الصراع الأمريكي الإيراني.. النموذج الثالث بين نموذجي العراق وكوريا الشمالية

Share
Share
الصراع الأمريكي الإيراني.. النموذج الثالث بين نموذجي العراق وكوريا الشمالية
الصراع الأمريكي الإيراني.. النموذج الثالث بين نموذجي العراق وكوريا الشمالية



تصاعدت نبرة التصريحات وحدَّة التحركات، وقبلها صدرت قرارات خطيرة في المواجهة التي أعلنتها الولايات المتحدة ضد إيران، في الآونة الأخيرة. وبدت المنطقة وكأنها على حافة الهاوية. قيل إن الحرب قاب قوسين أو أدنى، وقيل إن المنطقة ذاهبة في طريق اندلاع حرب إقليمية كبرى، تشمل إيران وميليشياتها في العراق وسوريا ولبنان من جهة، وأمريكا والكيان الصهيوني ودولاً عربية من جهة أخرى. وذهب رأي بعض آخر إلى أن ما نشهده إنما هو تصعيد وتهويل ليس إلا، ودفع أمريكي لحالة تفاوض مع إيران تحت سيف التهديد بالحرب. وذهبت بعض الكتابات إلى التجارب القريبة لتُعمِل فكرة القياس وتبحث في السيناريوهات المتوقعة، فقال بعض المحللين: إن إيران ستلقى مصير العراق. وقال بعض آخر: إن خط سير الحركة الأمريكية تجاه إيران، هو الخط الذي سارت عليه في الصراع مع كوريا الشمالية ذاته؛ إذ صعَّد الرئيس الأمريكي إلى درجة التهديد بالحرب النووية، ووصل بعدها إلى التفاوض.

لقد حشدت الولايات المتحدة قواتٍ هجوميةً جديدة في الخليج العربي، لتضاف إلى قواتها وأسلحتها الموجودة في قواعدها الدائمة حول المنطقة أو في الخليج وفي الدول المحيطة بإيران، وهو ما حقق حضوراً فعلياً للضغط العسكري والتهديد بالحرب. وزاد من خطورة الأوضاع وكثرة وتنوُّع التكهنات بشأن احتمالاتها؛ أن حشد القوات الأمريكية جاء متفاعلاً ومكملاً لقرارات أمريكية وصف كلٌّ منها بـ (إعلان حرب). لقد استبَقَت الولايات المتحدة حشد قواتها بإصدار قرارات بالانسحاب من الاتفاق النووي المبرم مع الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن بالإضافة لألمانيا خلال حكم إدارة أوباما، وقرارٍ بإعـلان الحرس الثوري الإيراني - وهو القوة العسكرية العقائدية الأهم في بناء النظام السياسي القائم في إيران - منظمة إرهابية، وهو ما وفَّر قاعدة سياسية ودبلوماسية وإعلامية على الصعيد الدولي لخوض الحرب باعتبارها حرباً على الإرهاب. وكان آخر القرارات، أن أعلنت الولايات المتحدة عن تصفير عداد تصدير النفط الإيراني للخارج، وتفعيل سلاح العقوبات ضد الدول التي تستورد النفط من إيران، وهو ما وُصِف بقرار إطلاق حرب اقتصادية على إيران.

رفعت تلك الخطوات والإجراءات والقرارات - ومن بَعدُ الحشدُ العسكري - حدة التكهنات والتوقعات بشأن مآلات الأوضاع في المنطقة، وغلب على التقديرات القول بحتمية وقوع ضربات عسكرية أمريكية لإيران في أدنى الاحتمالات. ووصلت بعض الدراسات والتقديرات حدَّ القول بأن المنطقة على أعتاب حرب إقليمية كبرى. وهو ما بات يُظهر عمق الأزمة القائمة واحتمالات تطورها أو تدهورها.

ورغم كثرة الكتابات، سواء السياسية أو الإستراتيجية أو العسكرية، وكذا رغم تعدد مصادرها وأهدافها - فضلاً عن الضخ الإعلامي اليومي - فما تزال النظرة إلى الصراع الأمريكي الإيراني في وضع النظرة المبسطة وأقرب إلى تعاطٍ مع الأحداث المباشرة؛ سواء بالتقليب في الأخبار المتواترة من تصريحات الأطراف أوالكتابة التحليلية لقدرات أدوات حل الصراع أو حول سيناريوهات تخيلية معلقة في الهواء لتطور الأحداث. وهو ما ظهر من خلال التركيز على ما يطرحه الجانب الأمريكي في التصريحات بشأن أسباب الصراع، دون البحث في الأسباب الإستراتيجية للصراع بأبعادها الكلية.

نحن أمام حالة إستراتيجية بالغة التعقيد في أسبابها وأبعادها، وفي علاقاتها وتأثيراتها على المشروعات الإستراتيجية الجارية لإعادة الترتيب الشامل للتوازنات في الشرق الأوسط. وأمام صراع يرتبط ويمتد أثره إلى الصراعات الدولية الكبرى الجارية لإعادة صياغة (أو صناعة) النظام الدولي في القرن الواحد والعشرين.

تلك النظـرة الإستراتيجية البعيدة عن التبسيط المتداول في قراءة الأزمة - الذي يركز على الأسباب القريبة للأحداث لا على الأسس الإستراتيجية للصراع - هو ما يعمق النظرة، ليصل بالمتابعين لرسم حدود الحدث الراهن ومآلاته على النحو الصحيح.

السؤال الأهم: ما هو الدور الوظيفي المرسوم لإيران غربياً، وهل تخطته؟

لم تكن مصادفة أن قدمت إيران الدعم والمساندة العسكرية والاستخبارية والسياسية للولايات المتحدة خلال غزوها واحتلالها لأفغانستان ثم العراق. ووصل الأمر حدَّ فتح الأجواء الإيرانية للطيران والمقذوفات الأمريكية، وحدَّ تشكيل الحرس الثوري الإيراني فصائل استخبارية من الميليشيات العراقية وقتها، لجمع المعلومات عن انتشار الجيش العراقي على الأرض وإمداد القوات الأمريكية المهاجمة بها.

ولم يجرِ التشارك الإستراتيجي بين الدولتين في احتلال العراق وبناء العملية السياسية ومواجهة المقاومة الوطنية العراقية (وداعش من بَعدُ) لمجرد التقاء المصالح بشكل مؤقت بين الدولتين، فتلك عمليات تتعلق بإحداث تغيير إستراتيجي كبير، ذي مدى زمني ممتد، ولا يجري إلا بناءً على توافقات إستراتيجية، ولذلك رأٍينا تأسيس سُلطات احتلال مشتركة بين الدولتين في أفغانستان والعراق.

وضمن هذا التوافق الإستراتيجي لم تكن مصادفة - بل كان طبيعياً - أن تقوم إيران بتشكيل ميليشياتها الطائفية في العراق تحت عين وبصر القوات الأمريكية وبمشاركتها، وأن تعْبُر بتشكيلاتها الميليشياوية ودورها، لدعم الأسد ومواجهة الثورة السورية تحت أعين الأمريكيين أيضاً.

لقد كان التقاء المصالح المشتركة بين الطرفين أساساً لتلك التحركات، غير أن الأهم في محددات القرار الإيراني لم تكن المصالح السياسية المباشرة أو الوقتية، وكذلك الحال من باب أولى لدى الطرف الأمريكي والغربي عموماً.

وقتها صار ظاهراً للعيان أن التاريخ يعيد تكرار توجهاته، وإن بوقائع مختلفة؛ إذ البنية الفكرية الفارسية والصفوية - بشكل أكثر وضوحاً - كانت الأساس في النظر للمجتمعات والدول السنية على أنها عدو إستراتيجي شامل (عقدي وفكري وسياسي)، بينما اعتُبر الخلاف والصراع مع الغرب هو حالة من حالات خلاف المصالح لا التوجهات الشاملة التي تطرح سؤال الوجود. وفي المقابل لم يكن غائباً عن الغرب أن العداء العقائدي - الذي هو المحدد الأعلى للتوجهات الإستراتيجية الشاملة - هو مع الدول والمجتمعات السنيه تاريخاً وحاضراً وليس مع إيران، ولذلك سار الغرب في طريق الاقتراب الإستراتيجي مع إيران، وكان متاكداً أن إيران ستقوم بما قامت به في تكرارٍ للدور التاريخي الذي لعبته عبر التاريخ الإسلامي.

هذه المسألة بالغة الأهميه في فهم ما يجري حاليّاً وحدود ما يمكن أن ينجم عنه. وفي ذلك يمكن القول باختصار: إن أقصى ما يمكن أن يحدث بين الولايات المتحدة والغرب عموماً وإيران لن يكون على مستوى الصراع الذي جرى في الحرب على أفغانستان أو العراق نفسه، لا على المستوى العسكري ولا على صعيد الحرب العقدية والفكرية. وإن افتراض وقوع حرب شاملة تدمر إيران - كما حدث لأفغانستان والعراق - هو أمر ليس في مصلحة الغرب ولا ضمن أهدافه. فضلاً عن أن التحالف وتبادُل المصالح وتقاطعها طوال السنوات الماضية يجعل الطرفين (الإيراني والغربي) في مأزق عميق حالياً؛ إذ الانتقال من وضعية التحالف والتعاون على هذا المستوى، إلى حالة العداء والصراع المفتوح على احتمال الحرب، أمر في غاية التعقيد والتشابك.

لقد رأى الغرب في إيران تاريخياً دولةً ذات دور وظيفي بالغ الأهمية (للغرب) في صراعه الشامل ضد الدول والمجتمعات السنية. وفي القرن العشرين - خاصة - بدا واضحاً أن الغرب يرى إيران دولة ذات دور وظيفي مباشر ودائم في الإستراتيجيات الغربية. وظَّفها الغرب ضد الاتحاد السوفييتي السابق في زمن الشاه ونظر لها كحاجز بشري وقوة فاصلة بين الاتحاد السوفييتي السابق والشرق الأوسط، ونظر لها كنقطة ارتكاز له في تخويف دول الخليج؛ سواء لتظل في حاجة دائمة لحماية الغرب أو لعدم تطوير قدراتها المستقلة، ولإضعاف دورها الإستراتيجي في مواجهة الكيان الصهيوني، باعتبارها واقعة تحت تهديد عدو قريب من حدودها في الشرق. والتاريخ يذكر ببعد النظر الإستراتيجي للغرب في توظيف إيران؛ فمن خلفية تلك الرؤية انتزع البريطانيون منطقة الأحواز وأضافوها إلى عوامل قوة إيران الحديثة، كما طوروا قدرات إيران العسكرية خلال الحرب الباردة، ولم يمارسوا أي ضغط عليها بشأن الجزر العربية المحتلة... إلخ.

وعقب ثورة الخميني وبعيداً عن التهويل الإعلامي بشأن عدائها للغرب، لم يغير الغرب رأيه ولم يهتز له جَفن في مواجهة الشعارات النارية حول الشيطان الأكبر، وتدمير (إسرائيل). رأى الغرب (بهدوء وعمق) في تجربة الخميني تعميقاً للدور الوظيفي لإيران داخل الإستراتيجية الغربية الأشد عدوانية تجاه المجتمعات والدول العربية الإسلامية. رأى الغرب في تجربة الخميني انتقالاً إلى حالة أشد ارتباطاً بالإستراتيجيات الغربية الأحدث، وظفت تجربةَ الخميني في إطار إستراتيجية تفكيك الدول العربية الإسلامية لإعادة بناء الشرق الأوسط من جديد، وهو ما ظهر في الجانب الشرقي من المنطقة العربية وما زال يجري.

لكن إيران تخطت دورها الوظيفي المرسوم بنموِّ تطلعاتها لمزاحمة الغرب على المصالح في المنطقة أو في كل الأماكن التي أدت فيها دورها الوظيفي، كما هو الحال في العراق وسوريا واليمن ولبنان وبعض دول الخليج، كما تخطت إيران دورها الوظيفي بتغيير نمط علاقتها مع روسيا التي تحولت إلى حليف إستراتيجي استعانت به إيران للتحلل من بعض التزامات دورها الوظيفي تحت ضغط تطلعاتها التي دفعتها كذلك لتطوير علاقاتها مع الصين التي تنظر لها الولايات المتحدة على أنها خصم إستراتيجي كامل الآن ومستقبلاً. وكان الأشد خطراً بالنسبة للغرب تطوير إيران قدراتها العسكرية إلى المستوى الإستراتيجي عبر برنامجيها النووي والصاروخي، وهو ما نظرت إليه الدول الغربية على أنه خطر دائم، وتعدٍّ للخطوط الحمراء التي تمنع إيران من امتلاك أدوات القوة الإستراتيجية التي تمكنها من فرض مصالحها الاستعمارية على حساب الغرب في الإقليم العربي، والتي تمكنها من تهديد القاعدة الرئيسية للغرب في المنطقة؛ أي الكيان الصهيوني ضمن خلافات السيطرة على إدارة الإقليم.

لقد توسعت إيران في مساعيها لتحقيق مصالحها الاستعمارية على حساب دورها الوظيفي داخل الإستراتيجيات الغربية الشاملة لإدارة العالم، وهنا تحددت نقاط الخلاف والصراع على المصالح، التي لا ترتقي للصراع العقائدي أو الإستراتيجي الشامل. ولذا يتحدث الأوروبيون عن التفاوض مع إيران، ولا تذهب الولايات المتحدة إلى الخيار العسكري مباشرة، كما كان الحال مع العراق؛ فلا قرار بتدمير إيران كما حدث مع أفغانستان والعراق.

من وجهة نظر الغرب، فقد أدت إيران دورها المطلوب في تفكيك المجتمعات وإسقاط الدول عبر دعم المجموعات التابعة لها، لكن الغرب يقول بوضوح الآن، عبر ما يجري، إنه لن يسمح لها بالمساهمة في بناء مستقبل الشرق الأوسط كلاعب صاحب مصالح خاصة.

نحن هنا إزاء صراع على إعادة بناء الشرق الأوسط وتوازناته وحدود دوله وطبيعة مجتمعاته.

حدود الصراع: البُعد الدولي:

لا شك أن حالة التصعيد الحادة الراهنة، شأن مختلف ومتعارض مع تسلسل حالة التعاون الإيراني مع الغرب عموماً ومع الولايات المتحدة بشكل خاص، خلال المرحلة التي بدت ملامحها واضحة منذ غزو واحتلال أفغانستان والعراق خاصة.

وحسب ما هو بارز في التصريحات والأحداث، فالصراع الآن يتعلق بمحاولة إيران امتلاك بنية للتصنيع النووي وصولاً لإنتاج أسلحة نووية، وبامتلاك منظومة صاروخية قادرة على إيصال المقذوفات إلى أمدية بعيدة وصلت حتى الآن إلى نحو 2000 كيلو متر، وهو ما جاء مترافقاً مع سياسة إيرانية متعمدة لنشر الصواريخ عبر وكلائها في المنطقة، بما يزيد من مدى الصواريخ ويجعلها قادرة على الوصول للقواعد الأمريكية في المنطقة، بل في أوروبا وفي البحرين الأحمر والمتوسط، والصراع الآن يجري حول محاولة إيران تعميق دورها ونفوذها الاستعماري في المنطقة العربية منافسة للمشاريع الأمريكية.

إنه صراع حول من له اليد الطولى في إعادة ترتيب أوضاع المنطقة العربية بعد كل هذا التخريب الذي جرى بأيدٍ إيرانية، وحول كيفية إعادة بناء الشرق الأوسط بتوازنات وآفاق جديدة. وفي سبيل ذلك تسعى الولايات المتحدة لإعادة إيران إلى دورها الوظيفي المعتمد والمحدد لها في الإستراتيجيات الغربية. ومَن يقرأ النقاط الاثتي عشرة التي طرحها وزير الخارجية الأمريكي عند بداية الأزمة الحالية مع إيران، يجدها ترجمة حرفية لإعادة إيران إلى هذا الدور الوظيفي.وفي ذلك فإن الفارق بين الديمقراطيين والجمهوريين في الولايات المتحدة في ما يخص أمر إيران؛ هو حول التعاطي مع الدور الوظيفي المستجد لإيران. لقد منح أوباما موافقة بلاده على الدور الجديد لإيران حين ركز على البرنامج النووي دون قضية الصواريخ ودون مسألة التوسع الاستعماري لإيران في الدول العربية. لكن ترامب وإدارته والجمهوريين يريدون إعادة إيران إلى دورها الوظيفي القديم، وهنا تأتي قضية البرنامج النووي والصواريخ والدور الإيراني المزعزع للاستقرار (حسب الوصف الأمريكي)، كما تأتي قضية تعديل السلوك السياسي العدواني لإيران.

لكنَّ للصراع أبعاداً أخرى تتعلق بإعادة ترتيب وضع السيطرة على القرار الدولي، أو صياغة توازنات القوة في القرن الـ 21، وهو ما ينظر إليه كهدف عام للولايات المتحدة، بدءاً من احتلال أفغانستان والعراق وصولاً للمواجهة الحالية مع إيران.

مثل تلك الأبعاد تظهر من ردود الفعل الدولية ومواقف الدول الكبرى من الحدث الإيراني الآن، وهي - لا شك - ردود فعل مؤثرة في الحدث وتداعياته. فأوروبا ترفض الخط السياسي التصعيدي للولايات المتحدة، سواء الانسحاب من الاتفاق النووي أو تصعيد العقوبات، وتقف - إلا بريطانيا بطبيعة الحال ربما - ضد العمل العسكري الأمريكي باعتباره خطة أمريكية للانفراد بالسيطرة على الثروات الإيرانية على حساب المصالح الأوروبية المتنامية مع إيران ما بعد توقيع الاتفاق النووي. كما تتشارك أوروبا مع كلٍّ من روسيا والصين في رؤية أن الضغط الأمريكي المتصاعد ضد إيران يأتي كجانب من الإستراتيجية الأمريكية الشاملة للسيطرة على مصادر إنتاج الطاقة عصب الاقتصاد الدولي في العالم، بدأت بالعراق والآن فنزويلا وإيران.

وأوروبا ما تزال ترى إمكانية إعادة النظام الإيراني إلى دوره الوظيفي عبر طرق غير عنيفة.

ولروسيا مصالحها الخاصة هي الأخرى في موقفها الرافض للتصعيد الأمريكي؛ إذ ترى في إيران قوة تكمِّل دورها في إعادة صياغة الإقليم في مواجهة المشروع الأمريكي للهيمنة، وهو أمر ظاهر في سوريا رغم الخلافات بينهما. كما ترى روسيا في إيران زبوناً مستقراً للسلاح الروسي.

والصين ترى في الحملة الأمريكية ضد إيران محاولة للسيطرة على أهم مصادر الصين للطاقة؛ إذ تغطي الصين نسبة كبيرة من احتياجاتها النفطية من إيران، وترى الصين أن الفعل الأمريكي محاولة لوضع قدم كبيرة في طريق سير مشروع الطريق والطوق الذي قطعت الصين شوطاً كبيراً في إنجازه، ولطهران خصوصية فيه؛ إذ تم ربط خطوط السكك الحديدية للمشروع بإيران ووصلت القطارات الصينية إلى طهران فعلياً.

والمهم هنا، إدراك أن القرار الأمريكي بشأن إيران - تفاوضاً أو حرباً - لا يتعلق فقط بالمصالح المباشرة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بل بخطة واسعة تتعلق بإعادة الهيمنة الأمريكية على الوضع الدولي.

كيف ستسير الأمور؟

في الوصف الكلي للأزمة، فإن ما يجري متعدد الأبعاد الإستراتيجية ولا يتحكم في تطوراته توجه إستراتيجي واحد، ولذلك فمن الصعب التنبؤ بمآلات الأمور! ما يجري هو صراع متعدد الاتجاهات. فهناك إعادة إيران إلى دورها الوظيفي السابق، ومحاولة تغيير سلوكها في الإقليم ومنع مشاركتها - أو إقصاء مشاركتها - في بناء الشرق الأوسط الجديد. وهو جانب من صراع دولي حول مصادر الطاقة واستخدامها في بناء التوازنات الدولية. وهو صراع يتعلق بأوضاع روسيا والصين وأوروبا ومصالحهم ومشروعاتهم الدولية، وكل ذلك يجعل الصراع دوليّاً بامتياز.

وَفْقاً للقياس الذي ذهبت إليه كثير من الكتابات والدراسات، فإن وضع إيران والصراع الأمريكي معها لن يجري لا على الطريقة العراقية، ولن يجري وفق نموذج الحالة الكورية، بل سيكون وَفْقَ خيار آخر على الأغلب.

ولن يجري الصراع الأمريكي مع إيران وفق النموذج العراقي. وإذا كان أمر طبيعة الاختلاف مع العراق واضح في الأبعاد العقائدية، فالصراع مع إيران لن يجري على السياق العراقي إستراتيجياً أيضاً؛ فعلى الصعيد الإستراتيجي لا يفيد أمريكا والغرب خروج الجيش الإيراني من معادلة التوازن الإستراتيجي الدولي والإقليمي، كما حدث للجيش العراقي؛ فالأخير كان قد ساهم أكثر من مرة في الصراع ضد العدو الصهيوني، بينما الجيش الإيراني لم يسجَّل له أي دور في هذا الاتجاه الحاكم للإستراتيجيات الأمريكيـة. كما أن الولايات المتحدة - والغرب أيضاً - بحاجة للجيش الإيراني مستقبلاً، سواء لتخويف دول الخليج لتظل بحاجة للغرب وفق معادلة الدور الوظيفي القديم، أو لأن إيران القوية عسكرياً - إذا تغير نظامها السياسي - ستكون ذات أهمية كبرى في بقائها على الحدود الروسية.

وكذلك لن يجري الصراع وفق السيناريو الكوري الشمالي؛ فكوريا بلد نووي أصلاً، وهي تملك القدرة على إحداث خسائر جسيمة بالقوات الأمريكية في آسيا التي تراها الـولايات المتحدة إحدى أهم مناطق الارتكاز في الصــراع الإستراتيجي مع الصين. كما تتحرك الولايات المتحدة في التعامل معها بحساسية خاصه، بحكــم الدعم والمساندة الصينية (العملية لا النظرية) وفــق ما جرى خلال الحرب الكورية.

المتابع للخطة الأمريكية الجاري إنفاذها منذ فترة طويلة يجد أن الإستراتيجية الأمريكية الحقيقية هي إسقاط النظام من الداخل (أي تغييره) وليس خوض حرب شاملة على إيران. وإن كانت هناك حاجة للفعل العسكري فالأغلب أنه سيجري أولاً ضد أذرع إيران لقطع الأيدي المنتشرة في مواقع النفوذ الاستعماري لإيران في المنطقة العربية، ولتقليل المخاطر على القوات الأمريكية والدول المجاورة ولإفقاد إيران عنصر قوتها. فإن تحركت إيران عسكرياً، فستواجه ضربات تستهدف البرنامج النووي والحرس الثوري.

والأغلب أن الحصار سيشتد على إيران حتى وصول المجتمع الإيراني حدَّ التوتر والتمرد الداخلي، وفي ذلك سيظل الاستعداد الأمريكي والإقليمي قائماً، لمواجهة عسكرية لن تصل حد تدمير المقدرات الإيرانية وبشكل خاص الجيش الإيراني، مع الوضع في الاعتبار ردود الفعل الإيرانية.

وإذ يمكن القول بأن الخلاف ما يزال مستعراً في داخل الولايات المتحدة، وإذ يبدو حتى الآن أن احتمال الحرب هو احتمال وارد؛ فإن المؤكد أن الأمور ستظل قيد التفاعل لفترة طويلة من الوقت.

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة