حين كتبت المقالة السابقة بعنوان: (رسالة إلى علماء مصر ودعاتها)، جاءتني اتصالات عديدة تسألني عن الوهابية، وعن الإمام محمد بن عبد الوهاب، وعندما أعيد نشر المقال في عدد من المواقع الحوارية على الإنترنت كثر السؤال أيضاً عن ذلك؛ فرأيت أن من واجبي أن أكتب في هذا الموضوع مقالة مختصرة؛ على الرغم من كثرة ما كتب فيه أهل الاختصاص، ممن هم أقدر مني.

(الوهابية) مصطلح ذاع صيته في الآونة الأخيرة؛ خاصة بعد ما سعى نظام العولمة إلى ربطه بالإرهاب؛ فأصبح يحمل دلالات وأبعاداً فكرية متباينة، بل متعارضة، حسب اختلاف المصنفين من كتاب ومتلقين. وبناء على تلك التناقضات والتباينات فإنه لم يشوَّه مصطلحٌ كما شُوِّه هذا المصطلح؛ إذ خاض فيه كثير من القادحين والناقمين، دون أن يقرؤوا كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب مباشرة، ودون أن يدرسوا منطلقاته الدعوية والفكرية؛ وإنما تلقف كثير منهم هذا المصطلح من أعداء الشيخ - سواء كانوا من خصوم الإسلام أو من المنتسبين إليه - وراحوا يكيلون التهم، وينسبون للشيخ ما لم يقله، وينشرون عنه الأباطيل دون تمحيص أو تحرير أو إنصاف أو عدل.

ومن المتوقع أن يحدث مثل هذا الخلط والخلل عند بعض العامة أو المتعصبين، لكن الغريب أن يحدث مثل هذا عند بعض المنتسبين إلى الفكر أو المنتمين إلى ميدان الإعلام والثقافة.

لقد تميَّز الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - بنَفْس أبيَّة معطاءة، وبهمة عالية، وطموح كبير. نظر إلى تلك التراكمات والجهالات التي طغت على المجتمع وغمرت كل أركانه، فلم يستسلم لها، ولم يقف موقف العاجز الضعيف الذي لفَّه الإحباط، وأقعده اليأس؛ بل انتصر لدين الله - عز وجل - حميَّة وغيرة على الملة، ورفع لواء التصحيح والإصلاح، واستنهض العلماء والأمراء، وواجه المجتمع كل المجتمع: الأمراء والعامة، العلماء والجهلة، القريبون والبعيدون، فعودي وأوذي، وأُخرِج من بلدته، وحاربه الناس، وتسلَّط عليه الجهلة، وائتمر عليه الملأ من الزعماء والكبراء. وهذه سنَّة ثابتة لا تتبدل ظلت تواجه المصلحين في كل زمان ومكان. قال الله - تعالى -: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَـمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24].

وقد ثبت الإمام على منهجه، ومضى في طريقه صابراً محتسباً، حتى بدأت آثار دعوته تظهر وطفق الناس يستجيبون لها، ويُقبِلون عليها خاصة وعامة.

إزاء ذلك سعى بعض أعدائه ومناوئيه - حسداً وظلماً - لإثارة الشبهات على دعوته، وتشويه سيرته؛ من أجل تنفير الناس عنه، والحدِّ من انتشار دعوته. ولم يتورعوا عن اختلاق الأكاذيب، وإشاعة الأباطيل.

وأصبحت هذه الإشاعات والأكاذيب مادة يستخدمها أعداء دعوة الشيخ إلى اليوم، بل شهدت السنوات الأخيرة أساليب متعددة لطمس هذه الدعوة المباركة، وتصويرها في نظر العامة كأنها ضلال يجب الحذر منه والابتعاد عنه، وقد أجاب قديماً عن بعض هذه الشبهات الإمام محمد بن عبد الوهاب نفسه، وردَّ على بعضها أبناؤه وتلاميذه. واستقصاها عَرْضاً ونقضاً الدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف في رسالة علمية بعنوان: (دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب... عرض ونقض)، ودرسها دراسة علمية مستفيضة.

ولهذا فإن العاقل المنصف إذا جاءته الشبهة لم يُسلِّم بها، بل يسعى إلى التثبت والتبيُّن؛ خاصة إذا لاح له أن سببها التحامل والتعصب؛ تحقيقاً لقول المولى - جل وعلا -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: ٦].

وأول أبواب التحامل تسمية دعوته بالوهابية، وكأنها دين جديد، أو مذهب مستحدَث أتى به الإمام محمد بن عبد الوهاب! وقد استخدم هذا المصطلح بعض خصومه للتنفير من دعوته، ثم استخدمه البريطانيون كعادتهم في العمل على تشويه الإسلام وأهله؛ للحد من انتشار دعوة الشيخ، وليكون ذلك غطاءً لمواجهة الإسلام والتدين المبني على أصول الشريعة، ونظير ذلك استخدام الاستخبارات الأمريكية والغربية في عصرنا الحاضر لمصطلحات السلفية والوهابية والإرهاب تفنناً في الحرب على الإسلام وأهله...!

وقد عانى الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - هذا التحامل، وكان يقول: (ومتى لم تتبيَّن لكم المسألة لم يحل لكم الإنكار على من أفتى أو عمل، حتى يتبين لكم خطؤه، بل الواجب السكون والتوقف، فإذا تحققتم الخطأ بينتموه، ولم تهدروا جميع المحاسن لأجل مسألة أو مئة أو مائتين أخطأتُ فيهن؛ فإني لا أدعي العصمة).

وبسبب غربة الدين وانتشار الجهل واندراس العلم في ذلك العصر ظنَّ بعض الناس أن ما جاء به الإمام محمد بن عبد الوهاب مذهب جديد، بل إن بعض العلماء التبس عليهم الأمر بادئ الرأي، لكن الإمام محمد بن عبد الوهاب أكد في رسائل كثيرة إلى علماء عصره أنه لم يأتِ بمذهب خاص، ومـــن ذلك: رسالته إلى الشيـــخ عبد الرحمن بن عبد الله السويدي أحد علماء العــراق؛ حيث قال فيهـــا: (أُخبرك أني - ولله الحمد متبع - ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به: مذهب أهل السُّنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتْباعهم إلى يوم القيامة. لكني بيَّنت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يُعبَد الله به: من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق لله الذي لا يشركه فيه مَلَك مقرب ولا نبي مرسَل، وهو الذي دعت إليه الرسل من أوَّلهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السُّنة والجماعة).

إن الإنصاف والموضوعية من أهم قواعد المنهج العلمي، ولن يستقيم للإنسان رأي أو موقف ما دام يفكر بتشـنج وتحـامل، ويحكـم على الآخـرين بنـاءً على مسـلَّمات مسبَقة ومعدَّة سلفاً. قال الله - تعالى -: {وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152]، وقال - تعالى -: {وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [الأعراف: 85]، و [هود: 58]، و [الشعراء: 183].

ولكي نفهم حقيقة دعوة الشيخ ومنطلقاتها وأهدافها؛ فمن المهم الإشارة إلى أمرين رئيسين:

الأول: معرفة السياق الديني والاجتماعي الذي نشأت فيه الدعوة:

لقد كانت الجزيرة العربية في ذلك الوقت (عام 1115هـ - 1206هـ) تعيش حالة مفرِطة من الضلالة والانحراف؛ لما انتشر فيها بين الناس من الجهل، ولما ران على قلوبهم من ظلمات الانحراف، بعد أن هجروا معالم الشريعة وقوضوا بنيان المحجة؛ فتعلقوا بالقبور والأضرحة، وعظموا المشاهد والقباب، واستسلموا للجن والشياطين، وانتشر السحرة والكهنة والعرافون، بل تعلق الناس حتى بالأشجار والأحجار؛ فالمرأة إذا تأخرت عن الزواج لجأت إلى شجرة معروفة في نجد وقالت: (يا فحل الفحول! أريد زوجاً قبل الحول).

فجاءت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تجديداً لما اندرس من رسوم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وإحياءً لأنوار الشريعة المطهرة، ودعوة إلى التوحيد الخالص، وتجريداً للعبودية لله - عز وجل - وحدَه لا شريك له، ونبذاً لتلك المظاهر الشركية التي تُغيِّب العقل، وتُسقِط الإنسان في مستنقع الخرافة ومهاوي الشعوذة.

الآخر: قراءة كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب:

حيث ألف الشيخ مجموعة من الكتب والرسائل، من أهمها:

• كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد.

• الأصول الثلاثة وأدلتها.

• كشف الشبهات.

وقراءة هذه الكتب مباشرة هي الطريق الصحيح لفهم منهج الشيخ وأولوياته الدعوية.

فكتاب (التوحيد) احتوى على ستة وستين باباً، عالج فيها المشكلات التي كان الناس في عصره يعانونها، وفي هذه الأبواب جميعها يذكر عنوان الباب، ثم يسوق الأدلة التي تدل عليه من القرآن العظيم، والسُّنة النبوية، وأقوال الصحابة - رضي الله عنهم - وأئمة السلف، ثم يختم الباب بذكر المسائل المستنبطة من النصوص المذكورة بعبارات مختصرة جداً.

فالشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يأتِ بشيء جديد البتة في هذا الكتاب، بل كان حريصاً على أن يربط القارئ في كل باب من أبوابه بالمنابع الأصيلة لهذا الدين وهي الكتاب والسُّنة.

أما كتاب (الأصول الثلاثة وأدلَّتها): فهو رسالة صغيرة كتبها الشيخ لتعليم عوام المسلمين أصول الدين الثلاثة: معرفة العبد ربه - سبحانه وتعالى -، ومعرفة العبد دينه، ومعرفة العبد نبيه صلى الله عليه وسلم.

أما كتاب (كشف الشبهات): فهو إجابة عن الشبهات التي أثارها بعض خصومه على دعوته بعبارات موجزة مركزة، بعيداً عن الاستطراد أو التفصيل.

والدارس لكتب الإمام محمد بن عبد الوهاب يجد أنه لم يغرق في الفلسفة، أو يتشدق في لغته، أو يتقعر في رسائله ومكاتباته؛ بل كان حريصاً على الوضوح، ويتنزل في ذلك كثيراً، ويخاطب العلماء بلغتهم، ويناقش العوام بلغة سهلة قريبة، حتى إنه في بعض رسائله كان يستخدم عبارات من اللهجة العامية الدارجة في المجتمع النجدي؛ رغبة في إفهام الناس، وإيصال المعنى إلى عقولهم بأبلغ وسيلة، وكان يوصي طلاب العلم بذلك.

فقراءة كتب الشيخ ورسائله الشخصية إلى أهل عصره هي القنطرة العلمية الصحيحة لبناء تصور منصف عن دعوته، وقديماً قيل في الأمثال: (الناس أعداء ما جهلوا).

ومن تجرُّد الشيخ وإنصافه: أنه ذكر في مناسبات كثيرة أنه على استعداد للتراجع عن رأيه دون تردُّد إذا تبيَّن له أن الحق بخلافه، ومن ذلك قوله لأحد معاصريه: (فأنا - ولله الحمد - لم آتِ الذي أتيت بجهالة، وأُشهِد الله وملائكته: إن أتاني منه، أو ممن دونه في هذا الأمر كلمة من الحق لأقبلنَّها على الرأس والعين، وأترك كل إمام اقتديت به، حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لا يفارق الحق).

معالم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب:

يمكن تلخيص منهج الشيخ وخصائص دعوته في المسائل التالية:

أولاً: البداءة بالأهم فالأهم:

تأمل الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - حال الناس في عصره، وسبر أحوالهم، ودرس واقعهم؛ فوجد أن أعظم الأدواء، وأكبر المشكلات: جهل الناس بحقيقة العبودية ومعنى شهادة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وهو ما أوقعهم في الضلالة والانحراف، والبعد عن دين الله - عز وجل - فرأى أن أوجب الواجبات وأولى الأولويات: إعادة الناس إلى دين التوحيد، وإفراد الله - سبحانه وتعالى - بالعبادة وحده لا شريك له، والتحذير من الشرك بكل صوره وأنواعه.

وقد عقد الإمام محمد بن عبد الوهاب باباً في كتاب التوحيد بعنوان: (الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله)، وصدَّره بقول الله - عز وجل -: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْـمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، ثم ذكر حديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا بعث معاذاً - رضي الله عنه - إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»، ثم ذكر الإمام من مسائل هذا الباب:

الأولى: كون التوحيد أول واجب.

الثانية: أن يُبدأ به قبل كل شيء حتى الصلاة.

الثالثة: البداءة بالأهم فالأهم.

وقد قال حفيد الإمام الشيخ سليمان بن عبد الله في شرحه لهذا الباب: (فيه دليل على أن التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه هو أول واجب؛ فلهذا كان أول ما دعت إليه الرسل - عليهم السلام - كما قال - تعالى -: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .

فالقضية المركزية التي حمل لواءها الإمام محمد بن عبد الوهاب هي: تجريد العبودية لله - عز وجل - وحده لا شريك له، وحماية جناب التوحيد من ضلالات الشرك وغوائل الجهل، وشوائب الأهواء والبدع. فكل أنواع العبادة: كالدعاء والاستعانة والاستغاثة والذبح والخوف والرجاء؛ لا تُصرَف إلا لله وحده، ولا معبود بحق إلا هو سبحانه وتعالى.

ثانياً: تعظيم الكتاب والسُّنة النبوية، وعدم التقدم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم:

فتحرير مصادر الدين وتنقيتها من شوائب الأهواء والضلالات، هي الركيزة الأساسية لصحة الدين وسلامة المعتقَد، وهذه هي إحدى القضايا الكبرى التي تصدى لها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ووضحها في مواضع كثيرة من كتبه ورسائله، وكان يوصي الناس بالاعتصام بالكتاب والسُّنة، والاستسلام لأمر الله - عز وجل - وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن لا يكون في قلوبهم أجلُّ من كتاب الله؛ ولهذا عقد الشيخ أبواباً عدة في كتاب التوحيد لتحقيق هذا المقصد، منها: (باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أرباباً من دون الله)، وباب: قول الله - تعالى -: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا} [النساء: 60].

ومن أقواله الجامعة في هذا الباب: (الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة، ومعرفة ما أراد بذلك، كما كان عليه الصحابة والتابعون ومن سلك سبيلهم؛ فكل ما يحتاج إليه الناس فقد بيَّنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بياناً شافياً كافياً؛ فكيف أصول التوحيد والإيمان، ثم إذا عرف ما بيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم نظر في أقوال الناس، وما أرادوا بها، فعرضت على الكتاب والسُّنة والعقل الصريح، الذي هو موافق للرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه الميزان مع الكتاب، فهذا سبيل الهدى).

وقد بيَّن - رحمه الله - أن البعد عن متابعة سُنة النبي صلى الله عليه وسلم سبب للانحراف، فقال: (كلما كان الرجل أتبع لدين محمد صلى الله عليه وسلم كان أكمل توحيداً لله - تعالى - وإخلاصاً لدينه، وإذا أبعد عن متابعته نقص عن دينه بحسب ذلك، فإذا كثر بُعدُه عنه ظهر فيه من الشرك والبدع ما لا يظهر فيمن هو أقرب منه لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم).

ثالثاً: ذمُّ البدعة والإحداث في الدين مما لم يرد في الكتاب والسُّنة:

اعتنى الإمام محمد بن عبد الوهاب عناية فائقة بالتثبت والتحري في شأن العبادة، فمن أراد أن يعبد الله - عز وجل - حق العبادة فلا يجوز له أن يعبده إلا بمقتضى شرعه؛ ولهذا كان ينهى عن البدع والمحدثات التي يتناقلها الناس ويتوارثونها جيلاً بعد جيل، دون حجة أو أثارة من علم صحيح، ويرى أن مصادر التدين يجب أن تكون صافية من كل شائبة، خالصة من كل دخيل.

وذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب: (أن من زاد في الدين بشيء ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وليس عليه الصحابة والتابعون فكأنما نقص), وهذا من عمق فقه الإمام وبُعْد نظره؛ لأن الناس كلما استحسنوا شيئاً صيَّروه ديناً، ومع تتابع الأجيال تصبح آراء الناس هي الأصل، وتندرس معالم الشريعة.

قال الإمام محـــمد بن عــبد الوهاب تعليقاً على قول الله - تعالى -: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا} [المائدة: ٣]: (فـــأخبــر - سبحانه - أنه أكمل الدين، وأتمه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأمرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا، وترك الـــبدع والتفـــرق والاختـــلاف، فـــقال - تعالى -: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: ٣]، وقـــال - تعالى -: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]).

رابعاً: العناية بالعلم ونبذ الخرافة والأساطير:

فدعوة الشيخ محمد بن الوهاب ارتكزت على تقدير العلم حق قدره، وإحياء البصيرة والمعرفة؛ ولهذا ألَّف كتابه الأصول الثلاثة لترسيخ العلم عند الناس بالحجة والبرهان، وقال في أوله: (يجب علينا تعلم أربع مسائل، الأولى: العلم، وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. الثانية: العمل به. الثالثة: الدعوة إليه. الرابعة: الصبر على الأذى فيه).

ثم استشهد بقول الإمام البخاري في صحيحه: (باب العلم قبل القول والعمل، والدليل قوله - تعالى -: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [محمد: 19]؛ فبدأ بالعلم قبل القول والعمل).

وإحياء العلم يعني: تحرير الإنسان من كل ألوان الخرافة والأساطير وأحاديث الكهان، التي تفسد الدين وتُذهب العقل؛ ولهذا عقد الشيخ في كتاب التوحيد عدداً من الأبواب في التحذير من السحر والكهانة والعرافة والتطير والتنجيم والاستسقاء بالأنواء... ونحوها.

خامساً: التحذير من التقليد الأعمى:

نعى الإمام محمد بن عبد الوهاب على أهل زمانه استمراءهم للتقليد الأعمى، الذي يلغي بصيرة الإنسان، ويجعل عقله أسيراً لا يقوى على النظر أو الاستدلال، عاجزاً لا يستطيع أن يميز الحق من الباطل. وكان يستحث الناس على الرجوع إلى الكتاب والسُّنة وترك التعصب للأئمة؛ فها هو ذا يقول معاتباً أحد الناس: (فانظر يا رجل حالك وحال أهل هذا الزمان، أخذوا دينهم عن آبائهم، ودانوا بالعرف والعادة، وما جاز عند أهل الزمان والمكان دانوا به، وما لا؛ فلا).

وإذا كان الإمام محمد بن عبد الوهاب ينهى عن تقليد أهل الضلال؛ فإنه في الـوقت نفسـه لا يدعو إلى تقليـد الإمام أحمـد ابن حنبـل أو غيره مــــن الأئمة، يقـــول - رحمه الله -: (ولست - ولله الحمد - أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظِّمهم مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم؛ بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم التي أوصى بها أول أمته وآخرهم. وأرجو أني لا أردُّ الحق إذا أتاني، بل أُشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لا يقول إلا الحق).

وفي الوقت نفسه فإن الشيخ لا يطلب من الناس تقليده، بل يدعوهم إلى الكتاب والسُّنة؛ ففي رسالة له أرسلها إلى رئيس بادية الشام قال: (إني أذكر لمن خالفني: أن الواجب على الناس اتباع ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم أمته، وأقول لهم: الكتب عندكم، انظروا فيها، ولا تأخذوا من كلامي شيئاً، لكن إذا عرفتم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتبكم فاتبعوه، ولو خالفه أكثر الناس)، ثم قال: (لا تطيعوني، ولا تطيعوا إلا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي في كتبكم).

سادساً: النهي عن الغلو:

يرى الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - أن الغلو في الأولياء والصالحين من أسباب الضلال والانحراف؛ ولهذا عقد باباً في كتاب التوحيد بعنوان: (ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين)، وصدَّره بقوله - عز وجل -: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [المائدة: ٧٧]، وساق فيه عدداً من النصوص من الكتاب والسُّنة، منها: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله»، ثم ساق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو! فإنما أهلك من كان قبلكم».

فمحبة الأولياء والصالحين لا تعني تقديسهم وإعطاءهم ما لا يليق بهم من صفات الربوبية والألوهية. ولهذا اشتد نكير الإمام محمد بن عبد الوهاب على الذين يعظمون القبور والقباب، ويلجؤون إلى المقبورين لكشف الضر أو جلب النفع.

ومن الغلوِّ الذي نهى عنه الإمام محمد بن عبد الوهاب: الغلو في حق النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته الطيبين الطاهرين؛ فالله - عز وجل - شرَّف النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة، وأمرنا بتعزيره وتوقيره، واتباعه، وتعظيم أمره ونهيه،والذب عن جنابه الكريم، ونهانا عن تجاوز ذلك إلى الاستغاثة به أو النذر له أو الطواف بقبره: ونحو ذلك من العبادات التي لا تُصرَف إلا لله - عز وجل - وحده لا شريك له.

أخيراً:

لم يكن الإمام محمد بن عبد الوهاب من طلاب الدنيا، ولم يتطلع لمجد أو شرف شخصي؛ بل كان من أزهد الناس بالمنصب والجاه والسلطان، والذي نحسبه - والله عز وجل حسيبه - أنَّه سخَّر حياته كلها للإصلاح وتجديد الدين ونصرة سُنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك فإن أبناءه وطلابه لا يقدسونه؛ بل يعتقدون أنَّه كسائر العلماء بشر يصيب ويخطئ، وما أجمل قول الإمام سعيد بن المسيب: (ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه؛ فمن كان فضله أكثر من نقصه؛ وهب نقصه لفضله).

والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.