بطاقة تعريفها :

- اسمها : آل عمران-طيبة [1] -الزهراء [2]

- عدد آياتها : مئتان بإجماع القراء [3]

- ما اختلف نزولا عن السورة من الآيات : السورة آياتها كلها مدنية [4] .

ترتيبها نزولا : نزلت بعد البقرة وقبل الأحزاب، وعلى ذلك تكون السورة الثامنة والثمانين من حيث ترتيب نزولها [5] .

- فضلها : لقد شاركت سورة آل عمران سورة البقرة في كثير من فضائلها، فهما الزهراوان اللتان تأتيان يومَ القيامةِ كأنهما غيايتان أو غمامتان أو فرقٌ من طيرٍ صوافّ تحاجّان عن صاحبِهما، وتقدمان القرآنَ وأهلَه يومَ القيامةِ : كما ورد في حديث أبي أمامةَ الباهليِّ رضي الله عنه  قال : سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم  يقول : " اقرؤوا الزهراوَين؛ البقرةَ وآلَ عمران فإنهما يأتيان يوم القيامةِ كأنهما غمامتانِ أو غيايتان أو كأنهما فرقانِ من طيرٍ صواف تحاجان عن أصحابهما " [6]

وكما جاء في حديث النَّواس بنِ سمعانَ رضي الله عنه قال : سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول : "يؤتى بالقرآنِ يومَ القيامةِ وأهلِه الذين كانوا يعملونَ به ، تَقْدَمُهم سورةُ البقرة وآل عمران "- وضربَ لهما رسولُ الله ثلاثةَ أمثالٍ ما نسيتهن بعدُ . قال : " كأنهما غمامتان أوظلتان سوداوان بينهما شرق أو كأنهما حزقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما"[7] .

وكان الصحابة رضي الله عنهم يعدون قارئ البقرة، وآل عمران من عظمائهم : كما ورد في حديث أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه أن رجلا كان يكتب للنبي صلى الله عليه و سلم وقد كان قرأ البقرة وآل عمران وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا يعني عظم .." [8]

وقد احتوت كل من السورتين على اسم الله الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب : كما جاء عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ فِى هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} وَفَاتِحَةُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ {الم اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ}"[9] .

 وهما من السَّبعِ الأُوَل من القرآنِ اللواتي عد النبي صلى الله عليه وسلم آخذهن حبرا:كما جاء في حديث عائشةَ رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مَنْ أخذََ السَّبعَ الأُوَلَ منَ القرآن فهو حبرٌ "[10] .

 كما أنهما من السبعِ الطِّوالِ التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم مكانَ التوراة : كما ورد في حديث واثلةَ بنِ الأسقعِ رضي الله عنه  قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : " أُعطيتُ مكانَ التوراةِ السبعَ..." [11] .

ومن فضائلهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيراً ما يقرأُ في ركعتيِ الفجر بآيتين من السورتين المذكورتين، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا } الآية التي في البقرة وفي الآخرة منهما { آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون } التي في آل عمران ) [12] .

ومما اشتركت فيه آل عمران من الفضل مع غير البقرة: قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: علمنا رسول الله صلى الله عليه و سلم خطبة الحاجة "إن الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا } [النساء:1]، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران:102]، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}[الأحزاب:70-71] [13].

ومما اختصت به آل عمران فضل خواتيمها، بدءا من قوله تعالى: { إن في خلق السموات والأرض... } [الآيات:190-200]؛ ما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: (بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَقُلْتُ لَأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطُرِحَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِسَادَةٌ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طُولِهَا فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَرَأَ الْآيَاتِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ حَتَّى خَتَمَ) [14] . فشأن هذه الآيات عظيم، ذلك أن الويل لمن قرأها ولم يتفكرْ فيها، كما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها حين طلب منها عبيد بن عمير أن تخبره عن أعجب ما رأت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : فسكتتْ . ثم قالت : لما كان ليلة من الليالي . قال : يا عائشة ، ذريني أتعبدُ الليلةَ لربي ، فقلت : والله إني لأحبُّ قربَكَ وأحب ما يسرُّك. قالت : فقام فتطهرَ، ثم قام يصلي قالت : فلم يزل يبكي، حتى بلَّ حِجْرَهُ. قالت : وكان جالساً فلم يزل يبكي حتى بلَّ لحيتَه قالت: ثم بكى حتى بلَّ الأرض فجاء بلالٌ يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسولَ الله تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبِك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً؟ لقد أنزِلَتْ عليَّ الليلةَ آيةٌ؛ ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها" {إن في خلق السماوات والأرض....} الآيات[15] .

- ظروف نزولها : لقد شهد العام الثاني للهجرة النبوية تحولات جوهرية في تنظيم وتطور الدولة الإسلامية الفتية، فرغم وجود عهود مع أعدائها في الداخل من أهل الكتاب إلا أنهم ظلوا يطعنون في الإسلام ويخاصمون أهله، فلم تتوقف مناكفتهم يوما بحجج الوحي، ولم تهدأ مجادلتهم ببراهين العقل، وإن لم يكف ذلك من غلهم على دولة الإسلام، ولم يخفف من حملاتهم المغرضة عليها، ولكنها إقامة الحجة في إيضاح المحجة قبل اللجوء إلى السيف ولو تعلق الأمر بألد الأعداء وأعتى الخصوم.

في الوقت نفسه كانت الحرب العسكرية مع المشركين- بعد استفراغ كافة الوسائل الدعوية السلمية - قد بلغت ذروتها؛ حيث حمي الوطيس في غزوة بدر، في هذه الظروف نزلت سورة آل عمران لتؤكد منهج الإسلام في إلزام معتنقيه بالثبات على منهجه القرآني النبوي تحصينا للعقول المسلمة من زيغ الشبهات، وتشجيعا للأنفس المؤمنة ضد إرهاب العدو. فبينت الحق ودحضت الباطل وأزالت غبش مزاعم أهل الشرك من النوعين.

مقدمة عامة عن السورة (افتتاحية) :

كانت المدينة المنورة محط أنظار كثير من أصحاب الديانات بعد الهجرة النبوية، وإن اختلفت مقاصد تلك الأنظار، وكان  أهل الكتابين من أكثر الناس اهتماما وأشدهم حساسية تجاه الدعوة الجديدة، ذلك ما سطرته سورة آل عمران التي تعتبر من أكثر السور معالجة لطرق محاورة الخصوم من أهل الكتاب؛ إذ تجسدت فيها الروح الدعوية للقرآن، وتبين من خلالها أن الحوار منهج قرآني تقوم عليه  روح الدعوة الإسلامية، بل هو حاديها وباعثها الذي يتأسس وقودها عليه، فكان موضوعها المحوري متمثلا في مناكفة أهل الكتاب ودحض خصومتهم للإسلام بالأدلة والبراهين وتعرية شبههم بموضوعية وإنصاف وعدل لم يعرف له التاريخ مثيلا، فلما زعموا أن عيسى عليه السلام ابن لله تعالى- من خلال الطرح الذي تقدم به الوفد الكنسي عند حضورهم إلى المدينة لمجادلة النبي صلى الله عليه وسلم في عقيدة التوحيد- سلك معهم النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الطرق لإحقاق الحق و إزهاق الباطل ، و إلزام الحجة بعد قيامها عليهم بجلاء في مستهل محاورتهم {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا.... } ، فأظهر ذلك السبيل الأقوم في شأن عيسى عليه السلام، وما كان من توفيق الله تعالى له في أداء رسالته وحفظه له من مكر اليهود ورفعه لدرجته في عليين؛ لتقرير العقيدة التي لا مرية فيها {إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم} . بهذه النصاعة وبذلك الوضوح تتوارد أسرار غائرة من تاريخ أهل الكتاب في ثنايا آيات السورة، وفي خضمها تعرض ما حل بالمسلمين يوم أحد من ابتلاء وقتل  إثر مخالفة أوامر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لتبرهن تاريخاً وواقعاً أن أصل المصائب مخالفة المرسلين، وبذلك يتبين الطريق ويتضح المنهج الذي أراده الله للبشرية جمعاء، ذلك المنهج الذي وجهت إليه السورة النفوس بتلك الوقائع والأحداث الحية، ذات الأثر البالغ في حياة الأمة الإسلامية، التي رفعت راية الحق، ومثلت حزب الله تعالى، واعتزت بالانتساب إليه وحده، حارسة لشعائره، مقيمة في ساحة عبادته، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا.. } ، إنه منهج يمتلك كشف ما يختلج في الأنفس {قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير} ، منهج يطرح ثلاثة خيارات أما الخصوم: ( حفاوة بالمستجيبين له حقيقة، ومحاورة للمعرضين عنه ودعوتهم بالحسنى، وحزم وغلظة على المعتدين الذين يقفون في طريقه ويصدون عن سبيله)، إنه منهج الأمة المؤمنة الخاتمة، التي نبتت بذرتها الأولى في الجزيرة العربية؛ لتنطلق إلى أصقاع المعمورة مسددة بالوحي في تعاملها مع أعدائها وأصدقائها، وفي صراعها مع أهواء أتباعها وشهواتهم، أمة يقوم نظامها في شموليته على العدل والإنصاف حتى في تصنيفه للأعداء والخصوم {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله... } {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا... } ، كذلك يعمل القرآن في تكوين حياة الشخصية المسلمة المتمسكة به في كل زمان وفي كل مكان؛ فيخاطبها في أصولها الوجدانية والفطرية وفي حقيقتها ومصيرها، وفي إطار ذلك يكشف القرآن حقيقة ومآل الكافرين {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد} ، لقد تحجرت قلوب الأعداء من يهود وغيرهم بما نشأ في نفوسهم من الحرص على نشر كل انحراف عقدي وأخلاقي {ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم.... } ، مما عاد على أخلاقهم بالانتذال  ومعاملاتهم بطيش الاستعظام للأنفس، حتى أنستهم أثرتهم الطافحة ربهم وألهاهم تشبعهم من الدنيا وعكوفهم على مطالبها عن النظر في عاقبة أمرهم، وأهل القرآن يحميهم ربهم بإيمانهم من ذلك كله؛ إذ يشيد فيهم الاستقامة على كل فضيلة ويبني فيهم كل خلق حسن {الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين.. } ، ويجعل منهم بئة قانتة مسارعة في الخيرات، بئة يشب أفرادها ويترعرعون في رعاية الوحي، بئة شعارها: {نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون... } ، بئة يلتزم أهلها بالتواضع ورقة القلوب مع الله تعالى والحنو على عباده، بئة يلظ أهلها قائلين: {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار... }

من أهم محاور السورة (بصمتها) :

-  في إطار صقل عقيدة المجتمع الإسلامي من ران الزيغ وغبش الشبه تبين السورة بطلان عقيدة النصارى وتعري التناقض الذي تقوم عليه، وتوضح بلا امتراء حقيقة عيسى عليه الصلاة و السلام {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون.. } ، وعلى نفس النسق تؤكد السورة عجز اليهود عن الارتفاع إلى مستوى الوحي بانحرافهم عما جاءتهم به التوراة، وبما واجهوا به هذا القرآن من التكذيب والعناد، فاستحقوا عن جدارة نعت المكذبين، ذلك أن من كذب بأي من هذه الكتب المنزلة من عند الله تعالى فقد كذب بها جميعا وكان أولى الناس بالعذاب والنكال {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل....ذو انتقام} ، لقد واجهوا كلام الله تعالى بمقررات عقلية لا تتجاوز حد الإدراك البشري ولا تستعلي على مستوى العجز الإنساني، فتنكبوا سبيل العلم وعارضوا منهج ذوي الرسوخ من العلماء، الذين هم أفقه بعجز العقل البشري عن إدراك الحقائق التي تفوق طاقته وتكبر مستواه؛ لما يتسمون به من سلامة الفطر التي لا تلبث أن تصدق بالحق وتنقاد له وتطمئن إليه {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب} .

لقد كشفت السورة عن الصراع المتجذر الذي احتدم منذ مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بين حملة الحق وحملة الباطل، صراع يقود المسلمون طرفه ذا العقيدة المستقيمة الناصعة ويقود أهل الكتاب والمشركون طرفه ذا العقائد المنحرفة المغبشة، المبنية على جعل الشركاء والأنداد لله تعالى ونسبة الأبناء والبنات له جلت عظمته، فهؤلاء وإن آمنوا أن الله هو الخالق الرازق إلا أنهم لم يؤمنوا أنه لا إله غيره وأنه لا يقبل من العبودية إلا ما كان خالصا له وحده، اعتقاداً وعملاً واتباعاً ومنهجاً، وأنه لا تحاكم إلا إلى شرعه ولا طاعة إلا لأمره {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام.. } ، يقول ابن تيمية: (وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ثَلَاثَةَ أُصُولٍ : شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّهُ قَائِمٌ بِالْقِسْطِ وَأَنَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ؛ فَتَضَمَّنَتْ وَحْدَانِيَّتَهُ الْمُنَافِيَةَ لِلشِّرْكِ وَتَضَمَّنَتْ عَدْلَهُ الْمُنَافِيَ لِلظُّلْمِ وَتَضَمَّنَتْ عِزَّتَهُ وَحِكْمَتَهُ الْمُنَافِيَةَ لِلذُّلِّ وَالسَّفَهِ وَتَضَمَّنَتْ تَنْزِيهَهُ عَنْ الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَالسَّفَهِ، فَفِيهَا إثْبَاتُ التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتُ الْعَدْلِ وَإِثْبَاتُ الْحِكْمَةِ وَإِثْبَاتُ الْقُدْرَةِ) [16] ، لقد كان تجسيد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم لهذا التصور عملاً وواقعاً وراء تأجج الصراع بعد الهجرة النبوية، خاصة حين صار اليهود طرفه الأكثر عنفاً والأعمق حقداً، والأشد رفضاً لقضاء الله وقدره، والأغور حسداً للعرب في اختصاص الله تعالى لهم بالرسالة الخاتمة، فذلك طبعهم المتعصب وتلك شيمتهم الكارهة للحق رغم محاجة الني صلى الله عليه وسلم لهم بالدليل والبرهان ومقابلته أذاهم بالحسنى {فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا... }.

- لقد حقق الإسلام للنفس البشرية توازنها في تناول الشهوات والملذات، وأخضع ميلها إلى الاستكبار والغطرسة، وسما بها إلى معالي الأمور وكبريات القضايا وربطها بتحقيق شهوة لامنكد لها وقادها إلى استطعام لذة لا منغص لها واستعلى شأنها بشكل لا انحطاط بعده { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة....قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار.... } 

- لقد عاش أهل الكتابين تناقضا عجيبا، وتحريفا مريبا لكتبهم، فكانت هناك حاجة ماسة لرسالة تبيّن للناس زيغهم وتكشف لهم ما كانوا يمارسونه من التبديل والتحريف وسوء الفهم والظلم في التطبيق أثناء الممارسة، وقد جاء القرآن بذلك فعرى الانحراف وقدم الأدلة ووضع البدائل.

- لقد نشأت هزيمة أحد بعدما كان من النصر فيها عن التفريط في تطبيق أوامر المصطفى صلى الله عليه وسلم، تلك المخالفة الناشئة عن سوء التقدير أو الطمع الناتج عن رؤية أكوام الغنائم التي أحرزها المسلمون في بداية المعركة. وأيا كانت الأسباب والدوافع فإن شؤم المعصية كبير وعقوبتها مؤلمة وآثارها سيئة، فلابد من الطاعة المطلقة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم والتجرد المطلق لتنفيذ الأمر وأداء المهمة.

- في آخر السورة كانت هناك مراوحة في الحديث بين اليهود وعبدة الأوثان إشارة إلى أن جهاد الدعوة يطالهم جميعا {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} ، بعد أن تفرد الحديث لفضح عوار اليهود ليبين أن نفوسهم خالية من التقوى وأفئدتهم عارية من الإيمان { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء.... }

- تشد السورة من أزر المؤمنين حين تؤكد الآيات أن الكفار وإن استعلوا واستكبروا وعاثوا فسادا فإن أمرهم إلى زوال وسلطانهم إلى اضمحلال {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد} ؛ فتيار الحق لا توقفه العقبات ولا تصده النكبات .

  من هدايات السورة (فوائدها) :

- كما هو الشأن بالنسبة لسورة البقرة افتتحت آل عمران بالأحرف المقطعة تنبيها إلى إعجاز هذا القرآن؛ فرغم أنه مؤلف من هذه الأحرف التي يدركها الجميع، إلا أنهم لا يستطيعون أن يصوغوا منها مثله، لا في بلاغته اللفظية والتركيبية ولا في بلاغته المعنوية وسلطانه على القلوب ولا في إعجازه التاريخي والتشريعي، ولا في تحديده لوقائع لا تزال في رحم الغيب.

- إن التمسك بالمنهج والتزام المحجة البيضاء والثبات على المبادئ، رغم كثرة المعوقات وكآدة العقبات لهو الدلالة القاطعة على رسوخ الإيمان وكمال الاستسلام لله عز وجل {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان...ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا.. } ، فمعوقات هذا الطريق كثيرة ومتنوعة وقواطعه تزلزل الأفئدة المهزوزة ببهارج الدنيا الناعمة وزخارفها المؤثرة، ودواعيها الدافعة إلى السعر إلى ملاذها غاية في القوة { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث... } .

- إن تحديد الأهداف ووضوح الرؤية عوامل رئيسة للتحصين من تنكيب الجادة، ومن المقومات الأساسية لذلك الاستقلال والاعتزاز بالانتماء المنهجي الذي يجافي تقليد الأمم الأخرى ومصانعتها على حساب العقيدة { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} .... {عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} ، ذلك أن تجسيد الولاء لله تعالى واستيعاب المصاعب وعدم الاستسلام لها وحصافة التوجه إلى الأمثل والاقتداء بالأنجح في الطريق إلى الله تعالى يبعث الآمال في نفوس المؤمنين ويرفع روحهم المعنوية {وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين} ، فالسائر على المنهج الرباني لا يعرف التعلق إلا بالله وحده، ولا يؤله إلا هو وحده لا شريك له، ولو كان الغير أعظم البشر فلا تعلق للسائرين على هذا الصراط بشخصه حياة أو موتا {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم.... } .

- في إطار أطر النفس على الحق لابد من مراجعتها بين الفينة والأخرى وصبرها على الجادة وإرجاعها إلى الصراط السوي فور حيدتها عنه، ويتجلى ذلك في المسارعة بها إلى التوبة والانطراح بين يدي الله سبحانه وتعالى استغفارا وإنابة {الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار} {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} {سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض} {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} ، وإزاء ذلك لابد من جرس ينبه النفس إذا غوت ويصيح في وجهها إذا زلت ويثبتها إذا استقامت ويواسيها إذا ضنكت ويبين لها مكامن الخطر وأسباب استحقاق العقوبة، وهو الأمر الذي لا يتأتى إلا بالصحبة الصالحة الناصحة التي تتأسس معها الروابط على الوشائج الإيمانية وتقوم معها الصلات على الأواصر الربانية النابذة للاختلاف والتنازع {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} {فأصبحتم بنعمته إخوانا} {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون... } .

- لابد من العمل بالحق واستمداد النصرة عليه من الله تعالى والاعتبار في ذلك بالأحداث {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء... } ، والعمل بالحق يقتضي الدعوة إليه حتى يكمل الانتماء وتتم المهمة ويصدق الانتساب ويحصل الفلاح {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} ، وكذلك فإن الاستقامة على الحق والتجسيد العملي له والحصانة من كيد الأعداء يحتاج إلى صبر لا يعرف ضجرا وتقوى لا يعتورها انحراف {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} .

- إن الاستغفار بالأسحار يرفرف في قلب المؤمن بحرارة الإيمان ويصدح في نفسه بروح الإحسان ويعمق فيه بذور الخشية التي تزدهر في جو ندي بمعالم التنزل حين يصفو الفؤاد ويرق القلب وتعم السكينة وتبوح النفس بعوالجها الرهينة وخواطرها الرقراقة، ويعانقها الاستغفار فتقبل على باريها عز وجل فيلفها الاطمئنان ويعلو بها إلى الآفاق العلية والمنازل الرضية  {الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار} {والمستغفرين بالأسحار} .

لقد جعل الله تعالى البيت الحرام  ذروة في المنزلة، مقدما في الأسبقية، عالي الفضل، عظيم الشرف، سامق المكانة، فلزم تعظيمه وحمايته ورعايته، فهو أول مكان لعبادة الله عرفته المعمورة، وهو المطاف الوحيد على سطحها، وفي رحابه المسعى الفريد، وفي جواره الموقف الفذ بعرفة، وفي جنباته تؤدى سائر مشاعر الحج والعمرة، وبه تتعلق القلوب، وإليه تهوى الأفئدة، وعلى أرضه بثت البركة {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} .

- إن التوفيق للطاعات وأعمال البر لا يتأتى إلا بالصلة الدائمة بالله تعالى، تلك الصلة التي هي منبع نقاء التصور واتضاح الهدف وتحصينه من غبش الشبهات ونوازع الشهوات، وهي مصدر إحراز النصر {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون}  {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} ، ورغم ذلك فإنه لابد للنصر من تضحيات جسام  وابتلاءات عظام تكشف المحق المتجرد من المبطل المتنفع، وتبرهن على أن معصية الله تعالى  ومخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ومقارفة الذنوب وسائل مانعة من استحقاق المدد الإلهي {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر} {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} ، فالإيمان بأن النصر مرده إلى الله، عقيدة ينبغي أن يستيقنها المؤمن  في مختلف الظروف والأزمنة {وما النصر إلا من عند الله} .

- لقد تضمنت السورة تحذيرات متتابعة للمسلمين من كيد أهل الكتاب ودسائسهم، في الوقت الذي وجهت فيه تقريعات لاذعة لليهود خاصة، لما يتسمون به من العداوة المتأصلة مع هذه الأمة ودينها؛ ولما جللهم من فقدان السيطرة على غرائزهم الدنيئة، ولما انطبعوا به من التمسك بكل نقيصة، ولما عرفوا به من محاربة الحق وإن استيقنوه، ولما تميزوا به من الصد عن سبيل الله { قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء} ،  ثم ينتقل النص  لبين في إشارات دأب الصالحين في لجئهم إلى الله تعالى وتعلقهم به وتوكلهم عليه، وتطبيقاً لذلك قدمت السورة نمطا  بمناجاة امرأة عمران لربها {رب إني نذرت لك ما في بطني محررا} ، وفي السياق نفسه جاءت دعوة زكرياء؛ ليتناسق ذلك كله مع ما اختتمت به السورة من استجابة الله تعالى للمسلمين بعد ما تعرضوا له من الأذية في سبيل الله وما قاموا به من الهجرة والجهاد {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى... } .

هكذا تتجمع آيات السورة لتؤكد بوضوح أن شمولية المنهج تقتضي الاتباع المطلق الذي لا استثناء فيه.

قصة وهدف :

-  لقد كانت أخطر اللحظات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حين حاول المشركون استغلال انفراده صلى الله عليه وسلم يوم أحد بعد أن لم يبق معه سوى سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما[17] ، وقد اعتبر المشركون ذلك الوضع فرصة ذهبية يجب انتهازها، فلم يتوانوا في تركيز جهودهم لقتل النبي صلى الله عليه وسلم، بل طفقوا يتسابقون لتحقيق هدفهم ذاك، فرماه عتبة بن أبي وقاص بصخرة فوقع لشقه وأصيبت رباعيته وكلمت شفته، وشج عبد الله بن شهاب الزهري جبهته، وضربه ابن قمئة ضربتين إحداهما على عاتقه والأخرى على وجنته، فاشتكى من الأولى شهراً، ودخلت بسبب الثانية حلقتان من المغفر في وجنته بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: "كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله"، فأنزل الله عز وجل: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} [18] ، لم يأل المشركون جهدا في القضاء على الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن سعدا وطلحة قاتلا باستماتة وبسالة منقطعة النظير؛ إذ كانا من أمهر رماة العرب، فاستطاعا بتوفيق الله عز وجل ثم بمهارتهما العالية وشجاعتهما النادرة وبطولتهما الفائقة أن يحبطا آمال المشركين ويصدا كيدهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.. [19].

من الأهداف المهمة لهذه القصة:

ـ شدة صبر الرسول صلى الله عليه وسلم وشجاعته وثباته في المعارك، فلم يؤثر أعداؤه عنه صلى الله عليه وسلم أنه فر مرة واحدة، وهو ما لم يتحقق لأشجع بطل عرفه التاريخ البشري.

ـ عظمة ما تعرض له صلى الله عليه وسلم من الابتلاء، وتنوع ما أصابه من المحن والكروب في سبيل الدعوة إلى الله تعالى، ولم يزده ذلك إلا ثباتاً وشموخاً ومصابرة.

ـ تفاني الصحابة رضوان الله عليهم واستماتتهم في نصر هذا الدين، وشدة محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وافتداؤهم له والذود عن جنابه بأعز ما يملكون.

ـ هدف أخير: إن قوله تعالى:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ}آية قاطعة لأصول الشرك وشبه الإلحاد وداحضة لمذاهب القائلين بوجود تصرف وتدبير لبعض المخلوقين في هذا الكون، كما أنها دالة على صدق المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ إذ لن يصرح مخلوق مدع أنه لا يملك من الأمر شيئا، فلن يدعي مدع إلا لإثبات مكانة واستجداء منزلة. وقد ورد كثير من الآيات في هذا الكتاب العزيز بأنه لا مدبر لهذا الكون سوى الله، ولا متصرف فيه إلا هو وحده لا شريك له، قال جل شأنه:{لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} وقال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} وقال تعالى:{قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً} وقال تعالى: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ َ} وقال جلت قدرته:{قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ }.

من الآيات الكونية في السورة :

- {قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير} فلا شيء يخرج عن علم الله تعالى ورقابته، حتى ما يختلج في النفوس وما يتناثر من ذرات الكون قد أحاط الله تعالى بذلك كله، فلا شيء يند عن علمه.

- {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} إنها قمة العطاء من إله كريم يملك الكون بأسره رحمة بعبد كسول جحود يجري خلف سراب زائف في دنيا زائلة، إنها إرادة الخير ومشيئة الفضل تجيش بنفحات الرحمة لتحث على المسارعة إلى مغفرة الله ورضوانه لنيل الفوز والنجاة، تلك الجائزة التي تحتاج إلى مسارعة في جو دنيا ملؤها السرعة والفناء والقصر، لتحصيل الكرامة في دار اختارها الله مأوى للصالحين من عباده، تلك الدار التي لا تستطيع العقول تقدير حجمها أو مساحتها...

- {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} لقد استأثر الله تعالى بعلم الغيب ولم يطلع عليه البشر، ذلك أنهم ليسوا مهيئين في الأصل للاطلاع عليه، وليست أجهزتهم البشرية مصممة على استقباله إلا بالمقدار الذي يوصلهم بخالقهم، فلم يكن من مقتضى حكمته جل شأنه أن يطلع الناس على الغيب؛ إذ لو كان ذلك لتحطم الكون ولتعطلت العمارة ولبقي الإنسان مشغولا بتلك المصائر التي اطلع عليها.

- {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب...ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا... } لقد حثت هذه الآيات المؤمن على تدبر أرجاء هذا الكون الفسيح في سمائه وأرضه وكيفية خلقه وبنائه وتكامله ليستدل بذلك على وحدانية الله عز وجل وعظيم قدرته وبديع صنعه في الخلق والإيجاد، ذلك أن العلاقة وطيدة بين العقل والفكر وثيقة بين الذكر والتدبر.

خاتمة :

لقد شهدت الحياة في المدينة النبوية استقرارا نسبيا بعد أحداث بدر رغم كفر وعناد اليهود وكتمانهم للحق وتلبيسهم له بالباطل {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون... } ، ورغم وجود طائفة تتظاهر بالإسلام والولاء له وتضمر الحقد والعداء له ولمعتنقيه، لتلقي مع الفكر اليهودي في تبني نصب الحيل للصد عن سبيل الله من غير مراعاة لأي مواثيق أو عهود؛ إنه الغل والحسد حين يشرقان القلوب ويلهبان الأنفس الحاقدة لما حققه المسلمون من نصر مؤزر في بدر {إن تمسسكم حسنة تسؤهم... } ، لقد أشعل لغواء أفئدتهم المريضة ذلك النصر الذي ارتفعت به معنويات المسلمين واشدت به آصرتهم، وتعلموا منه أن التزام الطاعة واتباع المنهج والترفع عن زخارف الدنيا وشهواتها هي الخطوات الأولى لإحراز النصر {زين للناس حب الشهوات من النساء و البنين} {والله عنده حسن المآب قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} .

لقد كان تلاعب كبراء أهل الكتاب بالعقيدة واستخدامهم لها في المناورات السياسية وراء تحريفهم لكتبهم ذلك ما أوضحته سورة آل عمران، التي اشتملت على ركنين هامين؛.. تمثل أولهما في ركن العقيدة الصحيحة القائمة على إلهية الله وحده، من خلال إِقامة الأدلة ونصب البراهين على وحدانية الله جل ثناؤه، فجاءت الآيات الكريمة لإِثبات التوحيد، والنبوة، وصدق الرسالة، ودحض الشبهات المثارة من قبل أهل الكتابين حول القرآن ونبيه عليه الصلاة والسلام. وفي إطار ذلك تناولت السورة أمر "النصارى" بوصفهم النوع الثاني من أهل الكتاب بعد اليهود، فهذا الصنف هو من غالى في شأن المسيح وزعم ألوهيته وكذّب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأنكر الوحي، وقد ناهز الحديث عن التاريخ الدياني لهؤلاء وما كان من اختلاف مواقفهم تجاه عيسى عليه السلام تسعين آية من السورة، احتوت ردودا شافية من زيغ الأوهام والشبهات العقدية التي كان النصارى يدندنون حولها، بحقائق ناصعة وأدلة قاطعة، لا مواربة فيها ولا امتراء، فبانت حقيقة عيسى وأمه عليهما السلام بالبراهين التاريخية والعقلية، واتضح بذلك أن مريم ليست إلا امرأة صالحة عفيفة عابدة لربها مطيعة، ولدت من أبوين صالحين، وقد نشأت وترعرعت في كنف بيت المقدس، وتبين أن عيسى عليه السلام لم يكن إلا عبداً صالحاً ورسولاً عظيماً خلقه الله تعالى كما خلق آدم، وقد تضمن هذا الرد الحاسم بعض الإِشارات والتقريعات لليهود، وفي طيات ذلك جاء التحذير جلياً للمسلمين من كيد ودسائس أهل الكتابين.

 أما الركن الثاني فيتجلى في رزمة التشريعات الفقهية المتناثرة في ثنايا السورة، خاصة المتعلقة بالولاء والبراء ومكانة الأمة وأحكام الغزو والجهاد في سبيل الله، والحج وأمور الربا وحكم مانعي الزكاة، كما بينت من التفصيل أمر القتال وإعداد العدد، لنشر دعوة الإسلام وحفظ المجتمع من الفتنة والإضلال، وقد جسدت السورة ذلك من خلال الحديث عن غزوتيّ بدر وأُحد، وأوضحت الدروس التي لابد للمؤمنين من استخلاصها بروح عملية من أحداث تينك الغزوتين، لقد انتصروا في بدر حين جعلوا نيل مرضاة الله جل وعلا كل همهم والتفوا حول الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن هدفهم الأول  إحراز المكاسب الدنيوية،  وابتلوا في أُحد بسبب ميل بعضهم إلى جمع الغنائم وعصيانهم لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم تنته عقوبة ذلك في ساحة المعركة رغم توبة الله تعالى عليهم، بل تجاوزته إلى عقوبات نفسية تمثل بعضها في ما كان الكفار والمنافقون يسمعونهم إياه من كلمات الشماتة والتوبيخ، فأرشدهم الله تعالى إِلى ما أراده جل شأنه من تجريد نفوس المؤمنين من أدران الصعر إلى الدنيا، وتطهير صفوفهم  من ذوي القلوب المريضة، ليميز الله الخبيث من الطيب، وفي إطار ذلك التطهير تحدثت السورة الكريمة عن الموقف المخزي للمنافقين أثناء القتال، والحرب النفسية التي مارسوها في تثبيطهم لهمم المؤمنين وما كان من تخذيلهم لهم عن مجالدة المشركين؛ لتخلص إلى مكانة الجهاد ومنزلة المجاهدين، ثم ذكرت طرفا من خبث اليهود، وجانبا من دولة الحياة، حتى لا يصاب المسلمون بأي نوع من الإحباط لما يروه من تقلب الذين كفروا في البلاد، وحتى لا يغتروا بما عندهم من القوة الزائفة الزائلة، ثم قدمت السورة نمطا للآثار الإيمانية التي يتركها التفكر في ملكوت السماوات والأرض وما اكتنفتاه من إِتقانٍ وإِبداع، وما يتراءى للمتدبر فيهما من عجائب وأسرار تكفي دلالة وبرهانا على وجودِ خالقهما الحكيم الخبير، وبما أن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام فإن السورة تختتم بجانب من قيمته  مصحوبا بطرف من عظيم منزلة المجاهدين، لتضع إطارا لتحصيل الخير، وإحراز النصر، وتحقيق الفلاح وسلك محجة النجاح {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا الله لعلكم تفلحون}، هكذا بدأت السورة الكريمة بعقيدة التوحيد وبراهين الألوهية ودلائل النبوة وختمت بها لرفع الأفئدة والنفوس عن الاشتغال بالخلق إلى الارتباط بالخالق سبحانه.


 

 


[1] ) انظر: الإتقان في علوم القرآن (1\54)، ط: المكتبة الثقافية بيروت-لبنان

[2] ) كما جاء في صحيح مسلم\كتاب صلاة المسافرين وقصرها\باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة\ح (804)، عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران...."، وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير: "وذكر الآلوسي أنها تسمى: الأمان، والكنز، والمجادلة، وسورة الاستغفار. ولم أره لغيره، ولعله اقتبس ذلك من أوصاف وصفت بها هذه السورة مما ساقه القرطبي، في المسألة الثالثة والرابعة، من تفسير أول السورة".

[3] ) بصائر ذوي التمييز في لطائف كتاب الله العزيز ص: 107، وقد ذكر ابن عاشور في التحرير والتنوير (3\5) ما يعد خرقا لذلك الإجماع ؛ حيث قال إن عدد آياتها عند أهل الشام مائة وتسع وتسعون آية. وكان السيوطي في الدر المنثور(2\141) قدسبقه إلى ذلك.

[4] ) إلا ما نقله البقاعي في مصاعد النظر(2\64) من قول النسفي: "مكية في قول " عكرمة" و" الحسن البصريّ " مدنية في قول عامة أهل التفسير، وقال " الجعبري" في شرح الشاطبية : مدنية إلا خمس آيات فمكية "

[5] ) على خلاف في تقديمها أو تأخيرها عن سورة الأنفال، انظر: التحرير والتنوير (3\5)

[6] ) مسلم\كتاب الصلاة\باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة\ح (804)

[7] ) مسلم نفس الكتاب والباب، ح (805)

[8] ) الإمام أحمد\مسند أنس رضي الله عنه\ح (12236)، وقال عنه شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: "إسناده صحيح على شرط الشيخين"

[9] ) أخرجه أبو داود\باب الدعاء\ح (1498)، والترمذي(3478)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجة(3855)، وقد حسنه الألباني في تعليقه على السنن، وكذلك حسين أسد في تعليقه على سنن الدارمي(3389)

[10] ) أخرجه الإمام أحمد في المسند(24575)، وقال عنه شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: "إسناده حسن"

[11] ) أخرجه الإمام أحمد في المسند(17023)، وقال عنه شعيب الأرنؤوط في تعليقه عليه: "إسناده حسن"، وأخرجه البيهقي في الشعب(2415)، وكذلك في سننه الصغرى(978)، والطبراني في معجمه الكبير(186)، وغيرهم...

[12] ) مسلم\كتاب الصلاة\باب استحباب ركعتي سنة الفجر، والحث عليهما، وتخفيفهما والمحافظة عليهما، وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما\ح (727)

[13] ) أبو داود(2118)، والترمذي(1105) وصححه، والنسائي(1404)، وابن ماجة(1892)، وصححه الألباني في تعليقه على السنن، وكذلك الأرنؤوط في تعليقه على المسند(2735)....

[14] ) البخاري\كتاب التفسير\باب: "الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض"[آل عمران:190]\ح (4570)، ومسلم\كتاب الصلاة\باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه\ح (763)

[15] ) أخرجه ابن حبان في صحيحه (620)، وقال الأرنؤوط في تحقيقه له: "إسناده صحيح على شرط مسلم".

[16] ) مجموعة الفتاوى (14\108)

[17] ) انظر: صحيح البخاري\كتاب المغازي\باب: "إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون"|ح(4060-4061)، ومسلم\كتاب فضائل الصحابة\باب من فضائل طلحة والزبير\ح(2414)

[18] ) البخاري\كتاب المغازي\باب "ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون"،  ومسلم\كتاب الجهاد والسير\باب غزوة أحد\ح(1791)

[19] ) انظر الرحيق المختوم ص:243