الباحثة الألمانية أنغليكا نويفرت، مختصة بالدراسات الإسلامية والعربية وتدير منذ عام 2007 مشروع الأبحاث (نصوص القرآن) في أكاديمية برلين براندنبورغ للعلوم، تحاول في كتابها المكون من 800 صفحة والذي جاء بعنوان "القرآن باعتباره نصًا من الحقبة المتأخرة من العصور القديمة"، العثور على مدخل أوروبي إلى القرآن الكريم، والبحث في علوم القرآن ودعوته إلى المعرفة والعلم.

تقول نويفرت: إن ادعاء افتقار الإسلام إلى التنوير ما هو إلا صورة نمطية أوروبية قديمة غير قابلة للصمود أمام الحقائق التاريخية، مشيرةً إلى الصفات القرآنية "الجمالية والتقدمية الثورية" وإلى أن صميم القرآن يدعو إلى العلم والمعرفة. وتعتبر أن افتخار الغربيين بعصر التنوير الأوروبي هوما يدفعهم باستمرار إلى اعتبار الثقافة الغربية متفوقة على الثقافة الإسلامية.

ومن وجهة نظر نويفرت فإن الباحث في القرآن الكريم من الناحية التاريخية، سيجد أن التقاليد نفسها التي كانت موجودة في أوروبا موجودة في شبه الجزيرة قبل أن تصل رسالة الإسلام. وتضيف قائلة:"هذا يعني أننا جميعًا لدينا سيناريو نشوء مشترك، الأمر الذي غدا مُلْتَبِسًا فقط من خلال تطورات تاريخية لاحقة".

وترى الباحثة الألمانية أنه بالرغم من حالة النكران التي كان يعيشها الناس في الغرب وكذلك في الشرق، إلا إنها جزء من تحديدات قديمة جدًا للغيريِّة لا تصمد أمام الحقائق التاريخية، إلا أنها قد تحددت على هذا النحو بسبب تبدل النفوذ أو تغيُّر موازين القوى في مراحل سابقة.

وفي كتابها ترد نويفرت على التنويريين الحداثيين بقولها:" الادعاء بأنَّ الإسلام يفتقر إلى التنوير ما هو إلا صيغة نمطية قديمة جدًا. إنَّ الفخر بالتنوير(في الغرب)، مع أنه اليوم قد خبا بعض الشيء، يدفع بشكل متكرر إلى نَسْب تقدم كبير للثقافة الغربية وأقل للإسلام".

وتضيف: على الرغم من عدم وجود حركة عَلمَنة شاملة في التاريخ الإسلامي، إلا أنَّ وجود الجانبين الروحي والدنيوي في الإسلام بعضهما إلى جانب بعض هو سبب ذلك. كما أنَّ اختلال موازين القوى السائد اليوم بين الشرق والغرب لم يكن دائمًا بهذه الجسامة على الإطلاق، إذ كانت حضارة العلوم الإسلامية لفترة طويلة جدًا متفوِّقة على نظيرتها الغربية أو عمومًا على نظيراتها غير الإسلامية، ولم يكن هذا بسبب تقدمها عن غيرها على صعيد الوسائط فقط.

وتقول أيضا:" صُنِع الورق في العالم الإسلامي منذ القرن الثامن على سبيل المثال. وهذا بدوره وفَّر إمكانيَّة نشر كمٍّ هائلٍ من النصوص، الأمر الذي لم يكُن في ذلك الوقت قائمًا في الغرب قَطّ. وبالتأكيد كان عدد النصوص العربية يفوق عدد المخطوطات التي كانت متداولة في الغرب بأكثر من مئة مرّة، حيث كان الغرب حتى القرن الخامس عشر يعتمد في الكتابة على الرِق الذي كان باهظ الثمن ويصعب الحصول عليه".

أما عن صورة المرأة والإنسان في القرآن، فتقول الباحثة الألمانية: لقد توجّه القرآن باعتباره إبلاغ إلى الذين كانوا يعتمدون معايير أخرى، وكانوا على استعداد لوضع هذه المعايير موضع الشك والتساؤل. يُقدم القرآن أطروحات حول معايير مختلفة. أما حيثية جمع الأحكام القانونية القليلة نسبيًا وتنظيمها وجعلها جزءًا من المعايير الإسلامية الأساسية، أي الشريعة، فتلك مسألة أخرى.

وتؤكد أيضا أن القرآن شكل في جزئية المرأة تقدمًا ثوريًا، حيث ساوى المرأة أمام الله بالرجل، الأمر الذي لم يكُن له نظير في ذلك الوقت.

فمحاسبة كلا الجنسين يوم القيامة مثلاً ستكون بالطريقة نفسها. ربما يبدو هذا الأمر من منظور يومنا الراهن عاديًا، ولكن الأمر لم يكُن كذلك آنذاك. كانت المساواة بين المرأة والرجل في ذلك الوقت غير واردة بتاتاً بعد – وكانت لا تزال هناك نقاشات حتى عما إذا كانت المرأة تملك روحًا أصلاً.

وتتابع حديثها قائلة: جرى الحكم على المرأة بشكل متضارب جدًا وكانت منزلتها الحقوقية في الكثير من المجتمعات سيئة للغاية قبل الإسلام. كما وضع القرآن المرأة في أمور دنيوية هامة على نفس المستوى مع الرجل، حيث تملك حقوقًا وتستطيع حتى أن تَرِث، أي أنها ليست بأية حال من الأحوال فاقدة الاستقلالية ولا الوصاية على نفسها.

وتضيف الباحثة الألمانية في حوار أجراه معها موقع" القنطرة"، قراءة القرآن وفهمه حصرًا باعتباره نوعًا من وسيلة للتوصل لمعلومات كما يفعل اليوم الكثير من الباحثين في القرآن لا يعطي مجمل الموضوع حقه.

يتّسم القرآن بالشِعرية إلى حدٍّ بعيد – تقصد لغة القرآن البليغة- ويحتوي على الكثير من الرسائل، التي لا يتم أبدًا إخبارها بوضوح وبشكل جليّ على المستوى الدلالي، بل من خلال بنى شِعرية. ولولا هذا لما كان للقرآن هذا التأثير المستدام. إنَّ الفريد في القرآن هو بالذات تعدد جوانبه، بحيث يتحدث على مستويات مختلفة – وهذا له من المنظور الجمالي جاذبية كبيرة بالطبع، ولكن أيضًا إنْ صحَّ التعبير له جاذبية كبيرة من الناحية البلاغية وقوة الإقناع.

كما ذكرت، ربما يمكن إيجاز مقولات القرآن في ملخص قصير جدًا في إحدى الصحف، لكن لو حصل ذلك لما كان له أي تأثير. يتعلق الأمر بالفعل بالافتتان باللغة. وهناك إشادة في القرآن باللغة بحد ذاتها أيضًا باعتبارها من أعظم الهِبات التي حصل عليها الإنسان من الله. هذا له بالطبع علاقة بالمعرفة. فاللغة وسيط المعرفة. لذلك لا ينبغي بحال من الأحوال التجني على الحضارة الإسلامية واتهامها بالعداء للمعرفة والعلوم.

وتؤكد أنغليكا نويفرت، خلال حديثها عن الانجيل والتوراة، ومقارنتهما بالقرآن، أنه لا بد من أنْ يكون القرآن قد أتى بجديد عندما يظهر في العالم بعد مئات السنين من ظهور "الانجيل والتوراة" التي أنزلت من قبله. وتضيف: إن الجديد كان في إصراره على أنَّ المعرفة جزءٌ عظيمُ الأهمية في الحياة الإنسانية وأيضًا في الحياة الإنسانية الدينية، بخلاف الكتب الدينية المسيحية واليهودية. وبالإضافة إلى المعرفة أيضا فإن القرآن أكد على تعميم الرسالة بصفتها كونية، وتوجيهها إلى كل الناس، بعكس ما لدى اليهود من نصوص تتمحور حول مفهوم الاختيار وشعب الله المختار، بل كان القرآن واضحا في أن كل إنسان مسؤول عن أعماله وسوف يحاسبه الله عليها.

وتنصح الباحثة الألمانية المتخصصة في علوم القرآن غير المسلمين الراغبين بالإطلاع على القرآن الاكتفاء في البداية بقراءة الجزء الأخير من القرآن باللغة العربية إنْ توفَّرت الإمكانية، وسماع تلاوة القرآن أثناء القراءة. وبحسبها فهو يفتح مدخلًا جميلًا جدًا إلى القرآن.