القفز إلى المجهول!

Share
Share
القفز إلى المجهول!
القفز إلى المجهول!



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

مع ارتفاع الأصوات ودقِّ طبول الحرب في المنطقة، وبداية حشد أمريكي للقوات الإستراتيجية الجوية والبحرية، مع سيلٍ من التصريحات الأمريكية المتناقضة التي تعني أنها لجسِّ النبض ومحاولة إخفاء الهدف الحقيقي من الوجود الأمريكي في المنطقة؛ فإن الخلافات العلنية بين أمريكا وإيران لا يمكن أن تخفي عقوداً من التنسيق والتحالف الوثيق في إدارة ملفات المنطقة. وهي سياسة تُعدُّ استمراراً لسياسة الإنجليز الذين دعموا الوجود الإيراني في الخليج؛ إذ قدمت بريطانيا منطقة المحمرة (الأحواز) العربية لإيران، وبذلك ضمنت لها السيطرة على الضفة الشرقية للخليج وما تحتويه من ثروات نفطية هائلة، وكانت سياسةُ إيران نحو البحرين وإطلاقُ اسم الخليج الفارسي على الخليج العربي مؤشراً على الطموحات الإيرانية في استكمال السيطرة على بقية سواحل الخليج، ومنذ أيام الشاه - الذي كان يسمى في الغرب بـ (شُرطِي الخليج) - لم تغبْ إيران عن كل مشاريع الغرب في المنطقة؛ فمنذ البداية كانت إيران لاعباً أساسياً في الملف الكردي في كلٍّ من العراق وتركيا، ولا يخفى أن أهم أسباب سقوط الشاه هو سعيه لإعادة أمجاد فارس؛ وهو ما يعني تجاوزه الإطار الغربي المرسوم، ولذا فإن النظام الجديد (الملالي) قد عاد للسير بإيران مع مراعاة الحدود المسموحة. وتحت غطاء كثيف من مظاهر العداوة المصطنعة كانت تجري الترتيبات لقفزة جديدة، فقامت الحرب العراقية الإيرانية بتشجيع أمريكا التي وقفت بكل قوة - وقوفاً ظاهراً - خلف تحالف عربي ضد إيران التي حاولت اجتياح الجبهة الشرقية للعراق عسكرياً، وفي الوقت نفسه عملت بكل قوة على التمدد الفكري والتنظيمي في لبنان وسوريا ودول الخليج واليمن، وبعد سنوات من الحرب الشرسة فشلت إيران عسكرياً رغم محاولات أمريكا دعمها من تحت الطاولة؛ إذ كُشِف عما يسمى (فضيحة إيران كونترا، أو إيران جيت)، وبينما انشغلت إيران بلعق جراحها؛ قامت أمريكا باستدراج العراق بسهولةٍ لغزو الكويت؛ وذلك باللعب على وتر الإحساس بالعظمة لدى صدام حسين، ومن ثَمَّ قامت أمريكا بقيادة حرب الخليج الثانية بصورة مباشرة، وتبعتها في هذه الحرب الدول نفسها وتم تحرير الكويت وحصار العراق لإضعافه تمهيداً لاحتلاله بدعاوى زائفة حول أسلحة الدمار الشامل... والذي يهمنا هنا أن أمريكا غزت العراق وسلَّمت إدارته لإيران، وما زال أتباع إيران يديرون العراق لحساب أمريكا وإيران التي قامت تحت الإشراف الأمريكي بدورٍ رئيسٍ في تغيير هوية العراق وقلب الهرم الاجتماعي؛ إذ انتقل السنة من الطبقة الأولى والحاكمة إلى الطبقة الثالثة مع توالي عمليات التهجير والاضطهاد الممنهجة. ويكتفي ترامب حالياً بالقول إن الإدارات الأمريكية السابقة أخطأت باحتلال العراق وتسليمه لإيران، وكأن الأحداث لا يمكن أن تتكرر من جديد لِـمَا بقي من حـوض الخليج العربي مع فارق وحيد؛ هو أن أمريكا وإيران يلعبان هذه المرة لعبة الصراع المباشر.

وهنا لنا أن نتساءل عن طبيعة المواجهة، ومن هم أطرافها المحتملون، ومن سيكون الضحية المباشرة، وما هي مسارات الأحداث المحتملة؟

أولاً: أمريكا لا بد أن تقوم بعمل مَّا لضمان مصالحها في المنطقة والحفاظ على مكتسباتها في العراق وسوريا. والذي يبدو أن المخطط الأمريكي يهدف إلى أن يصل التوتر مرحلة تسمح بإيقاف التمدد الإيراني مع زيادة الوجود العسكري الأمريكي لدرجة تسمح بفرض ما يمكن تسميته نظام حماية جديد يكون استمرارُ التهديد الإيراني ضرورياً لبقائه ويتحول الخليج إلى ساحة صراع ظاهري يخفي خلفه حالة تسلط أمريكي تتيح نهب الثروات بصورة مباشرة.

ثانياً: أن يؤدي مناخ عدم الثقة السائد بين الأطراف إلى مسار مغاير؛ فهناك توتر حقيقي لدى إيران من تكرار مشهد إسقاط الشاه، وذلك مع تنامي الإحساس الأمريكي بأن إيران استفادت من سياسة التعاون السابقة أكثر مما ينبغي، وأن أسهل طريقة لتقويض المكاسب الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان واليمن القائمةِ على أسس عقائدية؛ هو قيام نظام إيراني جديد على أسس جديدة. إن خوف النظام في إيران من الغدر الأمريكي سيدفعه إما إلى التنازل وإما إلى التصعيد، وكلا المسارين يعتمدان - أساساً - على الموقف الروسي من محاولات الاسترضاء الأمريكية، فقد قام وزير الخارجية الأمريكي بزيارة روسيا ويجدر هنا أن نذكر أهم التصريحات المعلنة: قال وزير الخارجية الأمريكي (مايك بومبيو)، إن بلاده لا تسعى لحرب مع إيران، مشدداً في الوقت نفسه على أن واشنطن «سترد بالشكل المناسب» حال تعرض مصالحها لهجوم، وأضاف بومبيو: «لا نرى احتمالاً لنشوب حرب مع إيران ونريدها أن تتصرف كدولة طبيعية». وفي السياق نفسه أعلن بومبيو أنه بحث مع نظيره الروسي ملفات أخرى بينها الملف السوري والأوضاع في أوكرانيا وفنزويلا وكوريا الشمالية. إنها قصعة تجمَّع عليها الأقوياء؛ فهل تتم المقايضة بين فنزويلا والخليج، وإلى أين يمكن أن تسير المفاوضات مع عدم الثقة باستقرار إدارة ترامب؟ ولا تفوتنا تصريحات مهمة لوزير الخارجية الروسي لافروف حيث قال إن «انعدام الثقة» مع الولايات المتحدة يقوِّض أمن البلدين المشترك، وأضاف تصريحاً خطيراً حيث أشار إلى أنه «سلَّم بومبيو مذكرة بشأن التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية لروسيا»، وهو ما يضفي بُعداً حساساً إلى العلاقات بين البلدين؛ فنحن أمام اتهامات أمريكية لروسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية في أمريكا وهي تهمة خطيرة تعني أن روسيا تحاول إيصال الأنسب لها إلى سدة الرئاسة، وهنا يردُّ الروس بتهمة مشابهة، وهو ما يلقي بظلالٍ من الشك والريبة حول ماهية العلاقة بين قيادات بلدين يفترض أن يكونا متنافسين على الصعيد العالمي. الحقيقة أن الموقف الإيراني صعب؛ فقد تورطت إيران مع أمريكا في مشاريع تمدد محسوبة على أسس تريد أمريكا حالياً تغييرها وفي الوقت نفسه لا يمكنها الركون لموقف روسي ثابت في أجواء المقايضات الدولية الساخنة.

ثالثاً: إن طبيعة الحشد العسكري الأمريكي مريب؛ فمثلاً طائرات (بي 52) وهي قاذفات إستراتيجية بعيدة المدى حطت في قاعدة (العديد) في قطر ولا يتصور أنها ستنطلق منها لضرب إيران لأنها قريبة من السواحل الإيرانية ويمكن استهدافها على الأرض؛ ولذا فهل هي لضرب عدو آخر، أم لمجرد التهديد واستعراض القوة؟ وهنا لا يفوتنا التنبيه إلى أن عمليات استهداف الناقلات في مدخل الخليج وقرب باب المندب، وكذلك استهداف خطوط نقل البترول كلها منفَّذة بدقة وتخدم إيران وأمريكـا؛ فمن جهـة هي تذكيـر بأن منـع تصدير البترول الإيراني وبيعه سيؤدي إلى منع الآخرين في المنطقة أيضاً، ومن جهة أخرى هي مبرر لوجود أمريكي بدعوى الحفاظ على أمن خطوط نقل البترول.

إن حساسية المنطقة وخطورة أي صراع مسلح كبير على أرضها يجعل هذه المغامرة محفوفةً بالمخاطر على جميع المشاركين فيها بل حتى المتفرجين؛ فمثلاً الكويت وضعها حرج وقد تكون ساحة معركة برية وضحية بريئة لهذه المرحلة من الصراع الذي قد لا يخلو من مفاجئات، فالكل يقفز نحو المجهول.

وصدق ربنا في كتابه العزيز في وصف الساعين في الفتنـــــة وإشعـــــال الحــــــروب: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْـحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْـمُفْسِدِينَ} [المائدة: 46].

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة