ما بعد نيوزيلندا.. الفرضية القادمة لتغول اليمين الإرهابي

Share
Share
ما بعد نيوزيلندا.. الفرضية القادمة لتغول اليمين الإرهابي
ما بعد نيوزيلندا.. الفرضية القادمة لتغول اليمين الإرهابي



بعد أن دغدغ البابا أوربان مشاعر الدهماء والهمج في أوربا قبل ألف عام، بخطبة صليبية عاطفية جمع فيها بين الوعد بالغفران في الآخرة ووعد بتوزيع صكوكه على مناصريه، وبين شحذ الهمم ضد من زعم أنهم اضطهدوا «الحجاج المسيحيين» في بلاد الإسلام (وهي حجة لم تزل تروج في الكونغرس الأمريكي والاتحاد الأوربي حتى الآن)، التفت إلى قضية بالغة الأهمية لامست مشاعر فقراء أوربا ومعدميها في ذلك الوقت، هي الوعد بالثراء والفوز بالذهب والدراهم في حال نجحت الحملة الصليبية؛ فقال: «هذه الأرض التي تسكنونها الآن والتي تحيط بها من جميع جوانبها البحار وتلك الجبال، ضيقة لا تتسع لسكانها الكثيرين، تكاد تعجز عن أن تجود بمن يكفيكم من الطعام، ومن أجل هذا يذبح بعضكم بعضاً، وتتحاربون ويهلك الكثيرون منكم في الحروب الداخلية. طهروا قلوبكم إذن من أدران الحقد، وأقضوا على ما بينكم من نزاع واتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس، وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث وتملكوها أنتم، إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها، هي فردوس المباهج، إن المدينة العظمى القائمة في وسط العالم تستغيث بكم أن هبوا لإنقاذها، فقوموا بهذه الرحلة راغبين متحمسين تتخلصوا من ذنوبكم، وثقوا بأنكم ستنالون من أجل ذلك مجداً لا يفنى في ملكوت السماوات».

انتهت الحملة في النهاية بالهزيمة، لكن خطبة أوربان وميثاقه لم ينهزم، بل ظل دستوراً لكل حملة، ولكل صليبي يرى في أهل الشرق عدواً، ويعول على نهبهم في ثرائه وتقدمه.

تتحدث بعض الروايات أن أوربان ظل سبعة شهور يعد هذه الخطبة ويضبطها قبل أن يطلق دعوته للحملة الصليبية الأولى، ولم يكن هذا من فراغ؛ فالخطبة تضمنت إستراتيجية أوربا الموحدة فيما بعد:

إغلاق ملف النزاعات الأوربية (الغرب) هو الطريق لاستنزاف الشرق المسلم.

فقر أوربا حله في انتهاب أموال وأراضي الشرق.

نهضة أوربا في وحدتها.

ومن بعد هذا ترتيباً، وقبله إلقاءً، كان الحديث عن:

الملكوت والغفران كجزاء لقتلة المسلمين.

عدالة قضية الغزو وسرقة الأراضي لأنها لتحقيق العدل ومنجاة للحجاج «المسيحيين» الآمنين.

جبرية هذه الحملة لاعتبارها كما قال أوربان في شعاره الذي أطلقه للحملة: «هذه إرادة الرب!».

وفي التفاصيل، كانت الآلة الإعلامية الكنسية تفعل فعلها في تأليب الرأي العام الأوربي، وتطلق شائعات متوالية، وتزور الحقائق، وتأخذ القضية باتجاه معكوس:

المسلمون «وثنيون».

هناك مشكلة «أقليات» واضطهاد لـ«حجاج مسيحيين» في الشرق، ولابد من «التدخل» لرعاية هؤلاء.

المسلمون هم من استولوا على أراضي الإمبراطورية الرومانية في الشرق، «وقطعوا أوصال الإمبراطورية البيزنطية، وانتزعوا منها أقاليم بلغ من سعتها أن المسافر فيها لا يستطيع اجتيازها في شهرين كاملين»، كما قال أوربان في موضع آخر من خطبته!

أنه إذا كان العالم سيفنى قريباً مثلما شاع وقتها من قبل الكنيسة، وعلاماته انهمار شهب كثيرة وظهور مذنب وشفق وخسوف للقمر، وأمراض تحفز هجرة جماعية، فإن على «المسيحيين» أن يموتوا شهداء في حرب مقدسة!

هكذا إذن يراها أوربان ويراها كل مؤمن بفكر أوربان، أن المسلمين هم من اقتطع أراضي البيزنطيين في «الشرق» واستولوا على قبر المسيح! والحل بإعادة الأمور إلى نصابها وإعادة احتلال هذه الأراضي، والمخرج لأزمات أوربا الاقتصادية هو في نهب «الشرق» الذي أصبح مسماه فضفاضاً بعد ذلك ليشمل الاستيلاء على أراضي المسلمين وغير المسلمين في إفريقيا وآسيا، حتى تلك التي أتى منها الإرهابي الأسترالي تارنت الذي قتل أكثر من خمسين مسلماً في مسجد النور بنيوزيلندا بدم بارد.

وبمرور القرون، نجد أن شائعات أوربان لم تزل «غضة» يتغذى عليها إعلام وثقافة الغرب اليوم، لاسيما اليمين العنصري المتطرف؛ فالمهاجرون جاءوا لنهب ثروات «بيزنطة» الحديثة، وهم أحفاد أولئك الوثنيين الهمجيين الذين مزقوا أراضي الإمبراطورية البيزنطية واستولوا على قبر المسيح!

غير أن القصة الحقيقية تبدأ بصورة مختلفة تماماً، وباختصار: جاء الإسلام فحرر الشعوب المضطهدة وأعاد لها ممتلكاتها وحقوقها، ثم ضعف أبناؤه فتسلط الأوربيون عليهم، وارتكبوا مجازر بمئات الملايين ولم يكن ضحاياها هم من المسلمين وحدهم، بل كل العالم دفع ثمن تخلف المسلمين، فكان ذلك مما «خسر العالم بانحطاط المسلمين» مثلما أفاض العلامة أبو الحسن الندوي في كتابه الشهير ذاك؛ فكل البشرية بالفعل دفعت ثمن تراجع المسلمين، فقتل الغرب أكثر من مئة مليون من سكان أمريكا الأصليين، وخفضت مئتان وخمسين مجزرة عدد سكان أستراليا من 250 ألفاً إلى 60 ألفاً من العام 1788م وحتى 1920م قبل أن يفضل الغزاة البريطانيون أن يحيلوهم عبيداً للانتفاع بجهدهم بدلاً من قتلهم!

تنوعت نشاطات أتباع أوربان فيما بعد؛ فنزع بعضهم إلى تفريغ بلدان من سكانها الأصليين للحلول مكانها مثلما حصل في الولايات المتحدة وأستراليا وبعض البلدان في أمريكا الجنوبية وإفريقيا، واختار بعضهم أن تتحول علاقته بالدول المحتلة إلى استعباد أهلها ثم تصديرهم إليها للعمل في الزراعة ثم الصناعة، فخلصت إلى سلوك أوربي وحشي أفرز أكبر عملية استعباد في التاريخ الإنساني كله، قام فيها الأوربيون في القرنين السادس العشر والذي يليه بأسر أكثر من مئة مليون إفريقي وبيع من بقي منهم على قيد الحياة (يقدرون بنحو الثلث أو الربع) في رحلات بحرية مميتة لتجار في الغرب، وفقاً لشهادة علمية أكاديمية فرنسية موثقة، قامت بها الباحثة الفرنسية البارزة جاكلين بيوجيو البروفيسور الفخري بجامعة باريس، رئيسة الجمعية الجغرافية الفرنسية السابقة (1917-1995م)[1]، والتي أوردها المفكر الإستراتيجي البارز د. جمال حمدان في كتابه «إستراتيجية الاستعمار والتحرير»، والذي قال فيه معلقاً على تلك المعلومة المرعبة: «كان عصر النخاسة الذي لم يعرف العالم له مثيلاً من قبل ولا من بعد. وتلك كانت بالتالي أسود نقطة وأبشع وصمة في تاريخ الاستعمار العالمي. فقد كان الرقيق أغلى سلعة في التجارة الاستعمارية، وبخار آلة المركانتليه إن لم يكن وقودها الأسود، وعليه بنت القوى البحرية اقتصادها ورخاءها (...) ومن الصحيح كل الصحة أن نقول إن لشبونة وليفربول قد بنيتا على عظام الرقيق الأسود ودماه. وقد شهد المحيط الأطلسي مثلثاً دموياً يدور مع عقارب الساعة - التجارة المثلثة كما تسمى - تبدأ فيه السفن بنقل بضائع ومصنوعات بريطانيا إلى غرب إفريقيا حيث تستبدل بها شحنات آدمية، ثم تنطلق عبر المحيط لتفرغها في أمريكا الشمالية والوسطى والجنوبية، ومنها تعود محملة بمحاصيل المداريات من سكر وروم وقطن وتبغ.. إلخ. (...) وكان هذا الاستعمار أو بالأحرى الاستخراب الديمغرافي نزيفاً بشرياً رهيباً أصاب القارة بفقر الدم والضمور»[2].

هذا أصل القصة، وقد تطورت تفاصيلها فيما بعد، فقد قامت النهضة الأوربية الحديثة على عدة محاور، هي:

استعباد ملايين الأفارقة للعمل في مشاريع الغرب (أوربا والولايات المتحدة وأستراليا) البازغة.

احتلال بلاد إسلامية واستنزاف ثرواتها، ثم تعيين وكلاء لها لإكمال المهمة الاستعمارية.

إفقار الشعوب الأخرى وإلجاؤها إلى رفد الغرب بالثروات والمواد الخام، والإفادة بها كأسواق استهلاكية.

توجيه سهام الغرب بعيداً عن الاحتراب الداخلي وتوجيه الصراعات نحو تقاسم الثروات، وفقاً لوصية أوربان.

لكن..

مع تطور الثورة الصناعية الأوربية في القرن الثامن العشر وما يليه، وحصول تطورات طرأت على البنية الاجتماعية والسياسية الأوربية، منها تراجع الأسرة كمكون اجتماعي رئيس، والرفاه الناجم عن استنزاف الشعوب، حصلت حاجة إلى استيراد أيدٍ عاملة من الشرق، لكن هذه المرة باختلاف جذري يتعلق بمنطق العبودية ذاته؛ فمع تجريم العبودية دولياً والتطور الحاصل في الخطاب البنيوي العالمي لم يكن عودة الأفارقة والعرب والآسيويين إلى أوربا تحت لافتة الاستعباد والقهر، بل أتوا إلى أوربا هذه المرة «طواعية» أو تحت ضغط الإفقار والاستبداد (الذي تسبب به الغرب بالأساس ولم يزل يرعاه ويحكم قبضته لاستمراره).

مع قوانين الضمان الاجتماعي والتقاعد المبكر وغيرها من نواتج الرفاهية احتيج إلى من «يعول» جيشاً من المتقاعدين، حين تحولت أوربا إلى «قارة عجوز» بكل ما تعنيه الكلمة؛ فكان الترحاب الخجول بالمهاجرين في عقود سابقة، فاندفعت جماهير عربية وإفريقية وآسيوية من المسلمين وغير المسلمين للبحث عن عيشة رغدة أو حرية مفتقدة.

ولم يكن هذا مقلقاً بدرجة كبيرة في أوربا، لكن ازدياد أعداد المسلمين في أوربا خصوصاً بدأ في إزعاج ساستها ومفكريها، إذ تبين أن عدداً من الأسباب الجوهرية أدت إلى اصطباغ أوربا شيئاً فشيئاً باللون الأخضر:

الهجرات المسلمة المتوالية، وازديادها كلما زاد الفقر أو الاضطرابات السياسية في البلدان الأصلية، وانسداد الأفق لدى قطاعات كبيرة من الشباب المسلم، من العرب وغير العرب.

حصول قطاعات واسعة من المهاجرين على الجنسيات الأوربية المانعة من تهجيرهم إذا ما تطلب الأمر.

ازدياد معدلات الدخول في الإسلام في فترات ما، لاسيما في العقود التي سمحت فيها أوربا للدعاة المسلمين بالدعوة في المراكز الإسلامية وزيارات كبار العلماء والدعاة إلى أوربا في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

التغير الديمغرافي الطبيعي نتيجة زيادة معدلات الإنجاب بين المسلمين في أوربا وانخفاضها لدى الأوربيين الأصليين، وتماسك مؤسسة الأسرة بين المسلمين، وانهيارها التدريجي في أوربا.

اختيار معظم المهاجرين السكن والعمل في العواصم الأوربية بطبيعة الحال، ما جعلهم أكثر ظهوراً وتأثيراً وحفز بعض أبناء المسلمين من الجيل الثاني والثالث على الانخراط في العمل السياسي، وتبوء مناصب بالفعل في الدول الأوربية.

هذا كله جعل اللون الأخضر لافتاً للنظر في أوربا، ومن ثم مثيراً للقلق جداً لكثير من الساسة ورجال الكنيسة والإعلام والنخبة المثقفة. وكان طبيعياً أن يتغذى اليمين الناشئ على التخويف من هذه الظاهرة؛ فصارت «الإسلاموفوبيا» أكثر من مجرد تخوفات؛ فنشأت أحزاب تدعو إلى خلوص الجنس الأوربي، وإعادة المهاجرين إلى ديارهم أو سلبهم بعض حقوقهم إن تعذر طردهم.

غير أن طرد المسلمين في أوربا لم يعد بالأمر السهل؛ فدونه تحديات كبرى:

أولها: أن قطاعاً من مسلمي أوربا لم يعودوا مهاجرين بل مواطنين أوربيين لا تجوّز القوانين الأوربية طردهم من بلادهم الأوربية الحالية.

ثانيها: أن قطاعاً آخر من مسلميها هم من السكان الأصليين بل ومن العرق الأبيض نفسه، وهذا يصعب من عملية إقصائه اجتماعياً وسياسياً إلا باتخاذ إجراءات تقوم على أسس دينية متعصبة واضحة تضرب الفكرتين الليبرالية والديمقراطية في مقتل.

ثالثها: أن أوربا لم تزل بحاجة إلى الأيدي العاملة من خارجها حتى الآن، لاسيما في بلدان كألمانيا، التي تواجه رئيسة وزرائها معارضة قوية من اليمين المتطرف بسبب دعمها النسبي للمهاجرين.

رابعها: أن عملية طرد متهورة كهذه لها تداعياتها الخطيرة جداً على المستوى الأوربي الداخلي، وفي العالم برمته، ولهذا؛ فإن الشروع بها قد يكون مكلفاً جداً لأوربا على أكثر من صعيد.

مع ذلك؛ فإن الوجود الإسلامي في أوربا قد أصبح «مشكلة أوربية» يتقاذفها الساسة والمفكرون الأوربيون، ويحاولون إيجاد حل لها لا يؤدي إلى تفاقم المشكلة عوض حلها.

قبل ستة عشر عاماً رأى رئيس الوزراء الصهيوني المتطرف آرييل شارون هذه «المشكلة» من زاويته الخاصة؛ فقال «إن وجود المسلمين في أوربا بشكل أقوى عن أي وقت مضى يهدد بالخطر يقيناً حياة اليهود، هناك نحو 70 مليون مسلم يعيشون في الدول الأعضاء بالاتحاد الأوربي»[3]، ويعتقد على نطاق واسع أن اليمين العنصري المتطرف الداعي إلى طرد المهاجرين «المسلمين» تحديداً في أوربا، (ومؤخراً الولايات المتحدة وأستراليا) تدعمه دوائر صهيونية أيضاً. وهذا يحيل إلى عدة تحديات تواجه المسلمين في أوربا:

أن صعود اليمين المتطرف يلقى تشجيعاً من الكيان الصهيوني ويلتقي معه في الأهداف والرؤى، وهذا جلي لدى ساسة يمينيين بارزين في العالم كدونالد ترمب رئيس الولايات المتحدة (والذي يعتبره الإرهابي الأسترالي تارنت قدوة له!)، وجايير بولسونارو رئيس البرازيل اليميني المتعصب المؤيد بشدة للكيان الصهيوني واستيلائه علناً على القدس وفلسطين، وفيكتور أوربان رئيس وزراء بولندا المناصر للكيان الصهيوني وصاحب المواقف العدائية السافرة للمهاجرين المسلمين، ووزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني الذي رفض السماح لمركب إنقاذ يحمل مهاجرين عالقين في البحر الدخول للبلاد لتلقي الإسعافات، وزعماء يمينيين قادمين من الخلف في أكثر من بلد أوربي لم يحصلوا فيه بعد على الغالبية في الانتخابات لكنهم اقتربوا منها، كفرنسا وألمانيا والدنمارك وغيرها.

أن صعود اليمين يستقي ماءه العطن من تباطؤ الاقتصاد الأوربي الذي جيره اليمين المتطرف (الصليبي) لأسباب منها ما يتعلق بالسماح للمهاجرين بالعمل وأخذ وظائف أصحاب البشرة البيضاء من غير المسلمين!

أن حصول اليمين الصليبي في أوربا على نحو 25% من التأييد داخل البلدان الأوربية على تفاوت بينها في تلك النسبة الجامعة، لا ينذر فقط بمستقبل داكن أمام المسلمين، بسبب موجة العداء المتصاعدة فحسب، بل أصبح منذراً بتحول الوسط واليسار ويمين الوسط إلى تبني مطالب اليمين المتطرف، وهذا ما يمكن ملاحظته بشدة في فرنسا التي لم تبتعد فيها حكومة ماكرون عن سياسة بشرت بها وصيفته في الانتخابات الرئاسية لوبان، رئيسة الجبهة الوطنية الفرنسية شديدة العداء للأجانب، وغير فرنسا من الدول الأوربية الغربية، لاسيما الإسكندنافية، وحتى ألمانيا التي اضطرت رئيسة وزرائها إلى التحالف مع قريبين من اليمين المتطرف في ائتلافها الحكومي الحالي.

ما يتحسب له المسلمون في أوربا له مبرراته القوية، بل القوية جداً، فموجة العداء تزداد قوة، ومظاهرها لا تتوقف عند بعض الحوادث الفردية التي يحد من غلوائها بعض ألوان التعاطف الخجولة، والتي تجلت كمثال في الحالة النيوزيلندية (الأوربية الهوى) الفريدة نوعاً ما، بل إن الاعتداءات على المساجد صارت تحصل بوتيرة متصاعدة جداً، وغزت بلداناً وصمت دوماً بالتسامح والانفتاح على الآخر كبريطانيا، وانتقلت من حالة الاعتداء الرمزي المتمثل في رسم رأس خنزير أو تشويه أبواب المساجد بألوان أو كتابة عبارات عنصرية إلى فتح رشاشات تحمل عبارات عنصرية على المصلين كما في نيوزيلندا الآسيوية (الغربية)، وكندا وغيرهما. وتعدت الاعتداءات من الطرد من الشواطئ كقضية البوركيني الشهيرة في فرنسا، ومنع النقاب والأذان في المساجد إلى القتل دون رقيب يذكر.

ما صار يؤرق المسلمين أكثر أنه في حين تقع شوارع أوربا ومبانيها وسط غابة من كاميرات المراقبة إلا أن النزر القليل من حوادث استهداف المساجد قد مر دون محاسبة، وقيد كثير منها ضد مجاهيل! ما عزز فرضية تورط أجهزة استخبارات غربية في رعاية عمليات اليمين المتطرف، وهو ما ظهر بوضوح مع مظاهرات حركة بيغيدا الألمانية، والتي يأتي اسمها اختصاراً لعبارة «أوربيون وطنيون ضد أسلمة الغرب»، والتي تتواتر الشواهد على دعم جناح في الاستخبارات والشرطة الألمانية كذلك لها، وهو ما قد ظهر في أغسطس الماضي حين ذاع وسم (هاشتاغ) «بيغيزاي» في ألمانيا، وهو تركيب لأول ثلاثة حروف من كلمة بيغيدا «Peg» مع آخر ثلاثة حروف من كلمة شرطة بالألمانية «Zei»، ليكون مصطلح «Pegizei»، توكيداً من المغردين على تواطؤ شرطة ساكسونيا الألمانية مع الحركة اليمينية المتطرفة.

وسط هذه الغوغائية التي باتت تحكم الحالتين السياسية والاجتماعية في أوربا حيال المسلمين من المهاجرين وغيرهم، لا يمكن إغفال وجود يد خفية تغذي الإسلاموفوبيا أو صعود اليمين المتطرف أو «الصليبية الجديدة»، فلا ضير أن نضع بأنفسنا هذه الفرضية التي قد تكون صحيحة أو لنسمح لاختبارها في قادم الأيام.

نفترض أن:

الاعتداءات الرمزية في أوربا، وتفجير قضية الاندماج وضرورته فكرياً لم تكن سوى تمهيد لمحاولة التضييق شيئاً فشيئاً على المسلمين.

تلت هذه الاعتداءات عملية توجيه ممنهجة لتهيئة الرأي العام الأوربي لتقبل التطرف ضد المسلمين، وتغييب صوت «التسامح» و«الانفتاح»، وقد قام بها تنظيم داعش المرتبط بأجهزة استخبارات في أكثر من دولة، فدخل التمهيد مرحلة جديدة، يمكن أن تغذي لاحقاً فكرة صعوبة التعايش مع المسلمين المهاجرين، وتعزز من حظوظ اليمين المتطرف (الصليبي).

تأتي مرحلة توقف داعش ولو مؤقتاً وحمل الراية من قبل الطرف الآخر، اليمين المتطرف ليقوم بعمليات نوعية تقتل عدداً كبيراً من المسلمين في اعتداءات متنوعة، بهدف إرهاب المسلمين ودفعهم أكثر للانكماش والخوف والتهيؤ لدخول مراحل أخرى قد يصبح فيها وجودهم بأوربا والغرب عموماً مهدداً.

اختير في هذه المرحلة هدف بعيد نسبياً لقياس ردود الفعل من خلاله، لأن الاعتداء على مسجد وقتل العشرات في بلد أوربي ليس مما يُتقبل بسهولة، وبالتالي فالأمر بحاجة لبالون اختبار في بلد ليس مركزياً لقياس مدى جدواه.

سيكون تالياً على اليمين أن يكشف أكثر عن أيدلوجيته وأن يضع الصراع في الواجهة بأبعاده الدينية والتاريخية، وبالفعل قام بهذا الجهاز الذي وقف خلف اعتداء تارنت، والذي أبرز الجانب الفكري لعملية الاعتداء الإجرامي على المسجد وسمح لبعض دوافعها الأيدلوجية أن تظهر للإعلام وتوضع في محل النظر والترويج. وأفترض أن ما حشد في الأوراق التي قاربت الثمانين والتي قيل إن الإرهابي قد وضع بها حيثيات دوافعه للقتل الجماعي لم يكن عملاً فردياً وإنما هو أكثر من مجرد خواطر إرهابي!، ورواجها لم يكن سبقاً صحفياً بريئاً، ولا السماح بانتشار مقطع الجريمة قبل سحبه كذلك يتمتع بالبراءة ذاتها.

سيصبح تارنت أيقونة ورمزاً لليمين المتطرف، وسيوضع اسمه على سجلات إرهابيين آخرين مثلما وضع هو ذاته اسم سابقيه على رشاشه المتطور. وهذا بدت بوادره المشؤومة مع الاحتفاء غير المسبوق بعمله في مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات التعليقات في بعض الصحف الغربية، والتي لم تتدخل - بالمناسبة - مواقع التواصل لحذف حساباتها المشبوهة مثلما تفعل مع حسابات إرهابيي «الشرق»!

يتم تطبيع عمليات الإرهاب الجماعي تلك للحد الذي تخفت معه أصوات الاعتدال، ويصبح رحيل قطاعات من المسلمين من الدول الغربية محل نظر منهم ومن غيرهم أيضاً، وتبدأ رويداً رويداً حركة هجرة عكسية مرغوبة من ساسة أوربا القادمين.

لكن لماذا هذه الفرضية «المتشائمة»؟!

بالفعل قد لا تكون هذه الفرضية دقيقة جداً في تفاصيلها، بيد أن المنحنى الحالي إذا ما مد على استقامته فإنه يقود إلى أن وصول كثيرين من زعماء اليمين الإرهابي إلى سدة الحكم في بلدانهم ربما كان مسألة وقت، لاسيما في ألمانيا التي كافحت فيها إنجيلا ميركيل لوقف صعود اليمين إلى أن خارت قواها فآثرت التقاعد السياسي. ومن ثم أصبح احتمال استيلاء اليمين الصليبي على الحكم في البلد الغربي الذي يعد قاطرة الاقتصاد الأوربي، ودولته القائدة في الاتحاد الأوربي أكثر توقعاً.

هناك أيضاً ما يدعم هذه الفرضية، ليس من أوربا وحدها ولكن من العالم برمته، خصوصاً العربي منه، والذي يشهد أسوأ حالات الفوضى والاستبداد والمعاداة لمظاهر التدين، والتي لا تجعل من شعوب العرب أملاً للمظلومين في أي مكان، ولا تسمح لدعاتهم وقواهم الحية أن ترفد المسلمين في أوربا بدعم معنوي واحتجاجي (يقارن مثلاً ما حصل إبان أزمة سلمان رشدي، والرسوم المسيئة، كيف كان على أوربا أن تتحسب قليلاً لردود الأفعال الإسلامية حول العالم، لكن هذه الحماسة الدينية قد أخمدت بوسائل كثيرة قمعية، وأيضاً أوربية حين صارت الإساءة إلى الإسلام ورموزه أمراً مألوفاً لكثرة شيوعه وانتشاره الجغرافي ما أذاب الغضب الإسلامي وصولاً إلى مرحلة شارلي إيبدو الصحيفة الفرنسية الساخرة من الإسلام، والتي أريد للاعتداء عليها أن يكتم أصوات الاحتجاج الإسلامية ضد بذاءاتها، وهو ما قد حصل بالفعل).

صوت التفاؤل علا بسبب التعامل «الإنساني» من رئيسة وزراء نيوزيلندا، وحكومتها حيال الجريمة النكراء، لكن لا يبدو أن علوه سيستمر طويلاً؛ فكثير من أسباب التفاؤل رهينة اللحظة التي فاضت فيها مشاعر من مسلمين وغير مسلمين، وربما كان «بالون الاختبار» هذا قد أتى على غير مراد مطلقيه، لكن هذا لا يدعو إلى الاستمرار في التمني الأجوف باضمحلال يمين صليبي يجد كل أسباب الصعود متاحة.

إن من أبرز ما يجعل هذا التفاؤل مشوباً بحذر وقلق شديدين هو افتقار المسلمين لإستراتيجية مقابلة سواء من هم في أوربا، والذين جردوا من كثير من أسباب قوتهم ووحدتهم ووضعوا إلى حد بعيد تحت نير ضغط غير مرئي من الرقابة والتشدد حيالهم وحيال أنشطتهم ودعوتهم، أم من هم خارج أوربا والغرب عموماً، في الدول الإسلامية. وإذا كنا متواضعين أكثر؛ فإن الطموح قد لا يصل إلى مرحلة وضع «الإستراتيجيات» بل إن هذا التحدي لم يقابل حتى بمجرد التفكير الجمعي أو العصف الذهني! إنه لا يلقى اهتماماً بحجمه أبداً على نحو عالمي؛ فطبيعة المرحلة أفضت إلى انكفاء كل مسلم على مصائب محيطه الفردي؛ فغدت التحديات المحلية الهائلة التي تنوعت ما بين إبادة جماعية وتقسيم دول وتجويع شعوب وإقصاء دين هماً شاغلاً للمسلمين في أوطانهم كبلهم عن الاهتمام بأحوال أممية عامة جديرة بالاهتمام الجمعي كذلك. وهذا بحد ذاته مخلق لفكرة ريادة هذه الأمة ووحدتها وأخوة أبنائها حين تبتعد حثيثاً عن خيريتها وتتنكب طريق بقائها وحضورها.


 


[1]  Jacqueline Beaujeu- Garnier Géographie de la population, II, p.39

[2]  د. جمال حمدان، إستراتيجية الاستعمار والتحرير، ص82-83.

[3] حوار أجراه موقع «إي يو بوليتيكس» المخصص لشؤون الاتحاد الأوربي مع شارون يوم 24/11/2003م.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة