سُنَّةٌ حَسَنَةٌ

Share
Share
سُنَّةٌ حَسَنَةٌ
سُنَّةٌ حَسَنَةٌ


عاد أبو سعيد إلى منزله المهدَّم بعد انقضاء صلاة العشاء، كان يعرف أن الذهاب من الجو والأرض لم يتوقف لحظة واحدة منذ ثمانية عشر يوماً، كان يعرف أن المسجد الذي اعتاد على الصلاة فيه قد دُمِّر، وأن الطريق محفوفة بالمخاطر، لكنه أصرَّ كغيره من رجال الحي على إقامة الصلاة على أنقاضه، غير آبهين بقذائف الفوسفور الأبيض التي تسقط عليهم فتحرق الأخضر واليابس، إنها الإرادة القوية والإيمان العميق في تحدي آلة الحرب الهمجية الشرسة، وتأدية الصلاة على أتم وجه.

أبناء أبي سعيد وأحفاده تنفسوا الصعداء حين رأوه عائداً بيُمن الله ورعايته، وكالعادة في كل مساء فقد هرع الأحفاد لاستقبال جدهم، وعناقه، وتفتيش جيوبه بحثاً عن الحلوى التي كان يحضرها لهم في الأيام السابقة.

الحال تغير منذ بدأت الحرب؛ فالباعة المتجولون اختفوا ولم يعودوا يظهرون أو يبيعون عند أبواب المسجد، لا أحد منهم يريد أن يغامر بنفسه، بحياته أو بدمائه؛ مع أن بعضاً منهم قد التحق فوراً بالمقاومة، الأحفاد لم يدركوا أن جدهم أصبح معدماً، وأصبحت جيوبه فارغه تماماً إلا من بعض الهواء الذي يحمل الدفء ليديه عند توجُّهه لصلاة الفجر.

وأبناء أبي سعيد الأربعة عاطلون عن العمل؛ فمزرعة الدواجن التي كانوا يديرونها ويكسبون عيشهم منها أصبحت أثراً بعد عين؛ إذ امتدت إليها آلة الإرهاب الصهيوني ودمَّرتها قبل نحو عام أثناء أحد التوغلات، وجرَّافات الاحتلال البغيض أتت عليها، فسوتها بالأرض، واختلطت لحوم الدواجن بركام الأبنية.

لقد قضى الحصار الجائر على آخر آمالهم بالحصول على فـرص العمـل، وأصبـح وضـع الأسـرة مأسـاوياً؛ فالحيـاة في نظر أبنـاء أبي سـعيد لم يعـد لهـا معنـى، والقنـوط سـبيل من لا يعرف معنىً للفرج، لكنهم لم يقنطوا، ولم يستسلموا لليأس، وخصوصاً أنهم تربَّوا ونشؤوا على تحمُّل الأذى، والانتكاسات التي كانت تحدث لهم في بعض المواسم فتذرهم صفر اليدين، فيلوذون بالله - تعالى - ثم إلى أمهم «أم سعيد» التي كانوا يطلقون عليها «باب الفرج» فتمدهم بأفكارها وببعض ما ادَّخرته لهم وهي تردد قولها المشهور «لا يظمأ أبداً من يسكن بجوار البحر».

أم سعيد في هذه اللحظات تحتضن أحفادها وتداعبهم، تحاول أن تُذْهب الرُّوْع والفزع الذي تسببه الانفجارات المدويَّة، التي تزلزل الأرض وتهز جدران الغرفة الأخيرة التي لم تصلها يد الدمار.

أحد الأطفال يتعلق برقبتها، يقبِّلها، ثم يتوسل إليها أن تسقيه بعض الماء.

يكرر الطلب طفل آخر:

- وأنا أيضاً يا «تيتا» أكاد أموت من العطش.

أطرقتْ أم سعيد طويلاً، كـان تفكيـرها ينصب على فكرة واحدة، هي الحصول على الماء، الذي أصبح من غير الممكن العثور عليه، بعد أن دمرت الحرب محطة المياه وشبكتها، وثقبت الشظايا خزانات المياه الفارغة أصلاً بسبب الحصار وانقطاع التيار الكهربائي.

أما أبو سعيد فكعادته في مواجهة الأزمات صبور متفائل، ومن أجل الترويح على الأنفس والأعصاب المشدودة كأوتار القوس، فقد عقب ممازحاً زوجته:

- أليس بإمكانك أن تحلِّي مشكلة المياه؟

ألست من كان يقول «لا يظمأ من يسكن جوار البحر»؟

لم تجب أم سعيد بشيء، لكنها بُهِتت، تعمق تفكيرها، وبدت مهتمة بكلمات زوجها، ثم ارتسمت ملامح الارتياح على وجهها، وفجأة نهضت من مكانها بسرعة، واتجهت نحو سطل الماء الفارغ.

- إلى أين يا أم سعيد؟ سأل زوجها.

- أُحضِر الماء من البحر.

- إنه مالح... لا يصلح لشيء.

- سأحاول تحليته.

- كيف؟

- قلت: إنني سأحاول... لن نخسر شيئاً إن لم أنجح.

هبَّ الأوسط من أولادها قائلاً:

- بل أنا من سيُحضر ماء البحر.

- لا يا ولدي، أنا عشت من عمري كثير. أما أنت فما زلت في ريعان الشباب، ولن أسمح لك بأن تفقد حياتك من أجل سطل ماء.

- الموت برصاص الأعداء أشرف من الموت عطشاً يا أمي!

هاتي السطل، وفكِّري في الخطوة التالية.

أخذ ابنها الأوسط السطل وخرج، بينما سأل الأصغر:

- ماذا يمكنني أن أفعل يا أماه؟

- أحضر «طنجرة الضغط» الكبيرة.

- تريدين أن تسخني مياه البحر؟

- أجل يا ولدي... سأجعله يغلي، حتى يتبخَّر.

- أحسنتِ يا أماه... ولكن كيف نجمع البخار؟

- لا بد من وجود طريقة... جرة الفخار قد تصلح... على كل حال سأحاول.

- هيأت أم سعيد مكاناً مناسباً في البيت المدمَّر لإشعال النار، وسكبت ماء البحر في طنجرة الضغط ثمَّ وضعتها على النار، وحين بدأ الماء يغلي أخذ البخار يتصاعد من المكان المخصص لخروجه؛ ولكي لا يضيع البخار سدىً قام ابنها الأصغر بتثبيت خرطوم مياه على مصدر خروج البخار، ليتم نقله إلى جرة الفخار؛ حيث أخذ البخار يتكثف ويتحول إلى قطرات ماء تتجمع في قَعر الجرة.

شرب الأطفال، كما شرب جميع أفراد الأسرة... أعادت أم سعيد المحاولة، فجمعت قَدْراً كافياً لإعداد عجينة الخبز؛ حيث جرى إعداده على نيران الحطب.

إن محاولة أم سعيد هذه لم تعد سرّاً؛ فقد انتقلت إلى الجيران، الجار تلوَ الجار حتى شملت الحي بأكمله.

و كانت أم سعيد فرحة مغتبطة بإنجازها الرائع الذي استطاعت به أن تنقذ العشرات من الموت ظمأً أو جوعاً بسبب الحصار الجائر.

وصل الخبر إلى أذني إمام المسجد فدعا لأم سعيد بخير، وعدَّ محاولتها سُنةً حسنة لها أجرُها وأجرُ من عمل بها.

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة