ضمن التقرير الإستراتيجي الخامس/عصام زيدان

بدأت الأجندة الغربية تضع الوجود الإسلامي في إفريقيا على قمة أولوياتها، وراحت ترسم للقارة السمراء مصيراً يهدف إلى عزل الوجود العربي والإسلامي شمال القارة وجنوبها. وما نشهده يحدث في إفريقيا في هذه الأيام ما هو إلا امتداد لرؤية غربية ضاربة بجذورها في عمق التاريخ الاستعماري الأوروبي للقارة.

ويجب أن نفهم أن أبرز أهداف الاستهداف الغربي لأفريقيا، قطع الطريق أمام الحضارة العربية والإسلامية، وحرمانها من أي موطئ قدم في القارة السمراء، وكذلك جعل القارة بحيرة مسيحية تنفر من الوجود الإسلامي وتسيطر على الموارد الأفريقية الهائلة التي تعتبر مورداً مهماً للكثير من الدول الغربية.

ما جاء سلفا هو مقدمة لدراسة أعدها الباحث السياسي عصام زيدان حول " الإستراتيجية الغربية لاحتواء الوجود العربي في إفريقيا جنوب الصحراء"، ويحاول الباحث التطرق إلى الوسائل التي اتبعها الغرب لتنفيذ مخططاته لتحويل إفريقيا إلى بحيرة مسيحية، بالإضافة استعراض أهداف الغرب من المخطط المذكور ودور الكيان الصهيوني في دعم وتنفيذ المخطط الغربي لأفريقيا.

يرجع ابن خلدون الجذور التاريخية لدخول العرب إلى إفريقيا لعهد ما قبل الإسلام، أما دخول الإسلام في إفريقيا، فقد كان في السنة الخامسة للبعثة، وكان عددهم اثني عشر رجلا وأربع نسوة على رأسهم عثمان بن عفان، رضي الله عنه. وبعد تلك الفترة زحف الإسلام إلى أن وصل إلى عمق إفريقيا، حيث جرى القول في منتصف القرن العشرين أن من بين كل ثلاثة أفارقة اثنين مسلمين.

العمق التاريخي للمخطط الغربي، وخير شاهد على ذلك أقوال بازيل دافدسون في كتابه"عودة الحضارة الإفريقية"، :" إن الفهم السائد في أوروبا حتى القرن التاسع عشر هو أن إفريقيا جنوب الصحراء جغرافيا بلا تاريخ، وأنها ما دخلت التاريخ إلا بعد الغزو الأوروبي. كان هذا فهما أيدلوجيا برروا به الغزو الاستعماري، وسياسات التمكين لمصالحهم وثقافاتهم على حساب التراث الإفريقي، لاسيما الروابط الدينية والثقافة الاقتصادية بين شعوب إفريقيا شمال وجنوب الصحراء". وبعد أن قامت الدول الاستعمارية عام (1884-1885) بتقسيم إفريقيا فيما بينها، عملت على فتح المجال للجماعات التنصيرية لمواجهة الوجود الإسلامي هناك، كما سعت إلى زرع النزعة الإثنية عن الشعوب الإفريقية.

ملامح المخطط الغربي في سياقه المعاصر:

· السودان

لأهمية السودان وكبر مساحتها ودورها الثقافي في أن تكون همزة وصل بين الحضارة العربية والعمق الإفريقي، جرى التركيز عليها في المخطط الغربي باعتبارها نقطة انطلاق للمشروع الغربي، وتمثل ذلك جليا من خلال دعمه لعملية الانفصال بين شمال السودان وجنوبه ودعم الحكومة المسيحية في الجنوب، لتكون درعا حاميا من تمدد الحضارة الإسلامية إلى إفريقيا، وكذلك سلخ دارفور ومحاولة إلحاقها في الجنوب لتسييج الجزء الشمالي وقطع امتداده الإفريقي غربا كما قطع جنوبا.

· تشاد

ظهرت النزعة الإثنية في تشاد على مستوى شعبي ومؤسسي كحصاد لغرس استعماري سابق، يجد الدعم والتأييد حتى الآن.فقد دشنت تشاد الاضطهاد ضد العرب حينما قام الرئيس المسيحي السابق فرانسوا تومبالباي عام 1973م بحملة لأفرقة تشاد، ومورست عنصرية ضد العرب دفعت الآلاف منهم إلى مغادرة البلاد، وبقت تلك السياسة حتى اللحظة في عهد الرئيس إدريس دبي بالتعاون مع مليشيات حليفة للحكومة.

· النيجر

تعرض العرب الطوارق إلى الاضطهاد، نتيجة النزعة الإثنية التي زرعها الاستعمار، ووصل هذا الأمر إلى ذروته حينما ادعت الحكومة أن العرب في الشمال يسعون للانفصال. واستهدفت الحكومة كذلك بعمليات طرد عرب المحاميد، حيث أعلنت في 25 أكتوبر 2006 عن طرد 150 ألفا منهم.

· مالي

تعرض العرب في إقليم "أزواد" لاضطهاد مستمر من قبل الحكومة التي يسيطر عليها الزنوج، مما اضطر العرب للقيام بثورة عارمة عام 1990م، وقوبلت الثورة بقمع شديد وحرمان العرب من الحصول على الوظائف العامة، ومعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية وكذلك تصفية رموز الإسلام في البلاد.

وسائل تنفيذ المخطط الغربي بحسب الباحث:

1. التنظير لصراع حضاري وإشعال الهوية الإفريقية في مواجهة عربية.

2. استخدام قادة جدد من أمثال جون غارنق وموسيفيني الذين يميلون إلى الإفريقية على حساب العربية.

3. بناء ثقافة متكاملة معادية للعرب، والترويج لأكاذيب وخدع مثل قضية متاجرة العرب بالرقيق.

4. استخدام سياسة اللاستقرار البناء للإبقاء على حالة التوتر في البلاد، أو ما يعرف بالفوضى الخلاقة وفق المصطلح الأمريكي.

5. الوجود العسكري المباشر من خلال مدرعات ومواقع عسكرية.

6. التواصل مع مسلمي أفريقيا الوسطى.

أهداف المخطط الغربي:

أهداف سياسية وحضارية وتتضمن قطع الطريق على الحضارة العربية والإسلامية لتجد لها مستقرا في العمق الإفريقي، وتصفية ما تبقى من هذا الوجود في إفريقيا جنوب الصحراء. كما يهدف المخطط إلى تمكين المستعمر الغربي من الاحتفاظ بأكبر احتياطي من الموارد الطبيعية والبترول حول العالم، بالإضافة إلى موارد مثل الذهب واليورانيوم والغاز الطبيعي، كما حاول المستعمر الغربي الذي دائما يظهر بمظهر العلماني تعزيز الوجود الديني من خلال الجماعات التنصيرية المنتشرة بكثافة في إفريقيا، والتي لطالما اعتبرت أن الإسلام هو العائق الأساسي أمام تمددها في إفريقيا.

وبالإضافة على الأهداف السابقة، فإن أبرز الأهداف الغربية لمخطط احتواء إفريقيا، الهدف العسكري، فالولايات المتحدة تنظر إلى إفريقيا على أنها ظهير إستراتيجي في حال وقعت حرب عالمية جديدة وقد نشرت مجلة "آسيا تايمز أون لاين" في عام 2003 حواراً مع المحلل الأمني الأمريكي "مايكل كلير" مؤلف كتاب "حروب مصادر الثروة"، قال فيه إن إفريقيا ستكون الهدف القادم للولايات المتحدة، وستكون مسرحا خلفيا للحروب بين القوى المتصارعة.

وأخيراً: سلطت الدراسة الضوء على الدور الصهيوني في السيطرة على القارة السمراء، واستخدامها كورقة ضغط على العالم العربي من خلال إيجاد موطئ قدم لها على منابع النيل ودعم الحركات المتمردة في جنوب السودان وإقامة اتفاقيات سرية مع حكومات إفريقية مثل موريتانيا ونيجيريا وغيرها وإنشاء مشاريع زراعية وعسكرية في سبيل تعزيز نفوذها الموجود في إفريقيا.

ويخلص الباحث إلى أهمية إيجاد آلية عربية مضادة توقف المخطط الغربي في إفريقيا، وتحافظ على الوجود العربي والإسلامي وتدعم بقاءه للحفاظ على مصالح العالم العربي وعلاقاته في أفريقيا.