الضيف: دينيس لاكورن، أستاذ زائر في جامعة ستانفورد

المحاور: كوري غولدمان، قسم العلوم الإنسانية في جامعة ستانفورد

في مقابلة أجرها كوري غولدمان من قسم العلوم الإنسانية في جامعة ستانفورد مع دينيس لاكورن،أستاذ زائر في جامعة ستانفورد، حول الاختلاف بين النهج الفرنسي والأمريكي في طريقة تطبيق العلمانية، أكد الأخير أن العلمانية الفرنسية تركز على إقصاء المهاجرين من منطقة شمال إفريقيا وتحاول فرض قوانين للتضييق عليهم مثل قوانين منع ارتداء "البرقع" في الأماكن العامة.

وتساءل غولدمان أثناء حديثه مع ضيفه، قائلا:"تمنع القوانين الفرنسية ارتداء الرموز الدينية مثل البرقع والطاقية اليهودية في المؤسسات التي تديرها الدولة كالمدارس العامة. يبدو هذا وكأنه علاج العلمانية حقاً للفصل بين الكنيسة والدولة، إلا أنه سيكون من الصعب أن نتخيل قانوناً مماثلاً في الولايات المتحدة. لأي شيء تنسب أنت الاختلاف في تفسير العلمانية؟".

يجيب لاكورن بأنه ليس هناك شيء عالمي، فلم يتسامح جون لوك مع الكنيسة الكاثوليكية أو الملحدين؛ وكذلك المحكمة العليا في الولايات المتحدة في قرار رينولدز الشهير لم تتسامح مع تعدد الزوجات على النحو الذي مارسه المورمون( طائفة نصرانية)؛ ولا تزال المحاكم الاتحادية تحظر أحد المعالم الدينية في الفضاء العام وهو مشهد المهد، وعرض الوصايا العشر، والصليب اللاتيني الكبير.

ويضيف لاكورن قائلا:" تركز فرنسا على الممارسات الدينية للمهاجرين الجدد الذين تصفهم بأنهم "خطرين"، ومتلاعب بهم من قبل قادة " الأصولية"، وتعتبرهم تهديدا لحريتها المثالية، ومن أبرز تبعات قرارات محاربة الرموز الدينية، قرار خاص بحظر الحجاب الإسلامي، والنقاب في الأماكن العامة والمدارس".

بدوره يقول غولدمان موجها حديثه لــ"لاكورن"، "في ظل وجود صراعات مبادئ خلف المعارك الاجتماعية والسياسية بين النخب العلمانية والزعماء المتدينين: هل الحرية الدينية متوافقة تماماً مع مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة ؟ وهل البحث عن تصور مشترك للمجتمع الجيد متوافقة مع المعتقدات الدينية؟، وهل يمكن أن يكون التسامح بلا حدود كما تصور بيير بايل في القرن 17 ؟".

يوضح لاكورن قائلا: إن الدساتير الأمريكية والفرنسية تفسر طبيعة الفصل بين الكنيسة والدولة" العلمانية"، إلا أن كل دولة وكل أمة تطبق أيديولوجية مختلفة خاصة بها"، مشيرا إلى أن العلمانية في فرنسا هي: حياد الدولة، ورفض الكنيسة، واحترام حرية الضمير وجميع الأديان الموجودة، وهذا يشير إلى عدم وجود فوارق بين المجتمعين. ولكن حدود التسامح ليست متشابهة. على سبيل المثال، نحن لا نحظر الرموز الدينية في الأماكن العامة، وننظم بعض الممارسات الدينية.

وفي فرنسا على سبيل المثال لا تحظر القوانين والمحاكم الفرنسية ارتداء الحجاب الإسلامي في المدارس العامة وحجاب الوجه في الأماكن العامة. لكن هذه القوانين لا تنفذ دائما، وتعتبر مثيرة للجدل وتثير سؤال حول وجود نموذج "عدواني" للعلمانية يختلف عن النموذج الموجود في الولايات المتحدة.

يعاود في هذا الحوار غولدمان طرح سؤال آخر مهم حول أسباب الخلاف الفرنسي الأمريكي في ظل توافق كبير بين "القيم المسيحية" من جهة و"القيم الفرنسية والأمريكية" من جهة أخرى، قائلا: إذا كان الأمر كذلك، لماذا يختلفان؟

ويجيب لاكورن قائلا: يبدو أن هناك تشابها واضحاً بين المجتمعين، حيث يساوي الكاثوليك المحافظين في فرنسا القيم المسيحية مع "القيم الفرنسية"، وقبل كل شيء يشددون على أهمية القيم الأسرية التقليدية. وفي هذا الإطار تبلورت معارضتهم الشديدة لمشروع القانون الجديد الذي يجيز "زواج المثليين" بغض النظر عن الميول الجنسية. وفي يناير من هذا العام، تظاهر ما يقرب من 600 ألف من الكاثوليك المحافظين في الشارع ضد قانون الحكومة الفرنسية.

ويتابع حديثه قائلا :على صعيد آخر، هناك في فرنسا حزب اليمين العلماني (الجبهة الوطنية) الذي يرأسه حالياً مارين لوبان. وهو بديل عن اليمين المتطرف في فرنسا، ولا يعير للدين اهتماما، وعلى العكس يهتم بالعلمانية والدفاع عن الهوية الوطنية الفرنسية ويدافع عن العلمانية القوية كأداة لمحاربة الهجرة، وبوجه الخصوص الهجرة من دول شمال أفريقيا. أما الظاهرة الجديدة فهي دفاع اليمين عن العلمانية، وهو مصدر رئيسي لإحراج اليسار الفرنسي، الذي رأى نفسه كأفضل مدافع عن التقاليد الفرنسية العلمانية.

وفي سياق حديثهما يحاول كوري غولدمان التعرف على المواقف الفرنسية الداخلية تجاه الأمريكيين منذ تولي الرئيس الأمريكي باراك أوباما رئاسة البلاد، وهل أثر الأخير في تغيير الصورة النمطية عن الأمريكيين هناك، فيجيب لاكورن قائلا:" إن الرئيس أوباما الأكثر شعبية في فرنسا، ما يقرب من 80% من الفرنسيين سيصوتون له إذا أتيحت لهم الفرصة! ولا يمثل حقا الواقع الفرنسي الجديد أيا من النخب التقليدية، أو البيض، أو الكاثوليك أو العلمانية أو مجتمع المهاجرين، حيث تختفي الديانات التقليدية بسرعة؛ ويسود مجتمع تعددي عرقياً ودينياً، ويمكن لمجتمع مثل هذا أن يجد صلات قوية مع رئيس الولايات المتحدة الأسود أكثر من الصلات التي يجدها مع الرؤساء الفرنسيين البيض.

ويضيف إن المجتمع الفرنسي لا يعتبر واعياً حول العرق كنظيره المجتمع الأمريكي، ويجب أن نذكر أن باراك أوباما نفسه "أميركي أفريقي"، وهي الفئة التي اختارته في الانتخابات. وبالنسبة للفرنسيين، الذين يمنعون استخدام الفئات العرقية في الانتخابات أو التعداد، يعتبر أوباما ببساطة فرد متعدد الأعراق، كالعديد من الفرنسيين الشباب. إنه بالنسبة لهم "واحدا منهم".

وفي نهاية الحوار الذي نشره موقع"سينس بو" يقول غولدمان لضيفه الزائر في جامعة ستانفرد، يحب نقاد الأخبار أن يقارنوا بين المواقف الفرنسية والأمريكية تجاه التسامح الديني. هل هناك وجهة نظر مهمة تتجاهلها وسائل الإعلام عادة؟

يجيب لاكورن قائلا: إن وسائل الإعلام الفرنسية والأوروبية تميل إلى التركيز على الاستثناء الأميركي أي ما يجعل أمريكا مختلفةً حقاً عن المجتمعات الأوروبية. وهناك انطباع سطحي أن "كل شيء ديني" في الولايات المتحدة. كما لو أن مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة لم يكن موجوداً. وعندما تعهد أوباما بالولاء للدستور–وهو حدثٌ علمانيٌ- وضع يده اليسرى على الكتاب المقدس، مثل معظم أسلافه. ولنكون أكثر دقة قال إنه وضع يده على اثنين من الأناجيل: إنجيل لنكولن وإنجيل مارتن لوثر كينغ. وهذا ما يجعل العناوين الرئيسية في الصحف الأوربية، تقول بأن الولايات المتحدة هي ليست في الحقيقة جمهورية، وأن الدستور الفدرالي هو حرفيا "دستور ملحد" كما يزعم المؤرخ إسحاق كارمنك.

المصدر: