بعد إعلان سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991م، وانتهاء الحرب الباردة بنتيجة حسمت لصالح الغرب الأمريكي، اتجهت واشنطن متزعمة العالم الأوروبي في حرب كبرى على العراق وأفغانستان زاعمة أنها تحارب " الإرهاب"، وهي في الحقيقة تريد تدمير الخطر الباقي عليها والمتمثل في العالم الإسلامي، وفي ظل هذا الانشغال الغربي استثمرت روسيا الوقت لتخرج بقيادة سياسية جديدة استغلت ارتفاع أسعار الطاقة وبدأت تبحث عن نفوذ في المحافل الدولية لتنتقم من الهزيمة السابقة التي تسببت بنهاية الإمبراطورية الروسية.

وفي ظل هذه الأزمة يحاول الباحث الدكتور باسم خفاجي في كتابه "روسيا ومواجهة الغرب"، أن يظهر تبعات الصراع الأمريكي الروسي على العالم الإسلامي والمسلمين في القوقاز، لا سيما أن روسيا اليوم تتمتع بقيادة شابة جديدة تميل إلى استعادة الدور السوفيتي السابق، وتأثيره في العالم العربي والإسلامي.

ويقول الباحث في الشأن الروسي سمير السعداوي، نشأت خلية عمل من مفكرين وخبراء من الطائفة الأرثوذكسية المحافظة، لوضع خطة إنقاذ تطورت لاحقا لما يعرف بــ"عقيدة سيرجيوس" نسبة إلى قديس يعتبره الروس حاميا لهم في الأزمات. وهذه العقيدة الجديدة القائمة على استعادة موقع روسيا في العالم والتي تستند إلى مشاعر دينية وقومية "ارثوذكوسية" هي بحسب محللين المنطلق الأيديولوجي لفريق الشباب الحاكم في موسكو هذه الأيام.

بعد أن أنهكت روسيا التي تعتبر المصدر الأول للغاز وتمتلك احتياطي نقدي يصل إلى 300 بليون دولار، الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بدأت في القرن الجديد تستعيد بريق أسلحتها ومكانتها في العالم. وفي مايو2008 اقتحم الجيش الروسي جورجيا في ضربة موجعة للهيمنة الأمريكية، اعتبرت من قبل المحللين بداية حرب باردة جديدة بين واشنطن وروسيا، وتعقيبا على ذلك يقول الباحث الروسي أنطوان أوريخ" إن ما حدث في حرب القوقاز الأخيرة، إنما يمثل فرصة ذهبية لروسيا للانتقام من الغرب، وإعادة اعتبارها في الساحة الدولية، ردا على الإهانات التي تلقتها في عقر دارها(...) جراء تمادي حلف الناتو الغربي وتطاوله على حرمة بيتها". لم يقف الغرب متفرجا على أفعال روسيا بل دعم ثورات انقلابية على النفوذ الروسي في أوكرانيا وجورجيا، حتى أعلنت روسيا عن عدم حاجتها للعلاقات مع حلف الناتو.

عندما سئل الخبير الأمريكي زيبنغو بريجنسكي، وهو أحد مستشاري الأمن القومي لدى الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر عما إذا كان نادما على دوره في حقبة انهيار الاتحاد السوفيتي، فأجاب قائلا:"أندم على ماذا؟ ففي اليوم الذي اجتاح فيه الجيش الروسي أفغانستان أبرقت إلى الرئيس كارتر، قائلا:الآن لدينا فرصة إهداء الاتحاد السوفيتي "فيتنامه الخاص".

إن أهم أسباب تصاعد الأزمة الجورجية بين روسيا والولايات المتحدة كانت عام 2002 عندما سمحت جورجيا لواشنطن بإرسال وحدات من الجيش الأمريكي إلى أراضيها تحت ذريعة تعقب عناصر "القاعدة" في جبال القوقاز، وفي ابريل عام 2008 خلال افتتاح قمة حلف الناتو في بوخارست، تصاعدت الأزمة بعد طلب الرئيس الأمريكي جورج بوش ضم جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف، الأمر الذي اعتبرته روسيا تهديدا لأمنها القومي، وفي حينها رد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على تصريحات الرئيس الأمريكي بالقول:"إن روسيا لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء توسع حلف الناتو".

تعود أصول الصراع بين روسيا وجورجيا إلى ما قبل أزمة عام 2008، فبعض المصادر تقول أن اوستيا وأبخازيا هي في الأصل أقاليم روسية ضمها ستالين إلى الاتحاد السوفيتي، بالإضافة إلى أن روسيا اتهمت جورجيا في العقد الأخير من القرن الماضي بتقديم دعم للجماعات الشيشانية التي تتمركز في جورجيا الشرقية لإضعاف روسيا. عقب ذلك حدثت سلسلة من الأحداث عمقت الأزمة بين الطرفين من ضمنها اعتقال جورجيا في عام 2006 لأربعة روس بتهمة التجسس لصالح روسيا، مما أدى إلى قيام روسيا بفرض عقوبات على جورجيا. وفي مارس 2007 قامت طائرات مروحية روسية بقصف قرى في أبخازيا، وفي حينها اتهم الرئيس الجورجي الروس بتعمد افتعال هذه الاعتداءات، وطالب أوروبا بإدانتها.

وللعلم فإن أبخازيا هي منطقة متنازع عليها تقع على الساحل الشرقي للبحر الأسود. أعلنت استقلالها عن جورجيا عام 1991 مما تبعه الصراع الجورجي الأبخازي. تحكم من قبل جمهورية أبخازيا وهي جمهورية مستقلة عن جورجيا واقعياً، إلا أنها لا تحظى باعتراف دولي سوى من روسيا وحلفائها، وفي عام 1993 أجبرت الجيوش الجورجية على الانسحاب من المنطقة بعد حرب دامت لمدة عام مع الثوار الانفصاليين.

لم تكن الصين بعيدة عن الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وروسيا على الأراضي الجورجية، لكنها دائما كانت تراقب عن كتب ما يجري، وبالمثل كانت روسيا مهتمة بردة الفعل الصينية التي جاءت عقب اجتماع "معاهدة شانغهاي" ، وأكدتها المتحدثة باسم الخارجية الصينية جيانغ يوي في بيان دوري قالت فيه"إذا اشتركت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في هذه القضية، ستمثل جهودهم إجماع الأطراف المعنية، وستساعد في التوصل لحل سلمي للقضية".

وبالرغم من تحفظها، إلا أن الصين لم تعارض الموقف الروسي بشكل علني، وذلك لأنه يتماشى بصورة أو بأخرى مع طموحاتها التي تتمثل بإشغال القوة الأمريكية التي استهدفت المد الاقتصادي الصيني خلال العقود السابقة من خلال إغلاق المئات من المصانع الصينية تحت ذريعة رداءة صناعاتها وتشويه صورتها في الإعلام الغربي.

ومن أهم العقد التي ظهرت في الأزمة بين الفكر الوطني القومي الروسي والفكر الليبرالي الغربي الأمريكي أن أوروبا ستكون ضحية في تصاعد الصراع بين الطرفين إذ تعتمد أوروبا على روسيا في تزويدها بــ25 % من حاجاتها النفطية التي تأتيها من خلال أنابيب تمر عبر الأرضي الروسية، وفي الفترة الأخيرة ألقى الإتحاد الأوروبي بثقله على مشروع خط أنابيب "نابوكو" الذي سينقل الغاز من بحر قزوين إلى تركيا ومنها إلى غرب أوروبا.

إن أهم أبرز الأسباب الغير ظاهرة للعلن في الأزمة الجورجية بين الغرب وروسيا، ليس فقط معركة النفوذ في العالم، وإنما هناك معركة الثروة والاقتصاد حيث تتجه روسيا بأنظارها إلى الجمهوريات الإسلامية التي خرجت منها خلال فترة الحكم السوفيتي، إذ أنه من المعلوم أن بحر قزوين يحتوي في حوضه على أكثر من 50 مليار برميل من النفط، بالإضافة إلى ثروة من الغاز الطبيعي قد تصل إلى 250 مليار قدم مكعب بحسب تقديرات غربية. وفي تصريح سابق لنائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني أثناء إدارته لشركة هاليبرتون النفطية في تسعينيات القرن الماضي قال " ليس هناك منطقة أصبحت فجأة مهمة في عصرنا كما هو الحال في منطقة بحر قزوين".

ويجب الإشارة هنا، إلى أن توقف الحرب في أفغانستان وباكستان ليس من مصلحة روسيا، لعدة أسباب أهمها، أن الاستقرار يعيد طرح مشروع أمريكي لمد أنابيب بديلة، وكذلك فإن الاستقرار يقلل من حاجة روسيا إلى أوروبا مع وجود خط الأنابيب الشمالي، بالإضافة إلى أن ذلك سيمكن أمريكا من إعلان انتصارها في الحرب على " الإرهاب"، الأمر الذي يخالف رغبات روسيا التي تريد أن تستنزف هذه الحرب واشنطن.

الدين والقومية

في الصراع الدائر بين روسيا والولايات المتحدة في منطقة البلقان لا يجب أن يغيب عن أذهاننا البعد الديني والقومي لهذا الصراع، فتلك المنطقة التي حكمها الإتحاد السوفيتي لعقود، حاول جاهدا أن يزرع فيها تجمعات روسية خالصة وكذلك دعم الكرملين برامج ثقافية وتعليمية واسعة في تلك المناطق لكي تبقى مرتبطة بالثقافة القومية الروسية، وعلى سبيل المثال فإن 17 % من سكان أوكرانيا هم من أصول روسية، وكذلك 26.1 % من مواطني كازخستان من أصول روسية أيضا، ومن جانب آخر فإن البعد الديني له دور كبير في أهمية الصراع في تلك المنطقة بغض النظر عن أهمية وتأثير الصراع الاقتصادي والعسكري فيها، فروسيا تعتبر نفسها حامية للكنيسة الشرقية "الأرثوذوكسية" التي ينتمي إليها غالبية مسيحيي أوروبا الشرقية والبلقان، وأوروبا تعتبر نفسها حامية للكنيسة الكاثوليكية، وقد رفض زعيم الكنيسة "الأرثوذوكسية" في عام 2003 استقبال البابا يوحنا بولوس الثاني في روسيا بسبب الفجوة بين الطرفين. وقبل انتشار الشيوعية في روسيا كانت الكنيسة "الأرثوذوكسية" تلعب دور الراعية للمسيحية في العالم، لكن مع وجود الشيوعية تم تحجيم دورها، لكنها استعادة دورها على الأقل في أوروبا الشرقية وأصبحت الخصم الأكبر للكنيسة الكاثوليكية بسبب البعثات التبشيرية الكاثوليكية المنتشرة في تلك المناطق. ولا ننسى في بداية تسعينيات القرن الماضي المجازر الجماعية التي ارتكبتها القومية الصربية "الارثوذوكسية" بحق المسلمين الألبان والبوسنيين. ولا بد أن نشير إلى أنه من الخطر استبعاد الدين كعامل مؤثر ذات أهمية في الصراع بين الطرفين فالمجتمعات القوقازية تعتبر الدين جزء من قوميتها وخير ما يبرهن على ذلك ضعف تأثير الشيوعية والرأس مالية الغربية على تلك المجتمعات في ظل تمسك اجتماعي قوي بالارتباط الديني.

لم تكن الحكومة الصهيونية بعيدة عن حليفتها الولايات المتحدة في الأزمة الجورجية فقد دعمت جورجيا خلال العقد الماضي بعقود تسليح وصلت إلى 500 مليون دولار، فيما قامت روسيا خلال غاراتها على جورجيا عام 2008 بقصف قاعدة جوية تقوم شركة "إلبيت" الصهيونية بتطوير الطائرات الجورجية فيها، وفي ذلك كان رسالة واضحة للكيان الصهيوني من قبل الروس، مفادها بأننا نعلم ما تفعلون هناك.

تقول التحليلات إن التدخل الصهيوني في جورجيا ليس لأن بها 80 ألف يهودي فقط، ولكن الحكومة الصهيونية تريد إيصال رسالة إلى روسيا بأن الدعم الروسي لسوريا وإيران سيقابله دعم لجورجيا. ويعتبر بعض الساسة الصهاينة أن ذلك تخبط يبرهن عليه تخلي واشنطن عن حليفتها جورجيا خلال أزمتها. وبالإضافة إلى ما سبق فإن الحكومة الصهيونية تعول على أن تحصل على الغاز والنفط من الأنابيب التي يتم مدها في بحر قزوين بعيدا عن الروس والإيرانيين وصولا إلى تركيا ثم البحر المتوسط.

إن العالم الإسلامي ليس ببعيد عن الأزمة في ظل وجود 20 مليون مسلم يعيشون في روسيا، وينقسم هؤلاء إلى شيعة وسنة، وبالرغم من أن الشيعة لا يمثلون سوى 2% من نسمة المسلمين في روسيا إلا أن إيران تحاول دعمهم وتعزيز دورهم من خلال البعثات الدينية إلى مشهد وقم، وفي المقابل تنتشر المدارس الإسلامية التابعة لفتح الله غولن وأتباع سعيد النورسي في البلدان التي كانت تمثل جزء لا يتجزأ من الإتحاد السوفيتي قبل انهياره، وهي تمثل بوادر لنفوذ تركي في تلك المناطق. ويبرر الباحث الأمريكي دانييل باببيس الزيادة المطردة لأعداد المسلمين بالحديث عن زيادة في معدلات الإنجاب لدى المسلمين أكثر منه في الطوائف الدينية الأخرى، لكن الباحث الروسي فيكتور بيرفيدينسيتف يقول في لقاء مع إذاعة البي بي سي، إن هذه الأرقام وإن كانت صحيحة لا يمكن اعتبارها إلا جزء من حملة التهويل والتخويف من مخاطر المسلمين التي يقودها بعض السياسيين. وتكمن أهمية بلدان القوقاز الإسلامية لروسيا كونها تعتبر الحدود الدولية لجنوب روسيا مع جيرانها، بالإضافة إلى الكميات الضخمة للثروات الطبيعية الموجودة فيها.

ويمكن القول إن أزمة الشيشان التي عايشتها روسيا وكذلك أفغانستان أظهرت جليا أن المسلمين في بلاد القوقاز لديهم ارتباطات وإن كانت ضعيفة مع العالم الإسلامي، وإذا أرادت روسيا أن تبحث عن الحل لقضاياهم فهي معنية بتوثيق علاقاتها مع منظمة المؤتمر الإسلامي التي طالبت روسيا الحصول على عضوية مراقب فيها، والدول الإسلامية الكبرى مثل المملكة العربية السعودية. ويقول الباحث بايرام باليسي بالرغم من وجود الإسلام في جورجيا منذ مئات السنين إلا أن الكنيسة أوجدت نموذجا مناوئا للإسلام في السلطة، حيث اعتمد الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي علما وطنيا جديدا، مما يدل على التزام النظام السياسي بالقيم المسيحية، فالصلبان الخمسة على العلم تدل على أن الدولة تريد التواصل مع الماضي المسيحي". وتشير دراسات سابقة إلى أن عدد المسلمين في جورجيا عام 1989م بلغ 640 ألف نسمة. أي ما يعادل 12% من عدد السكان. في أزمة جورجيا قتل المئات من المسلمين إلا أن وسائل الإعلام الغربية لم تتحدث عن ذلك. يعاني المسلمين هناك من نقص المراكز الإسلامية والمدارس وكذلك من الوعي الديني بسبب عدم وجود أماكن تعليم شرعي. وفي تصريحات لوزير الدفاع الجورجي قبل عقد من الزمان قال للتلفزيون الجورجي:" إنه مستعد للتضحية ب100 ألف جندي جورجي لقتل 100 ألف مسلم أبخازي، وترك الأمة الأبخازية دون ذرية أوهوية".

وإذا كانت نظرة روسيا للأقلية المسلمة في بلاد القوقاز على أنها حلقة وصل يمكن الاستفادة منها في تعميق العلاقات مع العالم الإسلامي والعربي كجزء مهم في لعبة التحالفات الدولية، فإن التوقع بأن التأثير الروسي سيكون إيجابي ولصالح المسلمين والعرب فإن ذلك خطأ كبير لا سيما أن ما يحرك روسيا في الشرق الأوسط سببين، أولهما النفوذ الاقتصادي وخصوصا صفقات التسليح والثاني هو للتأثير على سياسات الولايات المتحدة الخارجية.

ويبين الدكتور باسم خفاجي في بابه الأخير من كتاب "روسيا ومواجهة الغرب"، أن الحرب الباردة جزء من الماضي ولا يمكن عودتها استنادا لما ورد من تحليلات صادرة عن مراكز غربية، لأن الحرب الباردة التي اشتعلت بين الكتلة الرأس مالية التي تقودها الولايات المتحدة والكتلة الشرقية الاشتراكية التي تقودها روسيا، كان لها مسببات أهمها التوسع الشيوعي في العالم على حساب الهيمنة الرأس مالية، أما اليوم فإن روسيا أصبحت دولة رأس مالية وانحصر الصراع في صراع على النفوذ والمصالح.

كما يضيف الكاتب أن المسلمين في القوقاز يمكن يكن لهم تأثير كبير على طبيعة الصراع بين الطرفين في حال تم دعمهم والتواصل معهم من خلال مراكز ومعاهد فكرية وثقافية إسلامية توطد العلاقات وتعيدهم إلى عمقهم الإسلامي. بالإضافة إلى تفعيل دور الجامعة العربية في هذا الملف. كما أن العالم اليوم أصبح متعدد الأقطاب وليس كسابق العهد لا يسيطر عليه سوى القوى الأمريكية والقوى الروسية، فالصين والهند أصبحتا جزء من المعادلة ويترقبان بصمت نتائج المعاركة السياسية بين الغرب وروسيا.

وبالرغم من توصية الكاتب بأهمية تعزيز العلاقات الثقافية مع روسيا لمحاولة التقرب منها ومحالفتها، إلا أن الموقف الروسي من بعض القضايا العربية مثل سوريا وليبيا والعراق، يظهر أن روسيا دائما تساند مصالحها ولا تساند حلفائها، وما أظهرته من دعم للنظام السوري كان جزء من سياساتها الدولية للضغط على الولايات المتحدة في المحافل الدولية وليس أكثر من ذلك.