونها يعود المجتمع إلى العصبية والأفكار الرجعية التي تخرج دائماً أسوأ ما في الطبقية والقبلية والإثنية. والدول التي حاولت أن تلتف بشعوبها حول عقيدة أو فكرة أو نظام سياسي رشيد قد تحررت من هذا، أو كادت، أو سارت في طريق أقرب للصواب، وما إثيوبيا والصومال عن جنوب السودان ببعيد.

أن النخبة الواعية لا بد أن تضطلع بمسؤوليتها في توعية الجماهير وتبصيرهم بالمصائر الغائبة، ولشح ذلك أو انعدامه ما كان لاستفتاء على انفصال مدمر كهذا أن يحصل على هذه النسبة العالية. فالديمقراطية ليست على الدوام حلاً ناجعاً، والاحتكام للجماهير ليس بالضرورة هو عين الحقيقة والصواب، وهو هنا قد قاد إلى ما قاد إليه، وهو بعيداً في بريطانيا قد أدى إلى معضلة خروج مفاجئ من الاتحاد الأوربي.

أن الغرب لا يتبنى ديمقراطية حقيقية، ونسبة الانفصال المبالغ بها مبرهنة على ذلك. فالديمقراطية المستوردة من الغرب لا يمكن أن تحاكي نماذجه في بلادها العريقة، لأن بلد التصدير لا يرغب مطلقاً بديمقراطية حقيقية ولو حكم لسنوات بشكل مباشر في بلاد أعدائه التاريخيين، وما نموذج العراق من السودان ببعيد.

إن سني التيه هذه قد كشفت بجلاء عن ضرورة النظر في هذا الخطأ الإستراتيجي الجسيم، الذي وقع فيه السودان (وسيقع فيه آخرون يخضعون للابتزاز بعده) بقبوله الرضوخ لضغوط الغرب إكمالاً لمسيرة التفكيك التي بدأتها بريطانيا بتمزيق إمبراطورية مصر والسودان وأوغندا وأجزاء من إريتريا وإخراجها من بوابة الماضي إلى حيز التشظي المرير.


 


[1] محمد جمال عرفة، مسلمو جنوب السودان بعد الانفصال.. منبوذون سياسياً ومهمشون دينياً.

[2] حوار مع الباحث أبو بكر دينق لصحيفة الانتباهة السودانية، سبتمبر 2017م.

 

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة