عصر جديد

Share
Share
عصر جديد
عصر جديد



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، وبعد:

في عصر الاستعمار وحمى التنافس الغربي على السيطرة والاستحواذ على مناطق النفوذ دخلت الدول الأوربية سلسلة حروب بينية حول العالم من أمريكا الشمالية والجنوبية مروراً بإفريقيا وانتهاء بأقصى الشرق، وبعدها دخلوا مرحلة عقد تحالفات وشن حروب وتقاسم الغنائم، مثل التحالف الإنجليزي الفرنسي ضد الصين في حرب الأفيون، والتحالف الفرنسي الإسباني لاحتلال المغرب، وحتى نعرف أثر التفاهمات نلقي نظرة على خرائط إفريقيا وأمريكا الوسطى وشرق آسيا وسنكتشف بسهولة أنها رسمت على طاولة مفاوضات بالمسطرة والقلم، أما اللقم الكبيرة فتم بحثها والتفاهم حولها بمؤتمرات جامعة مثل مؤتمري برلين ويالطا، فهما مثال لمؤتمرات الحرب الدبلوماسية التي تنتهي بتفاهمات لتقاسم الدول المستهدفة بشعوبها وثرواتها.

 فمن نتائج الحرب العالمية الثانية تقاسم العالم بين قطبين، وبسقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه حاول القطب الأوحد الاستحواذ على التركة، ومن هنا دخل العالم في مرحلة صراع نفوذ بين الحلفاء الغربيين وشكلت الدول الأوربية تكتلاً سياسياً واقتصادياً يؤهلها لتكون لاعباً مستقلاً على الساحة الدولية، ومما ساعدهم على ذلك نهوض الدب الروسي من بياته الشتوي وقيامه بحملة لاستعادة النفوذ والتمدد على مستوى العالم، ويمكن حالياً رسم الخريطة السياسية العالمية وفق موازين القوى الحالية كالتالي:

تمثل أمريكا القوة العظمى التي اقتربت من التحكم بالعالم الذي سرعان ما بدأ يتفلت من بين يديها ويعود إلى وضعه الطبيعي وفق سنة التدافع، ولهذا يلاحظ التوتر الشديد لدى دوائر القرار في كيفية التعامل مع المستجدات، ومن الطبيعي أن تكون طبيعة تكوين الإدارة الحالية التي يزداد تلونها بلون الرئيس ترمب التاجر المغامر المغرور عاملاً مساعداً في تسريع التغيرات، فبدلاً من إرضاء الحلفاء تعامل بفظاظة وازدراء مع الجميع وأصبح همه الأساس حماية نفسه وإعادة انتخابه، ولذا فكثير من التصرفات تحمل الكثير من قصر النظر، فنلاحظ أن كثيراً من القرارات تدخل ضمن الدعاية الانتخابية والخطاب الشعبوي، ولذا دخل في حرب اقتصادية مع الاتحاد الأوربي والصين وروسيا، واتخذ قرارات متسرعة تشمل التوسع في العقوبات الاقتصادية وتجميد ممتلكات وحسابات الدول في أمريكا كإحدى وسائل الضغط، مثل محاولة تركيع فنزولا، بل والأدهى من ذلك الخروج من اتفاقيات وقعتها أمريكا وأخطرها معاهدة الصواريخ متوسطة المدى التي خرج على إثرها بوتين بخطاب هدد فيه أنه في حال نشر صواريخ قريبة من روسيا فإنها سترد بضرب ليس فقط أماكن نصبها بل من وجه بذلك في تهديد واضح لأمريكا، ولمح لإمكان إعادة أجواء الأزمة الكوبية، مما جعل أمريكا تقول إن تهديدات بوتين غير جدية في محاولة لامتصاص أثرها على الداخل الأمريكي. وتأتي الطامة الكبرى لهم وهي نعمة كبرى لنا ألا وهي التعجل في تنفيذ مخططات مرسومة منذ فترة طويلة وتنفذ وفق ما تسمح به المصالح والتوازنات، فليس سراً أن أساس التحكم في قلب العالم الإسلامي وتهميش المكون السني يقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية: الأول مشروع دويلات الأقليات لتفتيت المنطقة أكثر مما هي مفتتة، ويبرز منها الآن الاستماتة في تعويم النظام النصيري في سوريا، ومشروع كردستان الكبرى الذي قطع شوطاً كبيراً برعاية روسية قديمة واستمر بدعم أوربي ويهودي وتبنته أمريكا في السنوات الأخيرة، وهو سبب رئيسي للتوتر العلني بين أمريكا وتركيا، والثاني: رعاية التمدد الشيعي على حساب السنة، وهو ظاهر في دعم فارس القوية منذ أيام التمدد البرتغالي، وتعزز أيام الإنجليز وتحولت فارس إلى دولة إيران بعد ضم منطقة الأحواز المطلة على الخليج لها، وكانت آخر هدية من بريطانيا هي الجزر الثلاث في مضيق هرمز التي احتلها الشاه وما زالت إيران الخمينية تسيطر عليها، وليس هناك أوضح من رعاية أمريكا للتمدد الشيعي، فتحت غبار الصراع واقتحام السفارة الأمريكية والدعم المعلن للعراق في حربه مع إيران انكشفت فضيحة إيران كونترا، وخرجت علينا أمريكا بمصطلح الاحتواء المزدوج الذي يعني إشعال الحرب بين خصمين ودعم الطرفين لتطول الحرب وتنهك الخصمين وتتم السيطرة عليهما، وفي النهاية اعترفت إيران بالهزيمة فقامت أمريكا بغزو العراق وتسليمه لإيران، التي تمددت بتحالفها مع النظام في سوريا وتحكمها بحزب الله في إيران ليكون ظلها مخيماً على العراق والشام، وما زالت أمريكا تصرخ وتولول من التمدد الإيراني في المنطقة، التي تتمدد تحت مظلة أمريكا! ومن يريد أن يخوض تجربة صدّام فليتفضل. وأما الثالث: فهو مشروع قبول دولة الكيان الصهيوني وتسويقه عضواً إيجابياً في إدارة المنطقة ودخوله في المنظومة السياسية والاقتصادية بل والعسكرية، والأدهى أنها تطرح الكيان طرفاً قائداً وصديقاً مخلصاً، ولذا تم إخراج العلاقات السرية إلى العلن ومرر اليهود في هذه الأجواء الاحتفالية قانون قومية الدولة ونقل السفارة الأمريكية للقدس، ولم يضيع اليهود فرصة وجود ترمب وتصدر صهره المحبوب ابنهم كوتشنر في الدفع بمشروع شرعنة احتلال فلسطين والتخلص من مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بتجاهلها وإلغاء حق العودة، وأصبح الموقف من صفقة القرن هو الطريق لرضا ترمب  وإسعاده، ومع ذلك فالمشروع يتخبط بين التبني المصطنع والرفض الجاد. 

ولسائل أن يسأل ماذا نعني بالعصر الجديد وما هي ملامحه؟ والإجابة ستكون عن طريق بروز ظاهرة جديدة وهي مؤتمرات التنافس والافتراق بديلاً عن مؤتمرات وقمم التنسيق والاتفاق، وانتهاء عصر قمم دافوس وقمم دول العشرين واستبدالها بقمم ثنائية أو ثلاثية، وسنركز على أربعة مؤتمرات متزامنة أو متقاربة، وسنبدأ بمؤتمر دعت إليه أمريكا وطبلت له بشعارات ظاهرية مستهلكة، منها شعار الحرب على إيران وتحجيمها وإعادتها إلى جادة الصواب، إنه شعار أجوف لأنه مرفوع منذ أربعين سنة وتطبيقه على الأرض يفضح تحالفاً إستراتيجياً قذراً، ولكن الجديد أن الوسيط في فضيحة إيران كونترا يظهر بمظهر العدو المضمون لإيران، وبالتالي فمن حق نتنياهو أن يتصدر المنصة ويتجمع حوله الحضور للمؤتمر الذي يمكن اعتباره معبراً عن أمريكا الجديدة التي فقدت دفء العلاقة مع أوربا وخاصة ألمانيا وفرنسا فاختارت أن يكون المؤتمر في إحدى محمياتها الجديدة من دول أوربا الشرقية، وكان مكاناً غريباً لمؤتمر عنوانه «المؤتمر الوزاري لتعزيز مستقبل السلام والأمن في الشرق الأوسط»، إنه عنوان لقدرة أمريكا ونفوذها العالمي فتم الإعلان عن حضور 60 دولة لم تُعرف على وجه التحديد، لأن مستوى الحضور والمداولات كلها غير معلنة، بسبب بسيط أن الحضور كان رئيس الدولة المضيفة بولندا ونائب الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو وبضعة وزراء خارجية، والبقية دبلوماسيون حضروا لرفع العتب، وانتهى المؤتمر ببيان أمريكي بولندي لا يعبر عن المشاركين، وبفضيحتين لنتنياهو: الأولى أنه برغم عدم نشر ما جرى في المؤتمر قام نتنياهو بتسريب خطب وتصريحات مصورة لمسئولين عرب بقصد تحقيق مكاسب انتخابية بغض النظر عن معرفتهم أو رضاهم وأثره عليهم، ولذا سرعان ما حذف التسريب من الموقع وليفرح الذين طبلوا للأصدقاء الجدد وسوقوا في الإعلام للحليف المؤتمن، والثانية تصريحه حول البولنديين حيث قال عقب انتهاء أعمال المؤتمر: «أنا هنا أقول إن البولنديين تعاونوا مع النازيين، أعرف التاريخ ولا أغيره، إنما أكشف عنه»، ثم تصريح القائم بأعمال وزير الخارجية بأن البولنديين «يرضعون معاداة السامية مع حليب أمهاتهم». إنه تعبير عن حقيقة شخصياتهم ونظرتهم للآخرين ومؤشر على نجاح المؤتمر الذي قاطعته روسيا والاتحاد الأوربي والصين والسلطة الفلسطينية التي رفعت صوتها برفض المؤتمر، وأنها لم نفوض أحداً للحديث باسم فلسطين، وكانت نبرة الرفض عالية بقدر يسمح بقياس نفوذ الإدارة الحالية وأن هناك من ينتظر سقوطها. وتزامن مع المؤتمر لقاء تكرر كثيراً بين زعماء روسيا وتركيا وإيران، وأخيراً فإن المؤتمر الأخير هو المؤتمر المشترك بين الجامعة العربية والاتحاد الأوربي حضره زعماء من الاتحاد الأوربي ومصر ودول عربية أخرى وغابت الإمارات حيث اقتصر تمثيلها على حاكم إمارة الفجيرة، فهل هذا يمثل ما قدرت أمريكا عليه رداً على مقاطعة الاتحاد الأوربي لمؤتمر وارسو؟! وهنا نقول إننا في عصر جديد أقطابه متعددة وللمسلمين في ذلك متنفس وسعة ولله الأمر من قبل ومن بعد.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة