ولي الأمر وصف لمن يتولى أمر الناس ويأخذ عدة تسميات بحسب النظام الحاكم فيقال عنه خليفة ويقال إمام وأمير وسلطان وملك ورئيس، والمتولي أمر الناس بحق ويحقق المقاصد من نصبه وتوليته فله حق السمع والطاعة كما أن له حق النصرة على من خالفه بباطل فعصاه أو خرج عليه، ومن صور الخروج الممكن حدوثها عزل ولي الأمر وأسره وحبسه ورغم أن هذا قليل الحدوث إلا أن العلماء افترضوا هذه الحالة وتكلموا عنها.

قال إمام الحرمين في كتابه غيات الأمم في التياث الظلم: "إذا أسر الإمام وحبس في المطامير[المطامير: حفر تحفر في الأرض]، وبَعُد توقع خلاصه، وخلت ديار الإسلام عن الإمام، فلا سبيل إلى ترك الخطط شاغرة، ووجود الإمام المأسور في المطامير لا يغني، ولا يسد مسدا، فلا نجد-والحالة هذه-من نصب إمام بدا"[1] فالجويني أجمل في هذا النص المسألة ولم يفصلها وكأن الذي يهمه من المسألة استكمال الشكل العام للدولة فتحدث عن سد النقص الحادث بسبب أسر الإمام ولم يتطرق لشيء غير هو كذلك فعل القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني فقال: "وكذلك إن جعل(الإمام) مأسورًا في أيدي العدو إلى مدة يخاف معها الضرر الداخل على الأمة، ويوأس مَعهَا من خلاصه وجب الاستبدال به"[2]، ونقله عنه ابن بطال[3] وابن الملقن[4]وهو كلام مهم لكن الكلام ينقصه أمور فصلها واستكملها الماوردي في حديثه عن المسألة نفسها فالماوردي عندما تكلم عن هذه المسألة لم يكتف بالإجمال وإنما فصل الأمر وتناوله من جوانب متعددة حيث بين أن نقص التصرف في الإمام ضربان: حجر وقهر ثم قال مفصلا: "وأما القهر: فهو أن يصير مأسورا في يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص منه، فيمنع ذلك عن عقد الإمامة له؛ لعجزه عن النظر في أمور المسلمين، وسواء كان العدو مشركا أو مسلما باغيا، وللأمة اختيار من عداه من ذوي القدرة، وإن أسر بعد أن عقدت له الإمامة، فعلى كافة الأمة استنقاذه لما أوجبته الإمامة من نصرته، وهو على إمامته ما كان مرجو الخلاص مأمول الفكاك، إما بقتال أو فداء، فإن وقع الإياس منه لم يخل حال من أسره من أن يكونوا مشركين أو بغاة المسلمين، فإن كان في أسر المشركين خرج من الإمامة لليأس من خلاصه، واستأنف أهل الاختيار بيعة غيره على الإمامة.

فإن عهد بالإمامة في حال أسره نظر في عهده؛ فإن كان بعد الإياس من خلاصه كان عهده باطلا؛ لأنه عهد بعد خروجه من الإمامة، فلم يصح منه عهد، وإن عهد قبل الإياس من خلاصه وقت هو فيه مرجو الخلاص صح عهده لبقاء إمامته، واستقرت إمامة ولي عهده بالإياس من خلاصه لزوال إمامته، فلو خلص من أسره بعد عهده نظر في خلاصه، فإن كان بعد الإياس منه لم يعد إلى إمامته؛ لخروجه منها بالإياس، واستقرت في ولي عهده، وإن خلص قبل الإياس فهو على إمامته، ويكون العهد في ولي العهد ثابتا وإن لم يصر إماما.

وإن كان مأسورا مع بغاة المسلمين، فإن كان مرجو الخلاص فهو على إمامته، وإن لم يرج خلاصه لم يخل حال البغاة من أحد أمرين: إما أن يكونوا نصبوا لأنفسهم إماما أو لم ينصبوا، فإن كانوا فوضى لا إمام لهم فالإمام المأسور في أيديهم على إمامته؛ لأن بيعته لهم لازمة وطاعته عليهم واجبة، فصار معهم كمصيره مع أهل العدل إذا صارت تحت الحجر، وعلى أهل الاختيار أن يستنيبوا عنه ناظرا يخلفه إن لم يقدر على الاستنابة، فإن قدر عليها كان أحق باختيار من يستنيبه منهم، فإن خلع المأسور نفسه أو مات لم يصر المستناب إماما؛ لأنها نيابة عن موجود فزالت بفقده.

وإن كان أهل البغي قد نصبوا لأنفسهم إماما دخلوا في بيعته وانقادوا لطاعته، فالإمام المأسور في أيديهم خارج من الإمامة بالإياس من خلاصه؛ لأنهم قد انحازوا بدار تفرد حكمها عن الجماعة، وخرجوا بها عن الطاعة، فلم يبق لأهل العدل بهم نصرة، وللمأسور معهم قدرة، وعلى أهل الاختيار في دار العدل أن يعقدوا الإمامة لمن ارتضوا لها، فإن خلص المأسور لم يعد إلى الإمامة لخروجه منها"[5].

والكلمات نفسها تقريبا فالها أبو يعلى الحنبلي في كتاب حمل الاسم نفسه[6]، ونقله النووي عن الماوردي في روضة الطالبين وعمدة المفتين[7] ونقل عنه بعضا من ذلك القلقشندي في مآثر الإنافة في معالم الخلافة[8]، وكذلك فعل الشيخ محمد رشيد رضا في كتاب الخلافة له[9]، ويكاد يكون ما ذكره الماوردي في هذه المسألة عمدة كل من تكلم بعده في هذه المسألة سواء من العلماء القدامى أم من المعاصرين، فماذا قال الماوردي؟ أول ما تكلم عليه الماوردي حين وقوع الإمام في الأسر أن بين حق ولي الأمر على الرعية وواجبهم تجاهه فقال: "فعلى كافة الأمة استنقاذه لما أوجبته الإمامة من نصرته"، فاستنقاذ ولي الأمر واجب لازم على الجميع وكل من كانت له قوة على استنقاذه أكثر من غيره فالوجوب عليه ألزم له، وعلى الكافة أن يسعوا لذلك بكل سبيل ولو بنصب القتال وشهر الأسلحة فولي الأمر في الدولة هو رأس الدولة وقامتها والتفريط فيه تفريط في الدولة وقد عرفها الجويني فقال: "الإمامة رياسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة، في مهمات الدين والدنيا" مما يبين مكانتها وفداحة جرم التفريط في حفظها لذلك بين الماوردي أن استنقاذه يكون بأي طريق أو وسيلة تحقق ذلك فقال: "إما بقتال أو فداء" والقتال رغم إمكانية أن يترتب عليه إزهاق أنفس وسفك دماء إلا أنه أجاز ذلك في سبيل استنقاذ رأس الدولة ورمزها وهو ولي الأمر وإذا جاز القتال لاستنقاذ رأس الدولة-والقتال يعد أعنف وسائل التغيير-فإن الوسائل الأقل عنفا أو الوسائل السلمية تكون أشد جوازا من باب أولى، وولي الأمر المأسور لا يخرج عن حد الولاية ما دام مرجو الخلاص ولم يقع الإياس من تخليصه، ومتى ما كان مرجو الخلاص ولم يقع الإياس من تخليصه فهو ولي أمر يتمتع بكامل الصلاحيات: يقرر ويدير ويدبر ويوجه، كما أن له أن يستنيب من يقوم بمهامه قبل الإياس من خلاصه في قيادة الأمة (الشعب) في مرحلة أو زمن بعده عنها، وإذا استناب انتقلت صلاحية ولي الأمر إلى نائبه فإن تخلص من الأسر رجع ولي الأمر إلى مكانته وتمتع بكل صلاحياته وإذا وقع اليأس من تخليصه بعد استنابته صار المستناب هو ولي الأمر وتحدث الماوردي عن الآسرين إما أن يكونوا من المشركين وإما أن يكونوا من المسلمين البغاة فإن كان آسروه من المشركين "خرج من الإمامة لليأس من خلاصه، واستأنف أهل الاختيار بيعة غيره على الإمامة" فبأسر المشركين لولي الأمر يخرج عن الإمامة وذلك لليأس من خلاصه وفي هذه الحالة يكون على أهل الحل والعقد ومن إليهم نصب ولاة الأمور اختيار بدلا له وبيعته، وإن كان آسروه من المسلمين البغاة فهم بين حالين: إما أن يكونوا نصبوا لأنفسهم إماما أو لم ينصبوا.

فإن لم ينصبوا إماما لهم وكانوا فوضى بدون إمام فالإمام المأسور في أيديهم باق على إمامته؛ لأن بيعته لهم لازمة وطاعته عليهم واجبة، وعلى أهل الاختيار أن يستنيبوا عنه ناظرا يخلفه إن لم يقدر على الاستنابة، فإن قدر عليها كان أحق باختيار من يستنيبه منهم، فولي الأمر المأسور من بغاة المسلمين إذا لم يكن لهم ولي أمر فالإمام هو ولي الأمر ويستنيب عنه ناظرا إن كان يمكنه ذلك وإن لم يمكنه استناب أهل الحل والعقد من يخلفه وإن كان أهل البغي قد نصبوا لأنفسهم إماما دخلوا في بيعته وانقادوا لطاعته، فالإمام المأسور في أيديهم خارج من الإمامة بالإياس من خلاصه؛ وذلك إنما يكون في حالة ما انحازوا بدار تفرد حكمها عن الجماعة، وخرجوا بها عن الطاعة، فلم يبق لأهل العدل بهم نصرة، وللمأسور معهم قدرة، وعلى أهل الاختيار في دار العدل أن يعقدوا الإمامة لمن ارتضوا لها، فإن خلص المأسور لم يعد إلى الإمامة لخروجه منها فإذا اختار أهل البغي لهم ولي أمر وانحازوا بدار لهم فقد خرج ولي الأمر المأسور عن ولايته وعلى أهل الحل والعقد في دار العدل أن يعقدوا الولاية لمن ارتضوا لها من المسلمين، ومن البين أن البغاة ليس لهم أن يختاروا ولي أمر لأهل العدل أو يشاركوا في ذلك، ويتبين من كل ما قدمنا وما نقلناه عن أهل العلم أن ولي الأمر لا يصلح أن يكون من البغاة ولا أن يشترك البغاة في اختيار ولي أمر لأهل العدل، وإذا طبقنا هذا على الحال الواقع في بعض بلاد المسلمين تبينت المواقف التي ينبغي أن يستمسك بها المسلمون ويشبثوا بها حتى وإن كلفهم ذلك الكثير فإن الحفاظ على ألا ينخرم الأساس الشرعي في ولاية الأمر يستحق أن يبذل في سبيله التضحيات.

ربما يظن البعض أن هذا الكلام خاص بالإمام ولا ينطبق على حكام بلاد المسلمين لأنهم لم يتحققوا بصفات الأئمة وهذا الظن ليس سديدا لأن ابتعاد حكام المسلمين عن صفات الأئمة ليس وليد اليوم وإنما مر عليه عدة قرون ومع ذلك فلم يمنع هذا العلماء في تلك الأزمنة من إجراء الأحكام المتعلقة بالأئمة عليهم، وتبني هذا الكلام يترتب عليه عدم التعويل على الأحكام الفقهية في هذا الشأن مما ينتج عنه خلل كبير.

نخلص من كل ما تقدم أن ولي الأمر إذا أسر فعلى الكافة استنقاذه بأي سبيل يحقق ذلك، وأن ولي الأمر باق على ولايته ما كان مرجو الخلاص يتمتع بكل صلاحياتها وله أن يستنيب عنه من يدبر الأمور فترة أسره وإذا وقع اليأس من فك أسره فعلى أهل الحل والعقد من دار العدل أن يختاروا ولي أمر بدلا منه، والبغاة لا يُختارون ليكونوا ولاة أمر ولا يشاركون في الاختيار.



[1] غياث الأمم في التياث الظلم /116

[2] تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل 479

[3] شرح صحيح البخاري لابن بطا لأبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك 8/216

[4] التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي 32/440

[5] الأحكام السلطانية لأبي الحسن محمد بن حبيب الماوردي 47

[6] الأحكام السلطانية لأبي يعلي محمد بن الحسين بن الفراء 23

[7] روضة الطالبين وعمدة المتين لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي 10/49

[8] مآثر الإنافة في معالم الخلافة لأحمد بن علي بن أحمد الفزاري القلقشندي 1/70

[9] الخلافة لمحمد رشيد رضا 47