حوار مع الاستاذ د. مصطفى حلمي

Share
Share
حوار مع الاستاذ د. مصطفى حلمي
حوار مع الاستاذ د. مصطفى حلمي


مصطفى محمد حلمي، ولد عام 1932م.

حصل على الليسانس في الفلسفة من كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، ثم على درجة الماجستير من الكلية نفسها، وكانت أطروحته في (الإمامة عند أهل السُّنة والجماعة)، ثم حصل على الدكتوراه في الكلية، وكانت رسالته عن (موقف المدرسة السلفية من التصوف).

عمل أستاذاً في عدد من الجامعات الإسلامية: كجامعة القاهرة، وجامعة الملك سعود وجامعة أم القرى بالسعودية، والجامعة الإسلامية بباكستان.

 اهتم بالدفاع عن عقيدة أهل السُّنة والجماعة وتصحيح ما يطرأ على واقع المسلمين من مخالفات منهجية لها، وقد اعتنى في بحوثه التي قاربت الـ 30 بين بحث وتحقيق بموضوعات: (السلفية، التصوف، الفكر السياسي الإسلامي، الغزو الثقافي، أسلمة العلوم)، وأهم دراساته هي دراساته عن السلفية التي نال بها جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عام 1987م.

 مجلة البيان: في حياة عامرة حافلة بالمواقف والشخصيات والأحداث العاصفة التي حدثت في مجتمعاتنا... ماذا علَّمتك الحياة؟

الشيخ مصطفى حلمي: بادئ ذي بَدْء أشكركم على هذه الثقة بشخصي الفقير إلى الله، وأسأله - سبحانه - أن يغفر لي ما لا تعلمـون.

نعم، نزلتْ بمجتمعاتنا انقلابات كان لها أثرها البالغ في الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وكانت ثمرة مرَّة لنجاح الاستعمار في تهميش الدين في حياتنا، بينما ينغرس الغرب حتى النخاع في مذاهبه الفلسفية وأهدافه السياسية. وعانيت – أنا وأبناء جيلي – من آثـار الغـزو الثقـافي الـذي أدَّى إلى تشويه تاريخنا الإسلامي، وتجزئة أمتنا بأفكار الوطنية والقومية، واستيراد النظم المستوردة لتحل محل النظم الإسلامية في الاجتماع والاقتصاد والسياسة والتعليم والتربية، فَعَقدتُ العزمَ على تصحيح المفاهيم لشباب الصحوة؛ إنقاذاً لهم من البلبلة في المفاهيم والحيرة التي عشناها وكابدناها.

مجلة البيان: هل يمكن أن توجز لنا أهم معالم هذا الغزو، وطبيعة الصراع بين المسلمين وبين أعدائهم؟

الشيخ مصطفى حلمي: لقد آن الأوان لأن يدرك المسلمون طبيعة هذا الصراع الطويل؛ إنه صراع بين الإيمان والطغيان: بين الإيمان الذي حمل أمانته نبينا صلى الله عليه وسلم لتحرير الإنسان ورفض الخضوع لقيم الحياة المادية والمعنوية، وبين تحرير العباد من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد؛ لتبقى العبودية لله وحدَه.

لقد ارتكب الاستعمار الغربي ضمن جرائمـه الكثيـرة ثلاث جـرائم كـان لهـا أثر بالغ في تحطيم الأمة وإبعادها عن مسارها:

الأولى: إلغاء الخلافة العثمانية عام 1924م، وفرض العَلمانية الفاجرة على أغلب الدول العربية والإسلامية مستخدمة كافة ألوان البطش والقمع.

الثانية: غرس الدولة اليهودية اللقيطة في الأرض الإسلامية عام 1948م، ودعمها عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وإجهاض أي حركة إسلامية للنهضة وَفْقَ النموذج الإسلامي.

الثالثة: تغيير مناهج التعليم في المدارس والجامعات، ومن ثَمَّ تربية عناصر من الساسة والقادة وَفْقَ ثقافة المستعمر ونُظُمه، فتشتت الأمة بين نموذجين: الديمقراطي الرأسمالي، والاشتراكي.

مجلة البيان: ما تقييمكم لجدوى ما يسمى بالحوار الدينـي، وهل هو مجرد محاولة لتخدير المسلمين؟

الشيخ مصطفى حلمي: لم يعد خافياً أن الدين أصبح محركاً للسلوك السياسي الغربي من وراء ستار، وأسفرت الروح العدائية عن وجهها القبيح؛ على الرغم من محاولة إخفائها حتى لا توقظ الحمية الدينية لدى المسلمين. وإمعاناً في التغرير والتخدير وخداع المسلمين نادى الغرب بما سماه «الحوار الديني»؛ بينما هو في الواقع يخطط لإبادة الإسلام وتشويه صورته بكل وسيلة. فبعد تساقُط الأنظمة الشيوعية كسقوط أوراق الشجر في فصل الخريف، أخذت العقائد الدفينة في القلوب تظهر بقوة على الألسنة وفي الدوائر السياسية، والكتابات الصحفية الغربية. وحسبنا في ذلك شهادة (د. مراد هوفمان) الذي أمضى أربع سنوات مديراً إعلامياً لحلف الأطلنطي وهو يعلن أنه رأى بعينيه كيف يخططون لإبادة الإسلام وتشويه صورته. ويتبين من هذه الشهادة: أن دعاوى الحوار ما هي إلا نوع من تخدير الضحية ليسهل الإجهاز عليها، وهو (الطُّعم) الذي يستدرج المسلمين للخروج عن دينهم، وهو ما فطن إليه شيخ الأزهر السابق جاد الحق - رحمه الله - من أن هذه الحوارات بلا جدوى؛ فكيف يُطلَب من الضحية أن تقيم سلاماً مع الجاني؟ فالتعصب الكنسي يتخذ من الحوار ذريعة لكسب الوقت لعمليات التبشير. إن دعوات الحوار - باختصار - تُحرِّكها: إما أصابع صهيونية خفية؛ وإما مساعٍ تفتح العالم العربي والإسلامي لعمليات التبشير.

مجلة البيان: تعالت أصوات مراوغة تنادي بالتجديد وتحديث الإسلام ليتلاءم مع العصر؛ فما دوافعها يا ترى، وما تقييمكم لأهدافها ومراميها؟

د. مصطفى حلمي: إن السؤال الجدير بالطرح، هو: ما معنى التجديد، وما منطلقاته؟

إن التجديد بمعناه الصحيح يعني رد المسلمين إلى حقيقة الإسلام؛ فدور المجددين الحقيقي هو إفهام الناس وتوعيتهم كلما انتكسوا في جاهلية عدمِ الفهمِ الصحيح للإسلام؛ فإنما التجديد يكون في فهم الإسلام لا في الإسلام نفسه. أما اللاهثون وراء التجديد حسب مفاهيمهم؛ فهذه الدعوى تحمل خطراً عظيماً نخشى أن يتحول الإسلام على أثرها إلى كائن شبه «هلامي» تُفقِده حقائقه وأصوله وقيمه الثابتة التي أجمعت عليها الأمة منذ أن أشرقت شمس الرسالة المحمدية. وكم كانت أختنا مريم جميلة - وهي أمريكية اهتدت إلى الإسلام - على حق حين رأت أن التجديد بهذه الكيفية هو نزع لحم الإسلام حتى يُعَرُّو عظمه، ثم يسلبون العظم أيضاً إن استطاعوا، إن حقيقة التجديد هي هدم كل مظاهر الإسلام التي تحمل ميزات ثابتة وثقافة مستقلة فريدة. وهي دعوى يتبناها التغريبيون، تؤدي في حقيقتها إلى تخريب الإسلام وإذابة الشخصية الإسلامية في بوتقة الحضارة الغربية. وإن العجب لا ينقضي ممن يحرصون على هوية أمتهم وقيمها الرفيعة المستمَدة من تراثها؛ كيف رضي هؤلاء بمسخ شخصيتها وتدميرها بتقليد حضارة العصر المدمرة؟ فكل محاولة لتفسير الإسلام بتقريبه إلى قيم العصر (أي الغرب) ستفضي إلي التنازل عن هويتنا وعن الإسلام أصلاً.

مجلة البيان: يرى بعضهم حتمية المنهج السلفي لقيام النهضة الإسلامية في حين يروِّج آخرون أنه عودة إلى الوراء وسَير في اتجاه معاكس للعصر؛ فما تعليقكم؟

د. مصطفى حلمي: هذه الفكرة تتكرر بشكل مملٍّ على ألسنة بعض العَلمانيين والحداثيين والمستغربين المتشبعين بآراء المستشرقين المعادية لعقائد الإسلام، والكارهة لشريعته عامة ولمذهب السلف خاصة؛ لأنه الدعامة التي قامت عليها الحركات الإصلاحية، والمنطلق للريادة والحضـارة الإسلامية، وبقدر ما انحلت رابطة الالتزام بين المسلمين والإسلام كان تقهقرهم وصيرورتهم فريسة لغيرهم. فالمذهب السلفي هو الذي حافظ على النقاء التام للعقيدة الإسلامية (عقيدة السلف الصالح)؛ لأن هذه الأمة لن يصلح آخرها إلا بما صلح به أَوَّلها. ويمكننا أن نقرر أن ثمة تلازماً ثابتاً بين الدين والنهضة؛ إذ إن أي إهمال لتعاليم الإسلام فسيرجع بالأمة إلى الوراء ومن ثَمَّ تتكالب عليها الأمم كما نشاهده في عصرنا الحاضر مصداقاً لخبر الرسول صلى الله عليه وسلم.

وبذلك نفهم السر الكامن وراء عداء المستشرقين وأذنابهم للإسلام وخاصة منهج السلف؛ لذا تعرَّض لأشد الهجمات ضراوة، وفي الوقت نفسه اهتم المستشرقون بالشخصيات والمذاهب المخالفة لعقائد السلف؛ فالمنهج السلفي ضرورة لقيام النهضة الإسلامية الحديثة وهذه الحقيقة أعلنها اللورد هادلي بقوله: «قد كنت أعجب دائماً مما كنت أقرؤه عن أبطال الإسلام وعن أولائك الذين خرجوا من العراء حفاة الأقدام فاستطاعوا أن يكوِّنوا أعظم قوات العالم وأعدل قضاة الأرض، وأشهر المشرعين على الإطلاق». ولقد لفتت ظاهرة إمكان إحياء نهضة المسلمين من جديد نظر العالِم الأمريكي جورج سارتون، فقال: «إن المسلمين يمكن أن يعودوا إلى عَظَمتهم الماضية وإلى زعامة العالم السياسية والعلمية كما كانوا من قبل، إذا عادوا إلى فهم حقيقة الحياة في الإسلام والعلوم التي حث الإسلام على الأخذ بها... وإن تلك الهزائم السياسية مُنِي بها المسلمون عندما حادوا عن منهج السلف». فكل باحث موضوعي يوقن بأن أحد أسباب انهيار حضارتنا – إن لم يكن أوَّلها – هو إهمال مذهب السلف. وفي دراسة مستفيضة لتاريخ السلام يلاحظ (محمد أسد) أن سبب الركود والتأخر في المجتمعات الإسلامية إنما هو بسبب هجر تطبيق تعاليم الإسلام. وهذه الملاحظة الدقيقة تجعلنا أكثر اقتناعاً بأن المنهج السلفي كفيل بتحقيق النهضة المرجوَّة بإذن الله؛ لأن الركيزة الأساسية في السلفية هي العناية بأمرين:

الأول: تصحيح العقيدة لإعادتها إلى صفاء التوحيد الخالص.

والثاني: إحياء تعاليم الإسلام في العبادات والمعاملات وتطبيق شريعته، وإزالة التراخي والركود اللذين أصابا المجتمعات فهوت إلى عصر الانحدار. أيشكُّ عاقل مُنصِف بعد هذا البيان أن هدف السلفية هو إحياء الأمة لتباشر رسالتها مضياً نحو المستقبل، لا إعادتها إلى الماضي؟

مجلة البيان: وسط هذا التلوث الإعلامي والحرب على قنوات الفضيلة الإسلامية؛ كيف السبيل إلى النجاة من طوفان الغزو الثقافي والإعلامي الضاغط؟

د. مصطفى حلمي: مع الأسف أن العالَم الإسلامي يتعرض اليوم لحملات تشويه وتشكيك وطعن بدينه بواسطة البث الإعلامي للأقمار الصناعية، والمحطات الفضائية الدولية، ولا يدفع هذا التشويه ويبطل مفعولَه إلا وسائل مشابهة؛ فقد أصبح ذلك ضرورة من ضرورات الحياة المعاصرة للأمة الإسلامية. فمسؤولية الحكومات ليست في تكبيل الإعلام الهادف ومحاربته بل في دعم أجهزة الإعلام للحفاظ على مقومات الشخصية الإسلامية إزاء سموم الغزو العدائي.

كما يجب علينا أن لا ننتظر نحن (أفرادً ومجتمعات) ولا أن نكتفي بالفرجة والسلبية متذرعين بموقف الحكومات، ومن ثَمَّ نعلق المسؤولية على غيرنا. هذا الموقف السلبي يتنافى مع أوامر الشرع الذي يحتم علينا التحرك إزاء هذا التلوث الإعلامي الكريه، لقد أصبحت اليد الطولى في عصرنا مع الأسف للأعلى صوتاً، لا للأقوى حجة؛ بفعل أجهزة الإعلام الجبارة التي لم يعرف العالم لها مثيلاً من قبل، وأصبح في قدرة من يملكها فرض ثقافته على الآخرين في ظل ما يسمى بـ (العولمـة). إن الغزو الثقافي هو حرب فكرية، ولا يماري في ذلك إلا مماحك؛ فماذا أعددنا لها؟ وماذا فعلنا لنجعل المسلم المعاصر يصمد في هذه الحرب؟

إن أعظم سلاح للصمود هو الاستمساك بكتاب الله - عز وجل - وسُنة نبيِّه صلى الله عليه وسلم. ومن أسلحة الصمود أيضاً: ثبات المسلم على عقائده ومبادئه. وكذلك على المسلم أن لا يهتز أمام حملات التشكيك في أنظمة الإسلام وتشريعاته. وكذلك واجب على المسلم أن يتسلح بالجهاد العلمي المتواصل، لتسلَم له ثقافته ويحتفظ بأصالة شخصيته لكي لا تذوب بفعل أجهزة الإعلام الجبارة القائمة على فكرة العولمة الهادفة إلى صهر الثقافات كلها في أتون الثقافة الغربية.

مجلة البيان: برزت في عصرنا مؤسسات تربوية زاحمت الأسرة في التربية؛ فهل من سبيل لأن تستعيد الأسرة دَوْرَها المنشود في التأثير والتربية الجادة؟

الشيخ مصطفى حلمي: في ظل غياب التربية الدينية في المدارس، وتهميش المادة الدينية وعدم إعطائها حقها؛ فإنه على الأسرة المسلمة الحذر واليقظة؛ لأنهم مسؤولون أمام الله - تعالى - عن أولادهم، ولأن أغلب المؤسسات قد تنازلت عن دورها التربوي؛ فمَنْ غيرُنا يربي الأولاد على العقيدة الصحيحة ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة العبادات وأدائها على هدى النبيصلى الله عليه وسلم؟

فالأسرة مسؤولة مسؤولية كاملة عن تربية الأولاد، فَلْيتقِ الآباءُ اللهَ في أبنائهم فلم يعد هناك - مع الأسف - مؤسسات تربي أو تنشئ التنشئة الإسلامية؟

مجلة البيان: في عصر العولمة والانفتاح الثقافي والمعلوماتي: هل من سبيل للحيلولة دون وقوع أولادنا فريسة لطوفان الغزو الثقافي الغربي المدمر؟

الشيخ مصطفى حلمي: لا بد من مراقبة الأولاد، فلا يُترَكون هكذا أمام «الإنترنت» بلا مراقبة، وعلينا أن نُحْسن توجيههم إلى شَغْل أوقاتهم بما ينفع؛ لأن هذه الأجهزة وإن كانت تحمل الفوائد إلا أنها تحمل في طياتها سمّاً قاتلاً؛ فكم أدَّت إلى خراب بيوت كانت بالأمس عامرة، وتحطيم شباب كان بالأمس ملتزماً، فالحذر الحذر حتى لا ننخدع بهذه التكنولوجيا. نعم، قد تعطيك معلومات لكن العلم ليس مجرد معلومات باردة. علينا انتقاء المعلومات وغربلة ما يبثه الإعلام، ومعرفة الصالح من الطالح، وتمييز الضار من النافع؛ فلا بد من الانضباط، وأي قيمة للعلم دون العمل؟ والشأن كله أن يُرزقَ العبد العلم النافع والعمل الصالح.

مجلة البيان: ما تقيمكم للدور الذي تقوم به القنوات الفضائية الإسلامية في الدعوة والتربية؟

الشيخ مصطفى حلمي: يمكن الاستفادة منها بشروط، منها: أن توضع خطة متكاملة متوازنة؛ بحيث تتفق هذه القنوات على الموضوعات التي يراد علاجها، ثم تُقسَم الأدوار؛ فهذه فضائية متخصصة في الدعوة، وأخرى معنيَّة بالتاريخ الإسلامي، وثالثة تتصدى لكشف الشبهات والرد على أهل البدع... وهكذا.

إننا بحاجة إلى المنهجية لا الفوضوية التي قلَّما تثمر؛ فلا بد أن يجد المشاهد جديداً كل يوم، ويعثر على الفائدة المركزة بدلاً من الارتجالية والعشوائية التي نراها. ونسأل الله لهم جميعاً التوفيق والسداد.

مجلة البيان: ثمة مقولة يدندن حولها بعضم، بأن دَوْر المسجد قد انتهى أو ضعف في ظل ثورة الإعلام والفضائيات؛ فما رأيكم؟

د. مصطفى حلمي: سيبقى المسجد بلا شك هو قلعتنا الأُولَى والحصن الأول لشباب الأمة، وشتان شتان بين من يجلس متكئاً على أريكته ليستمع إلى العلماء عبر الفضائيات، وبين إنسان يجلس في المسجد يصغي بقلبه وجوارحه للشيخ.

إن أثر التربية في المساجد جليل وخطير؛ فعلى إخواننا الدعاة وطلاب العلم الاهتمام بالمساجد بالدعوة الهادفة، والتربية الصحيحة، وإخراج جيل قراني متخلق بأخلاق القران، معتصم بهويته الإسلامية، يفخر بها ويزهو ويعتز.

مجلة البيان: صارت هوية مصر مسار جدل بين الإسلاميين وخصومهم؛ فكيف ترى هذا الملف؟ وهل من مرتكزات لهذه القضية؟

د. مصطفى حلمي: هذه القضية ليست وليدة اليوم، إنما هي قضية لها ارتباط وثيق جداً بالاستعمار الغربي؛ فهو الذي دأب على تمكين التغريبيين من الوصول إلى مراكز القيادة والتأثير، وعمل على إقصاء أصحاب المشروع الإسلامي وحجب أصحابه عن الناس، فحظي المشروع التغريبي وسدنتُه بالسلطة والنفوذ والتلميع والتشجيع. أما المشروع الإسلامي – إن صح التعبير – فلقد أدَّى دوراً لا ينكَر على الرغم من محاربتهم له بلا هوادة؛ فكان بحق بمثابة الشرايين التي تغذِّي الصحوة الإسلامية، يساعدها على الفرقان بين الحق والباطل. والعجيب أن أكثر المفكرين العَلمانيين الذين حملوا لواء التغريب ودافعوا عن المشروع التغريبي، قد رجع أكثرهم إلى الحق؛ فرجع طه حسين عن بعض آرائه، وكذلك زكي نجيب محمود، ومصطفى محمود، ومحمد عمارة. نعم هنالك أفـراخ للعلمـانيـة لا زالـت تنفث سمومها في عصرنا وتحتاج إلى وعي وكشف لهؤلاء ليحذرَهم الناس، وعلى الرغم من انعزال هؤلاء عن الواقع إلا أنهم يحسنون – مع الأسف – تفريخ تلاميذَ في الجامعات والإعلام والصحافة؛ حيث ينثرون الشبهات، ويغرسون الاتجاهات المنحرفة أينما حلُّوا؛ فلا بد إذن من الوعي واليقظة مع عدم تشتيت الجهود في الرد على هؤلاء. وعلينا أن ننشغل بالتربية والتأصيل وبناء الجيل بناءً إيمانياً وعقدياً وتربوياً متوازناً؛ فنكتفي بالإشارات البسيطة والرد على شبهاتهم بحسب قيمتها وأهميتها؛ لأن من أساليب المخطط العدائي الماكر هو تفريق الجهد في الفعل وردِّ الفعل، وتشتيت الطاقة فَلْنحذر من هذا الاستدراج وعدم الوقوع في شَرَك هذا المخطط الغربي الخبيث.

مجلة البيان: الهجمة الغربية الشرسة المنظمة على ثوابتنا باتت أمراً مستفِزاً لا يطاق؛ فما تفسيركم لهذا العداء للإسلام والمسلمين؟

الشيخ مصطفى حلمي: إن هذه الهجمة المشاهَدة عسكرياً وفكرياً واقتصادياً وإعلامياً ليست عقداً منفرطاً؛ إنها خطة إستراتجية مُحكَمة تظهر في بلد ثم تنتقل إلى آخر، ويتولى كِبْرها دولة هنا ودويلة هناك في ما يشبه توزيع الأدوار، وهي وثيقة الصلة بالحرب الصليبية، بل إنها - حقاً - حرب صليبية بشهادة مفكرين غربيين أمناء لا بشهادة المسلمين، وهذه الحرب لها شقان:

الأول: الغزو العسكري كما نرى في العراق وأفغانستان وغيرهما من البلاد والحواضر الإسلامية.

الثاني: الحرب النفسية لخلخلة العقيدة، وزلزلة ثوابت أجيال جهلت عقيدتها الصحيحة. وهدفهم فصل الأمة وإبعادها عن دينها؛ لأنهم علموا من خلال دراسات مستفيضة أن الأمة متى استمسكت بدينها استحالت عليهم، وكانت عَصيَّة أبية؛ فلا سبيل إلى غزوها إلا بإبعادها عن دينها، وعزلها عن الفهم الصحيح للإسلام. قال - تعالى -: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْـحَقُّ} [البقرة: 109].

 وربما يخفى على كثيرين أن الغزو الاستعماري بنوعيه (العسكري والثقافي) هو سر تردِّي أحوالنا. إن السبب الرئيس في هذا العداء السافر للإسلام: أنه يشكل بعقيدته وعباداته وشريعتيه وقيمه نقطة المقاومة الرئيسية إذا تسلَّحت به الأمة دفاعاً عن نفسها ودينها؛ وهكذا سيبقي الإسلام في أعماق الأمة يؤدي دَوُره المزدوج؛ أي: المحافظة على ذاتية الأمة، كما أنه هو الدرع الذي به تدافع أمتنا عن كيانها في الوقت نفسه. ورُبَّ ضارة نافعة؛ فدلالة حملات التشويه والإساءة للإسلام اعتراف بأن العالم الإسلامي ليس جثة هامدة أو كمّاً مهمَلاً.

مجلة البيان: إزاء ظاهرة فقدان الهوية الإسلامية والذوبان في ثقافات وعادات وافدة: ما أسباب ذلك، وكيف العلاج؟

د. مصطفى حلمي: قد لا يعلم كثيرون أن الاستعمار البريطاني لمصر، والفرنسي للجزائر وتونس والمغرب لم يكن مجرد احتلال عسكري عفوي، إنما كان همُّه استئصال هوية الأمة، واجتثات عقيدتها؛ فقام الفرنسيون بتحريم اللغة العربية ومحاربتها وفرض اللغة الفرنسية وهدم المساجد وتعذيب المجاهدين. ولا يخفى ما قام به «دنلوب» المبشر الأسكتلندي من تخريب وتدمير لمناهج التعليم؛ فقام بتدريس جميع المواد باللغة الإنجليزية، وعمل على اضطهاد أساتذة اللغة العربية وعلماء الأزهر وشنَّ حرباً لا هوادة فيها على الشعور الديني والإحساس الوطني للشباب المسلم. فسادت المجتمعات الإسلامية الغربةُ الفكرية والثقافية «فكان التصدع الثقافي وأثر الغزو الثقافي ليس على مظاهر الحياة الإسلامية فحسب، بل على عقول المسلمين ومناهجهم التربوية.

وباختصار فقد استغرقت عملية التغريب سنوات طويلة، فعلينا أن نبذل جهداً جهيداً، ونصبر في البناء دون عجلة، ولا بد من طول النَّفَس وعدم الهزيمة؛ فعلى الرغم من المحاولات المسعورة، والمؤامرات التي حاكها الاستعمار لخلع الأمة عن دينها؛ فإن الأمة ما زالت معتزة متمسكة بدينها. لقد ظن أتاتورك اليهودي أنه أبعد تركيا عن الإسلام إلى الأبد، وخُيِّل للذين تابعوا خططه الشيطانية أنه لن تقوم للإسلام قائمة؛ ولكن هذا الطاغية اليهودي خاب وخسر ومات في أسوأ حال، ولو عاش ورأى عودة الإسلام إلى تركيا لمات حسرة وكمداً.

وهكذا لن تستطيع العَلمانية أن تزيح الإسلام؛ لأن مبادئ الإسلام الراسخة أقوى واتقى وأبقى أثراً في شغاف القلوب. وسبيلنا للحفاظ على الهوية هو التصدي للعولمة ويكون بأمور، منها:

أولاً: إحداث وعي إسلامي عامٍّ بواسطة تعاون أجهزة الإعلام بكافة الدول الإسلامية؛ لأن مسؤولية المحافظة على الهوية مشتركة بين الأفراد والمجتمعات والدول.

ثانياً: التسلح بعقيدة التوحيد التي تُظهِر أصالة أمة الإسلام وتحمي هويتها الخاصة التي لا تشاركها فيها أمة من الأمم.

ثالثاً: التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الأسوة الحسنة في كل العصور وهو وحدَه صلى الله عليه وسلم الذي ضرب المثل الأعلى للسلوك الإنساني، وحين نتخذه أسوة لنا فإن ذلك يعصم المسلمين (شباباً وشيباً) من الافتتان بكل ناعق.

رابعاً: إعلاء شأن اللغة العربية، والاعتزاز بها؛ لأنها إحدى مفردات الهوية الإسلامية فضلاً عن أنها لغة القرآن، ولقد وحَّدتْ الأمةَ عبر تاريخها المشرِّف. وما إهمال اللغة العربية في السنوات الأخيرة إلا نذير خطر على أمتنا، وتسهيل دَوْر العولمة في ابتلاع أجيال تتخطفها اللغات الأجنبية لا سيما الإنجليزية.

خامساً: للإعلام والقنوات الفضائية التي ألغت الحدود دور حاسم؛ فهي بحق سلاح فعَّال إذا استطعنا استنفار أجهزة الإعلام بالدول العربية والإسلامية كافة وتوحيد الخطة العامة نحو هدف واحد، ضد تيار العولمة.

مجلة البيان: هل ترى أن الخطاب السلفي المعاصر قد نجح في عصر التعايش وتجديد الخطاب الديني في النفاذ إلى القلوب، أم أنه بحاجة إلى تجديد؟

د. مصطفى حلمي: لا شك أن المنهج السلفي قد نجح وحقق نجاحاً باهراً إلى الآن؛ فها نحن نرى إقبال الشباب وحرصهم على حلقات ودروس الدعاة والمشايخ السلفيين، والسر في ذلك أنهم سلكوا الطريق الصحيح الذي يثمر حتماً ثمراته المرجوَّة. وَلْيحذر إخواننا من تفرُّق الكلمة، والاختلاف المذموم الذي يؤدي إلى الفشل وذهاب الريح؛ فليست المنابر للشتائم وذكر الخلافات؛ إذ المستفيد الأول من هذه الأمور هم خصوم الدعوة، والخسارة الكبرى تعود على الصحوة وأبنائها الذين يتوراثون هذا الخلاف فيشقون بناره المستعرة. فإذا صح الاتفاق على الأصول كان ما سواها سهلاً، ونسأل الله ان يحفظ الأمة ويصونها من هذه الفتنة، (فتنة التفرق والتخريب).

إننا في أمسِّ الحاجة إلى البناء الصحيح للفرد المسلم والمجتمعات الإسلامية؛ إذ لا تنقصنا السواعد والعقول كما يقول مالك بن بني، رحمه الله؛ ولكننا في حاجة إلى حشدها وتجميعها لتجديد مجرى التاريخ نحو الهدف المنشود؛ لذا أنصح إخواننا الدعاة وطلاب العلم بالحذر من أن يجرفنا تيار التباغض والتدابر المرسوم لنا بمكر ودهاء؛ حتى لا نحقق - دون قصد منا - رغبات أعداء الإسلام الساعين لبث الفرقة والخصومة بين المسلمين. فلا سبيل لنهوض المسلمين إلا بوحدة جماعتهم، ووحدة الجماعة ليس لها من سبيل إلا الإسلام الصحيح، والإسلام الصحيح مصدره القرآن والسُّنة، وهذه خلاصة الاتجاه السلفي؛ أنه عودة بالإسلام إلى معينة الصافي من كتاب الله وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

مجلة البيان: للمجددين في الإسلام مكانة عظيمة؛ فماذا وراء دعاوى تجديد الإسلام التي تعاظمت في الآونة الأخيرة؟

الشيخ مصطفى حلمي: نريد أن نصحح المفهوم الذي راج أخيراً ونعلن: «أن التجديد يكون في المسلمين لا في الإسلام»، وهذه حقيقة يجهلها هؤلاء، كما نؤكد أن التجديد في الإسلام يختلف جداً عن التجديد عند النصارى؛ فالتجديد عندهم إنما هو تجديد في العقيدة نفسها، كما غير «بولس» العقيدة النصرانية، وهذا أمر معروف في تاريخ النصرانية. وأكبر طعنة أصابت النصرانية باسم هذا التجديد المزعوم هي تبرئة اليهود من دم عيسى - عليه السلام - في حين توجد نصوص في كتبهم المحرَّفة على لسان عيسى - عليه السلام - تقول: إن دمي في أعناق هؤلاء؛ وأعجبني جداً كلمة لمراد هوفمان  تقول: «الإسلام كالبلورة اللامعة، يأتي المسلمون ببدعهم فيهيلون التراب فوق هذه البلورة المصقولة، فيأتي المجدد فينفض عنها التراب ويعيد إليها نقاءها ورونقها؛ هذا هو التجديد عندنا، وشتان بين مفهوم التجديد والمجدد عندنا وعند النصارى.

مجلة البيان: كيف السبيل برأيكم إلى استعادة الأمة الإسلامية هويتها؟ وهل ثمة تعارض بين حفاظ الأمة على هويتها وبين مسايرتها للنهضة العصرية كما يزعم التنويريون؟

الشيخ مصطفى حلمي: إن الحفاظ على الهوية لا يتعارض ألبته مع الأخذ بأسباب التقدم التقني؛ فالحضارة كالطائر لها جناحان: جناح عقدي ديني وروحي، وجناح مادي علمي تقني، ولقد جمعت الحضارة الإسلامية بينهما في انسجام عجيب لم يشهد له التاريخ مثيلاً؛ فحضارة الإسلام هي التي علَّمت الدنيا: أنه بالدين يرتقي الإنسان إلى الثريا. والغربُ مَدِين لحضارة الإسلام الزاهرة؛ لأن الغرب ما عرف التقدم والنهضة إلا حين أخذ منَّا المنهج التجريبي بعد أن عَلِموا كم كان المنهج الأرسطي عقيماً، وظل هذا المنهج مخيماً على الأوروبيين طيلة ألف سنة، وما بلغوا ما هم فيه الآن إلا بعد أن أخذوا منهج أصول الفقه من المسلمين، الذي كان يُعلِي من شأن التجربة. فلا نطلب من الناس أن يعيشوا بوسائل السلف نفسها؛ وإنما نريد أن نرتقي إلى مستوى السلف الأخلاقي والعملي والدعوي المدهش.

مجلة البيان: الصراع الذي عاشه جيلكم بين العادات والتقاليد الراكدة، وبين تقاليد ونظم الغرب الوافدة كانت ثمرته مرَّة؛ فهلا تنقل لجيلنا هذه التجربة بحلوها ومرِّها؟

الشيخ مصطفى حلمي: لقد كابدنا كثيراً تحت وطأة التعليم التغريبي، وكم تعبنا من الازدواجية ومحاولات سحق هويتنا وصُهِرنا في بوتقة التغريب الآثمة؛ ولكن قيض الله لنا جيلاً من الأساتذة الأوفياء لتاريخهم المعتزين بإسلامهم فتحوا عيوننا ونبَّهونا إلى هذه المصيدة، ثم بصَّرونا بالمنهج السلفي وبكتابات شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - فأبصرنا الطريق، وزالت الغشاوة، وعلمنا يقيناً أن منهج السلف هو الأعلم والأحكم والأسلم وما أحوج هذا الجيل الحائر إلى هذا الطراز من الأساتذة وإلى المعاهد والمناهج الصحيحة؛ لتضع لهم خريطة الطريق نحو البصيرة والسلامة والقناعة بمنهج أهل السُّنة والجماعة.

مجلة البيان: إن الصورة النمطية المشوهة التي روجتها الآلة الإعلامية الغربية الجبارة قد ازدادت عنفاً كما ذكرت عقب أحداث 11/9/2001م؛ فكيف يمكن مواجهتها؟ وما مسؤوليتنا إزاء هذه الهجمة؟ وهل من دور للإعلام العربي والإسلامي لصدِّ افتراءات وأكاذيب الإعلام الغربي؟

د. مصطفى حلمي: بداية لا بد لنا معاشرَ العلماء والدعاة وشباب الصحوة أن ننتبه إلى نقطة غاية في الأهمية. وهي أن القصة الرسمية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر ما هي إلا أكذوبة، وأرجو أن ترجعوا إلى بحثي المتواضع (خواطر حول كتاب الإسلام بين الشرق والغرب)؛ ففيه ناقشت هذه المسألة بالمصادر، وقد أثبت أن الرواية الرسمية رواية كاذبة واستندتُ إلى علماء وباحثين غربيين وأمريكيين، فأرجو الرجوع إليها؛ حيث الرد المقنع بالأدلة على أن الرواية الرسمية كاذبة، فهذه المعلومة لا بد من إشاعتها بين المسلمين حتى لا تكون ذريعة لاتهامنا بالإرهاب كما أنصح بكتاب الفيلسوف الفرنسي الذي أسلم (روجيه جارودي) بعنوان (إرهاب الغرب)؛ فلا بد أن نكون مدركين لهذه الحقيقة، وأن هذه التهمة باطلة وأن الرواية نفسَها أكذوبة ويرجَّح أنها من صنع المخابرات الأمريكية التي تسيطر الآن على فكر الغرب؛ حتى يشكلوا جبهة ويوحدوا صفوفهم ضد الإسلام؛ بينما يُطلَب منَّا الآن أن نطرح الدين جانباً، مع أن الغرب ما تقدم إلا لَـمَّا تمسك بالدين.

وأنصح بالرجوع إلى كتابنا (منهج السلف لا الحداثة طريق النهضة)؛ وهو عبارة عن عدة مقالات وآخر مقالة فيه أعطيتها هذا العنوان (خدعونا فقالوا: إن الغرب تخلى عن دينه)، وها هو مراد هوفمان يعلن أن مجابهة الإسلام لم تعد مجرد شعار ولكن هناك إستراتيجية مُحْكَمة من أجل حرب الإسلام.

مجلة البيان: هذا العداء السافر الذي أشرتم إليه واضح جداً، ويظهر حيناًَ بعد حين. ما تفسيركم لهذا العداء؟ وهل من عودة إلى نهضة إسلامية مرجعيتها الكتاب والسُّنة؟

د. مصطفى حلمي: لا بد أن نعلم أن العداء بيننا لن ينتهي ما دام هناك حياة على الأرض. والقرآن يقرر هذا فينبغي أن نتأمَّل هذه الحقيقة ونُعِدَّ أنفسنا لذلك. أما فكرة الحوار التي يخدعوننا بها أتدرون ما معنى كلمة الحوار؟ معنى الحوار أن يكون بين اثنين متكافئين؛ فكيف وهم مغتصبون غزاة متسلطون علينا؛ فمن نحاور إذن؟

مجلة البيان: ثمة طرح يرى أن حقيقة الصراع بين المسلمين وأعدائهم إنما هو صراع بين الإيمان والطغيان وبين الحرية والعبودية. ما مدى صحة هذا الطرح؟ وما أدلته من وجهة نظركم؟

د. مصطفى حلمي: الصراع له عدة أسباب: فقد يكون عقائدياً، وقد يكون صراع مصالح وسيطرة وفَرْض نفوذ، ولكن في ضوء القرآن الكريم نستطيع أن نفهم أن الصراع بيننا وبينهم هو صراع عقائدي ترتب عليه صراع المصالح ونهب الثروات والسيطرة على الشعوب؛ فهو في جوهره صراع قائم على العقيدة؛ ولذلك جاءت سنة الدفع في القرآن الكريم التي اعتبرها (ماركس) صراعاً بين الطبقات، وإن سُنة المدافعة بين الحق والباطل ستظل إلى قيام الساعة.

مجلة البيان: في الحقيقة لم نرتوِ من هذا اللقاء الثر، ولكن في الختام نتطلع إلى بعض الدرر نختم بها هذا الحديث الماتع؛ توجهون بها أبناءكم الدعاة وطلبة العلم الباحثين عن التأصيل العلمي، والمشتغلين بالقضية الإسلامية؟

د. مصطفى حلمي:

أولاً: أنا دائماً أذكر لطلابي عبارة منسوبة لأحد علمائنا لا يحضرني اسمه الآن. يقول فيها: «إن العلم يطلب منك عمرك كله وأنت من بعضه في شك».

فعلينا أن نحتسب عند الله - عز وجل - طلب العلم حتى نؤجر؛ فلا يُطلَب العلم لشهرة، ولا لشهوة، ولا لمكسب، فإن وُجِـدت الشـهرة عرضـاً فـلا بأس ولكـن لا تكن غايته لحديث النبي صلى الله عليه وسلم المخيف الذي رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - وفيه: «ورجل تعلم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فأتى به فعرَّفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلَّمت العلم وعلَّمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم. وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ. فقد قيل، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار»[1].

ثانياً: يواصل الليلَ بالنهار، وأنا أذكر أنني لما كنت اكتب حياة الجويني قال ما معناه: أنا أقضي وقتي كله في طلب العلم وأظل أقرأ وأكتب فلا أنام إلا إذا غشيني النوم.

فهذه حياة علماء الأمة وإلا لما ألَّفوا هذه الكتب الكبيرة. فليت شبابنا يقتدون بعلمائنا الأفذاذ هؤلاء؛ فيواصلون الليل بالنهار مع الصبر والاحتساب؛ فإن العلم يحتاج إلى الصبر الجميل!

مجلة البيان: من الواضح ضعف مستوى كثير من طلاب علم هذا الزمان، وهناك نوع من ضحالة علمية. فهل من وصايا أو معالم منهجية؟

الشيخ مصطفى حلمي:

أولاً: على طالب العلم أن يقرأ كثيراً ويكتب قليلاً.

ثانياً: عليه أن يعيد النظر قبل أن يدوِّن ويكتب؛ فيراجع نفسه مرة بعد مرة حتى يتثبت.

ثالثاً: أن يُكثِر من الأدلة.

رابعاً: استخدام البلاغة؛ لأن اللغة هي ثوب الفكر وكلما كان بليغاً وصلت فكرته إلى القلب.

وأخيراً عليه بالإخلاص؛ لأنه جماع الأمر كله.

مجلة البيان: في الختام نشكركم - فضيلة الشيخ - على هذا اللقاء الماتع سائلين الله أن يبارك لكم في علمكم وجهدكم، وأن يجعله مثاقيل بِرٍّ في موازين حسناتكم.

 

 


[1] رواه مسلم.

 

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة