بطاقة تعريفها :

- اسمها : البقرة-العوان-فسطاط القرآن-سنام القرآن [1] - الزهراء [2]

- عدد آياتها : 285 عند أهل المدينة و مكة و الشام ، و 286عند أهل الكوفة ، و 287 عند أهل البصرة [3] .

- ما اختلف عنها نزولا من الآيات : يقول الإمام السيوطي : لم يستثن من مدنية السورة إلا آيتان : {فاعفوا و اصفحوا حتى يأتي الله بأمره... }109[ ، و { ليس عليك هداهم و لكن الله يهدي من يشاء.... } ]272 [ [4]

ترتيبها نزولا : يقول ابن عاشور :" وقد عدت سورة البقرة السابعة والثمانين في ترتيب نزول السور ، نزلت بعد سورة المطففين وقبل آل عمران" [5] ، و رغم أن أغلب آياتها كانت أول القرآن نزولا بالمدينة إلا أن بقيتها ظلت تتنزل طوال الفترة المدنية حتى كان منها آخر ما نزل من القرآن .

- فضلها : لقد تبوأت سورة البقرة المنزلة العظمى و المكانة الجلى لما ائتلف فيها من العقيدة و الأحكام و القصص و العبر، ولاشتمالها على أعظم آيات القرآن ، و لأنها حصانة من الشياطين و السحرة ، و قد ورد في فضلها كثير من النصوص نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

* حديث أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِى تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ». [6]

* حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة" [7].

- حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول: "يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد، قال كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق أو كأنهما حزقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما" [8] ، و قد خصت منها آيات معينة بمزيد فضل ، كما هو شأن آية الكرسي و خواتيم السورة ، من ذلك ماجاء في :

= حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال  : وكلني رسول الله صلى الله عليه و سلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة قال فخليت عنه فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه و سلم ( يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة ) . قال قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال ( أما إنه قد كذبك وسيعود ) . فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم ( إنه سيعود ) . فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم ( يا أباهريرة ما فعل أسيرك ) . قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال ( أما إنه كذبك وسيعود ) . فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله وهذا آخر ثلاث مرات تزعم لا تعود ثم تعود قال دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت ما هو ؟ قال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } . حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم ( ما فعل أسيرك البارحة ) . قلت يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال ( ما هي ) . قلت قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم{ الله لا إله إلا هو الحي القيوم } . وقال لي لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي صلى الله عليه و سلم ( أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ) . قال لا قال ( ذاك شيطان ) [9]

= حديث أبي بن كعب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم" ؟ قال قلت الله ورسوله أعلم قال "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم" ؟ قال قلت {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} قال فضرب في صدري وقال "والله ليهنك العلم أبا المنذر"[10]

= حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قَالَ لَمَّا أُسْرِىَ بِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- انْتُهِىَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِىَ فِى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ إِلَيْهَا يَنْتَهِى مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا وَإِلَيْهَا يَنْتَهِى مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا قَالَ {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} قَالَ فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ فَأُعْطِىَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ثَلاَثًا أُعْطِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا الْمُقْحِمَاتُ. [11].

= حديث أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ" [12]

= حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : "بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه و سلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال : هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته" [13]

ظروف نزولها : لقد جاءت الهجرة النبوية لتحدث هزة عنيفة في المجتمع القرشي الذي حارب الدعوة المحمدية ، التي ضحى أتباعها بكل غال و نفيس فدية لعقيدتهم ، ضاربين أروع الأمثلة في البذل و العطاء و الاستمامة من أجل هذا الدين ، لقد انصهروا في بوتقة الإسلام عقيدة و منهجا و سلوكا، فكونوا الطبقة التي استحقت بجدارة أن تتبوأ أعلى المراتب بثناء القرآن الكريم عليها ، لقد وجد هؤلاء طلبتهم في المدينة المنورة، لكنهم حين هاجروا إليها وجدوا أنفسهم محتاجين إلى تأسيس مجتمع يصوغه القرآن الكريم و تجسده السنة النبوية ، مجتمع مبناه على الآصرة الإيمانية التي لا يعتورها انفكاك و لا يصيبها تصدع ، لقد شعروا في المدينة أنهم نجوا بدينهم وأنهم قد وجدوا الملاذ الآمن لتأسيس قاعدة صلبة تسمح بحرية الدعوة ، غير أنهم فوجئوا بأعداء جدد يزعمون أنهم أهل كتاب قد اتخذوا الدين بضاعة خاصة لا يجوز أن ينافسهم فيها أحد ،  فضاقوا ذرعا بالمسلمين لما رأوا فيهم من تهديد لمركزهم الديني المبني على النصب و الاحتيال ، فشرعوا يحيكون لهم المؤامرات و يكيدون لهم الدسائس و يحاولون المكر بهم في تربص مستميت ، معلنين عداوتهم تارة و مسرينها أخرى، وقد استنفد النبي صلى الله عليه و سلم  معهم كل محاولات الدفع بالحسنى أملا في تعامل أحسن، لكن ضغائنهم كانت طاغية و أحقادهم كانت متأصلة، فغلبتهم جبلتهم.

في هذا الجو تتالى نزول سورة البقرة خلال فترة ضاهت العهد المدني كله ، ذلك أنها أطول السور القرآنية و أغزرها أحكاما و أكثرها محتوى و أوفرها توجيها ، لمواكبتها بداية تأسيس المجتمع الإسلامي الجديد و سعيها إلى تحصينه ضد طعون المغرضين و شبه الزائغين، فركزت في النفوس ضرورة التمسك بهذا الكتاب لعمق حجته و نصاعة الحق الذي جاء به ، فهو الهادي إلى أقوم الطرق و القائد إلى أسعد حياة ، وطفقت تبين تبلور طوائف ثلاث مع بداية نشأة هذا المجتمع كان طبيعيا أن توجد؛ (المتقون و هم أتباعه ، و المنافقون الذي يظهرون له الولاء تقية و يبطنون له العداء جبلة ، و كفار معاندون رافضون للحق)، و لكن المفاجأة الكبيرة كانت في بروز اليهود باعتبارهم فئة رابعة تجمع خسة النفاق و عناد الكفر ، و ترى في المسلمين ألد أعدائها، فلا تضيع فرصة للنيل منهم، ولا مناسبة إلا استغلتها...

 في هذا الجو نزلت سورة البقرة لتضع المعالم العامة للمجتمع و تبين الأحكام التي تتطلبها  التنشئة الإسلامية لتكوين المجتمعات .

مقدمة عن السورة ( افتتاحية ) :

 تعد سورة البقرة أول ما نزل من القرآن بعد الهجرة، والمرجح أن أقدميتها في النزول إنما تعود إلى أسبقية مقدماتها؛ ذلك أن المعول عليه في ترتيب السور من حيث النزول هو سبق نزول أوائلها، وإن كان ترتيب الآيات في كل سورة؛ بل وترتيب السور نفسها داخل المصحف إنما يتم طبقا لأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفق ما جاءه به جبريل ووفق ما كانا يتدارسان عليه القرآن، كما في حديث ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَد مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ[14]..

 لقد تناولت السورة عدة موضوعات رئيسة يشدها محور خاص، يقوم على خلافة بني آدم في الأرض على وجه يرضي الله تعالى ويحقق مقاصد الاستخلاف، وذلك بعد أن ذكرت هؤلاء المستخلفين بنعمة الإيجاد، التي ما كان لمولاها أن يكفر{كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا فأحياكم ثم يميتكم ثم إليه تحشرون  بهذا المنطق الأبلج جاءت الرسالة الخاتمة لإخراج الثقلين من عبادة الأوثان إلى توحيد الخالق الديان، ومن الكفر إلى الإيمان، تلك الرسالة التي من الله بها على العباد لإنقاذهم من أتون الرذيلة والإلحاد إلى صرح الفضيلة والرشاد، رسالة رغم ما جاءت به من خير عميم وفضل واسع فقد عاش معتنقوها في مكة ظروفا بالغة الصعوبة، خاصة بعد وفاة خديجة رضي الله عنها موئل الرسول صلى الله عليه وسلم ومأنسه، وموت أبي طالب كافله صلى الله عليه وسلم وحاميه؛ إضافة إلى الموقف الصلف الذي اتخذه أهل الطائف الذين كانوا مرشحين بوصفهم بديلا عن أهل مكة، فقد كان موقفهم من حامل هذه الدعوة مشينا؛ ذلك أن كبراء ثقيف-سادة الطائف- استقبلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ما ذهب إليهم لعرض دعوته أسوأ استقبال، فانصرف عنهم وهو يردد ذلك الدعاء الخاشع المؤثر "...أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى عدو ملكته أمري أم بعيد يتجهمني إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ...."، مما كاد أن يجمد الدعوة في مكة وما حولها، فقد جاء الموقف السيئ لأهل الطائف بعد إعلان أمراء قريش الحرب على الدعوة، تلك الحرب التي تزعمها كل من أبي لهب وأبي جهل وأبي سفيان وغيرهم ممن يمتون بالقرابة الماسة للرسول صلى الله عليه و سلم، مما دفعه صلى الله عليه وسلم إلى البحث عن قاعدة أخرى غير مكة،  تحمي هذه الدعوة وأهلها من الفتنة، وفي تلك الأجواء المتوترة أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فهاجر إليها كثير من المؤمنين الأوائل، وقد مثل القرشيون غالبيتهم، فكان منهم : جعفر بن أبي طالب والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وأبو سلمة، الأمر الذي شكل هزة في أوساط البيوت الكبيرة في قريش، تلك البيوت التي هاجر أبناؤها الكرام المبجلون بعقيدتهم فرارا من الجاهلية وبحثا عن قاعدة آمنة توفر لهم الأجواء السانحة لأداء شعائر دينهم، فتمت هجرتان إلى الحبشة وأسلم النجاشي، لكن قريشا ظلت تطارد المسلمين الباقين في مكة وتذيقهم أبشع أنواع التعذيب والظلم، حتى أتم الله أمره فكان فتحه ونصره ببيعتي العقبة الأولى و الثانية، حين التقى النبي صلى الله عليه وسلم بجماعة من الخزرج ثم الأوس و الخزرج خلال موسمي حج متتالين، أثناء عرضه نفسه على القبائل الوافدة إلى الحج طلبا لمن يحميه حتى يبلغ دعوة ربه، وقد كان سرور أهل البيعتين بلقائهم النبي صلى الله عليه وسلم كبيرا وحماسهم لدين الله تعالى متأججا، فقال بعضهم لبعض : (والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه)، فبادروا إلى الاستجابة والبيعة، وأرسل معهم النبي صلى الله عليه وسلم من يعلمهم أمر دينهم، فما لبثوا أن طلبوا منه أن يشترط لربه ولنفسه ما شاء، هكذا أخذوا الأمر بقوة ففشا الإسلام في المدينة حتى لم يبق منها بيت إلا دخله، فنشأت القاعدة الدعوية القوية الآمنة، وبدأت بوادر الدولة الإسلامية تتراءى منذ أول أيام الهجرة.

لكن المسلمين في مدينتهم الجديدة فوجئوا بعداوة من نوع آخر، عداوة اليهود الذين حسبوا الدين حكرا على جنسهم، {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} ، فآثروا وفق تحيزهم الجبلي وجورهم الطبعي آثروا أن يكونوا جند إبليس في معركته الخالدة ضد الحق، فطلب منهم القرآن أن يؤمنوا بالله ورسله جميعا، وأن ينخلعوا من أنانيتهم{قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } ، فرفضوا ذلك الطلب، رغم أنه دعوة إلى منهج الأنبياء، الذين عاشوا قاطبة ليعلنوا عبوديتهم لله وطاعتهم المطلقة له، وإن اختلفوا في بعض التشريعات الفرعية طبقاً لاختلاف الأعصر والبئات، هكذا لم تكن رسالة الإسلام المعروضة  ديناً جديداً وإنما كانت دين سائر المرسلين، ذلك الدين الذي ظل السابقون منهم يورثونه للاحقين {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك... } .

كان اليهود أهل كتاب، ولكنهم لم يرفعوا به رأسا، ولم ينشئوا له دعوة، ولا عرضوا نصوصه لتغني عن التعاليم الوضعية، بل ما حفظوا ما استحفظوا منه، ولا وفوا بما عاهدوا عليه فيه، ولكن حرفوا وبدلوا، ورغم ذلك كله فقد حاول النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم أن يستلين جانبهم، ويتعاون على الخير معهم، لكن حقدهم غلب وطغيانهم سطا، ولا غرو فالباطل لا يأتلف مع الحق، والكذب لا ينسجم مع الصدق، وهم أهل باطل وكذب، وقد زيفوا ما بأيديهم وحرفوه، وذلك ما أشارت إليه السورة في بدايتها تلميحا "ذلك الكتاب لا ريب فيه.."، كأن الآية تقول لهم : على خلاف ما عندكم، بعد ذلك تتابعت آيات السورة تذكرهم بآلاء الله ونعمه عليهم، عسى أن تكون لهم قلوب تعقل أو آذان تسمع أو بصائر تعي {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون وآمنوا بما أزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به... } لقد أحصت السورة أكثر من ست عشرة قضية عرضت لبني إسرائيل خلال تاريخهم العريض، ودعتهم إلى الوحدة الدينية {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا..} ، لا كما يروجها المبطلون والمنهزمون في كل عصر، وصرحت لهم أنه ما ثمة إلا حق أو باطل، فإذا لم يكن الإسلام هو الدين الحق فما هو؟! أيكون هو التمرد على الوحي وتجاوز الحق والحكم بغير ما أنزل الله!!؟؟ أليست النجاة والهداية في الإيمان بهذا القرآن واتباع نهجه وسبيله؟؟ {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }


 

 المقدمة  1  2  3  4  5  الخاتمة

 

 

 


[1] الإتقان للسيوطي (1\191) ، ط : الهيئة المصرية للكتاب

[2] سميت الزهراء لما رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين و قصرها باب فضل قراءة القرآن و سورة البقرة ، الحديث (804) عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : "اقرؤوا الزهراوين : البقرة و سورة آل عمران......"

[3]  التحرير و التنوير لابن عاشور (2\304) الدار التونسية للنشر

[4] الإتقان مرجع سابق (1\56)

[5] التحرير و التنوير مرجع سابق (1\200)

[6] أخرجه مسلم\كتاب الصلاة\باب استحباب صلاة النافلة في بيته و جوازها في المسجد\ح (780)

[7] أخرجه مسلم\ كتاب الصلاة\باب فضل قراءة القرآن و سورة البقرة\ح (804)

[8] أخرجه مسلم\كتاب الصلاة\باب فضل قراءة القرآن و سورة البقرة\ح (805)

[9] أخرجه البخاري\كتاب الوكالة\باب إذا وكل رجلا فترك الوكيل شيئا فأجازه الموكل فهو جائز......\ح (2311)

[10] أخرجه مسلم\كتاب الصلاة\باب فضل سورة الكهف و آية الكرسي\ح (810)

[11] أخرجه مسلم\كتاب الإيمان\باب في ذكر سدرة المنتهى\ح (173)

[12] أخرجه البخاري\كتاب المغازي\باب\ح (4008) ، و مسلم\كتاب الصلاة\باب فضل الفاتحة و خواتيم سورة البقرة ، و الحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة\ح (807)

[13] أخرجه مسلم\كتاب الصلاة\باب فضل الفاتحة و خواتيم سورة البقرة ، و الحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة\ح (806)

[14] أخرجه البخاري\كتاب الصوم\باب : أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان\ح(1902) ، ومسلم\كتاب الفضائل\باب : كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير من الريح المرس\لة\ح(2308)