التقرير الاستراتيجي الخامس

أصبح الإسلام في أوروبا جزءاً لا يتجزأ من واقعها، لذلك بدأت أصوات أوروبية تتعالى لحصر هذا الكيان الذي يتشكّل وتزداد قوته يوماً بعد يوم، لا سيما في ظل تأثيره المتسارع في النمط الثقافي والسياسي والاقتصادي لدول القارة الأوروبية. في دراسة موسعة يحاول الدكتور هيثم حداد، مدير المؤسسة الإسلامية للبحوث والتطوير في لندن، مناقشة تداعيات الانتشار المتسارع للإسلام في أوروبا والطرق التي تتّبعها الحكومات الغربية للتضييق على المسلمين، ويقول حداد: "إن أمام المسلمين في أوروبا عدة خيارات محددة، إما الاندماج في المنظومة الأوروبية، أو العيش في عزلة عن الواقع المحيط بهم".

وتقسم الدراسة وجهة النظر الأوروبية إزاء وجود المسلمين إلى قسمين، أحدهما استئصالي ولا يقبل بالوجود الإسلامي في أوروبا، والآخر يقبل بوجودهم والتعايش مع ثقافتهم رغم كرهه لهم.

وتتأرجح الإحصائيات حول العدد الحقيقي للمسلمين في بلدان الاتحاد الأوروبي، فبينما تشير التقديرات الرسمية إلى وجود ما بين 15 و20 مليون مسلم، تؤكد تقديرات غير رسمية أن عدد المسلمين يصل إلى 30 مليون مسلم، الأمر الذي يشير إلى أنهم الديانة الأكبر بعد النصرانية. وفي ظل توقعات تبيّن أن عدد المسلمين قد يتضاعف في عام 2025 بسبب الهجرة والمسلمين الجدد وارتفاع نسبة المواليد لديهم؛ فإن أوروبا تعيش فترة تحدٍّ كبير للحفاظ على قيمها العلمانية.

ورغم الاعتراف المتأخر بالإسلام في كل من إسبانيا وبلجيكا والنمسا، إلا أن تلك الدول لم تمنح المسلمين سوى حقوق محدودة تدعم وجودهم وتحافظ على ثقافتهم الدينية.

ورغم وجود أحزاب علمانية أوروبية تطالب بمساعدة المسلمين على الاندماج في المجتمعات الأوروبية، إلا أن الكثير من الأحزاب ذات الأصول اليمينية النصرانية ترفض هذا الأمر وتدعو لوقف هجرة المسلمين إلى أوروبا وفرض قوانين صارمة للتضييق عليهم، مثل قوانين الحجاب في فرنسا.

وتدعيماً لما جاءت به الدراسة يقول الدكتور حداد: "إن الغرب يرى أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يحمل ثقافة منافسة يمكن أن تتفوق يوماً ما على الحضارة الأوروبية".

ورغم وجود النظرة الاستئصالية التي تتبنّاها أحزاب سياسية محافظة تدعمها الكنيسة تجاه الوجود الإسلامي، إلا أن معد الدراسة يرى أن هناك عوامل تجعل المسلمين يحاولون امتصاص دعوات الاستئصال والتعاطي معها بروح هادئة، ومن هذه العوامل: التزايد المستمر والمتسارع لأعداد المسلمين وزيادة تأثيرهم في نمط الحياة الأوروبية، إضافة إلى القوة غير المسبوقة التي أظهرتها الأحزاب الإسلامية في بلدان العالم الإسلامي. وكذلك أدرك الأوروبيون أن محاولات الاستئصال السابقة للمسلمين كالتي حدثت في البوسنة والهرسك، باءت بالفشل رغم مقتل مئات الآلاف من المسلمين فيها.

وتوضح الدراسة أيضا أنه رغم سقف الحرية الواسع للإعلام في أوروبا، إلا أنه لا يجب أن نغفل أن من يسيطر عليه قوى صهيونية لا تملّ من التحريض باستمرار على المسلمين بصفتهم الخطر الحقيقي على أوروبا، إضافة إلى ذلك فإن النخب الإعلامية الأوروبية لا تجرؤ على الخروج عن مصالح دولها العليا، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى مثال واضح للنظرة الأوروبية تجاه المسلمين من خلال ما فعلته صحيفة "فرانس سوير" الفرنسية التي أعادت نشر الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وقالت إن ما فعلته هو من أجل إرسال رسالة واضحة للمسلمين بأنه لا مكان للعقائد الدينية في أوروبا النصرانية.

وتشير الدراسة إلى عدد من الأمثلة التي تدلل على سرعة انتشار الإسلام، منها: امتلاك المسلمين في ألمانيا 159 مسجداً، إضافة إلى سماح القوانين البريطانية للمنقبات بقيادة السيارة. ومع ذلك فإن الدراسة تحذر من ظاهرة الاندماج "الفكري"، حيث يلجأ بعض المسلمين إلى الاحتكام للقيم الغربية لإثبات صحة أو خطأ أحكام شرعية. ويضيف الدكتور حداد بأن المسلمين في أوروبا يسعون بشكل كبير للظهور بمظهر حسن على حساب مقررات وأحكام الشريعة، وهذا الأمر مرفوض، خصوصاً إذا تبنّاه بعض الأئمة والدعاة هناك. ويؤكد أن الخطاب الانهزامي الاستجدائي جعل المسلمين رهينة لثلاثة خيارات صعبة، وهي: الاندماج، أو الانعزال، أو خطر استعداء الغرب، حتى أصبح هناك من ينادي بالإسلام الأوروبي المنفتح.

وفي ختام الدراسة يؤكد الباحث أنه من المهم وضع رؤية استراتيجية واضحة للمسلمين في الغرب، مع وجود صيغة شرعية للتعايش بينهم وبين الدول التي يعيشون فيها. وتطالب الدراسة بوضع منهج فقهي يعالج قضية الاندماج بكافة جوانبها، وتأصيل حقيقة الولاء والبراء وتطبيقها من قبل المسلمين الذين يعيشون كأقليات في الدول الكافرة. ويوصي الباحث بالتركيز على الفكر الغربي دراسة ونقداً، وتأثير ذلك على واقع المسلمين في الغرب.