أسرع حزب البعث السوري باتخاذ تدابير أمنية صارمة لحماية نفسه من ثورة الشعب العربي السوري ضد حالة القمع المتواصلة منذ استيلائه على حكم في سوريا في منتصف القرن الماضي.

وتقول الأنباء الواردة من مدينة درعا إن الجيش السوري يحاصر المدينة بالدبابات من جميع مداخلها منذ عدة أيام، حيث قطع الاتصالات والمياه والكهرباء عن المدينة، وبحسب شهود عيان مقيمين في درعا نشرت تصريحاتهم وكالة "رويترز" للأنباء فإن الجيش يقوم معزز بعناصر من المخابرات السورية بحملة تمشيط واسعة في المدينة وقد أقدم على اعتقال المئات من المواطنين بالإضافة أن الإحصاءات الأخيرة تبين إرتقاع عدد ضحايا القمع المتواصل إلى ما يزيد عن 600 شهيد وآلاف المعتقلين والعشرات من المفقودين.

 وبحسب مصدر دبلوماسي سوري فإن الكثير من الشهداء هم جنود في الجيش السوري قتلوا بسبب رفضهم لتطبيق أوامر النظام السوري بقتل المتظاهرين. ونقلت منظمة العفو الدولية عن شهود عيان أن القناصة التابعين لحزب البعث يطلقون النار على المصابين في الشوارع وعلى من يحاولون إنقاذهم في درعا.

وتحدثت تقارير إخبارية عن تحرك الدبابات نحو مدينة اللاذقية شمالي دمشق، ليل الأربعاء وأطلقت النار على محتجين في المدينة. وعبر ما يزيد عن 1000 شخص الحدود الشمالية اللبنانية هرباً من القصف والجرائم التي ترتكب في المدن والقرى السورية من بينهم أطفال ونساء، وقالت وكالة "رويترز" إن سيل من المواطنين السوريين لازالوا يتدفقوا باتجاه الحدود اللبنانية  والأردنية هرباً من للأحداث الجارية.

وطردت قوات الأمن السورية جميع الصحفيين الأجانب العاملين في سوريا، كما أرسل الأسد الاثنين الماضي الفرقة الميكانيكية الرابعة التي تدين له بالولاء ويقودها شقيقه ماهر.

ودعا متظاهرون سوريون على موقع "الفيسبوك" الجماهير السورية بالتظاهر أمس الجمعة (29/4) باعتبارها جمعة الغضب إحتجاجاً على المجازر التي ترتكب في مدينة درعا، لكن قوات وزارة الداخلية السورية والمخابرات قمعت المتظاهرين وأسفر ذلك عن وقوع 62 شهيدا موزعين على المحافظات السورية.

ونقلت صحيفة "دار الحياة الدولية" عن مصادر دبلوماسية سورية وجود حالة من الاستياء في أوساط الجيش السوري بسبب المجازر التي ترتكب ضد الشعب السوري، ويعتبر الجيش السوري هو الجيش الوطني  الرسمي في جمهورية العربية السورية ويقوده الرئيس السوري الحالي بشار الأسد وينوبه وزير الدفاع  العماد علي حبيب.

ويقدر تعداد جنود الجيش السوري بــ200 ألف مقاتل بالإضافة إلى 300 ألف مجند يتوزعون على شعب تنظيمية وإدارية مختلفة  ( الجوية ، البحرية، البرية، الإستخبارات العسكرية) .

أما وزير دفاعه علي حبيب فقد شغل منصب رئيس هيئة الأركان العامة للجيش السوري قبل تعيينه في هذا المنصب، وهو من مواليد محافظة طرطوس عام 1939 وقد انتسب إلى الجيش عام 1959 وتخرج من الكلية الحربية عام 1962 ، ومعروف بانتمائه لحزب البعث ولائه لعائلة الأسد. وتذكر المصادر السورية أن نسبة كبيرة من الجيش السوري هم من المسلمين السنة لكن قيادته غالبيتها من الطائفة العلوية الذي تنتمي إليها عائلة الأسد.

من جانبها دعت جماعة الإخوان المسلمين السورية المحظورة في بيان يوم الخميس السوريين إلى الخروج إلى الشوارع في احتجاجات للمطالبة بالحرية، وقال البيان "لا تتركوا النظام ينفرد ببعض أهليكم. اهتفوا بصوت واحد للحرية وللكرامة.. لقد خلقكم الله أحرارا.. فلا تسمحوا لطاغية ولا لجبار عنيد أن يستعبدكم... والله أكبر ولله الحمد."

وأضاف البيان قائلا "نكرر النداء على رجال الجيش العربي السوري.. أفرادا وصف ضباط وضباطا وقيادات.. مؤكدين أن دور الجيش هو الدفاع عن الوطن وحماية المواطنين. ونصر على إبقاء مؤسسة الجيش في إطار وقارها ومهمتها الوطنية الأساسية.. والامتناع عن الزج بها كعامل قمع للإرادة الوطنية المتطلعة إلى الحرية والكرامة."

وكان المئات من المنتمين إلى حزب البعث أعلنوا استقالتهم من الحزب من بينهم نائبان عن مدينة درعا في البرلمان السوري، ويعتبر محللين سوريين أن هذه الخطوة تدق المسمار الأخير في نعش حزب البعث الذي حكم سوريا لمدة تجاوزت الأربعين عاماً بعد انقلاب عسكري نفذه الرئيس السوري السابق حافظ الأسد الذي مات عام 2000، وسلمت السلطة لأبنه بشار بعد تعديلات دستورية أجراها البرلمان السوري لإرضاء البعثيين.

تحركات دولية

وعلى الصعيد الدولي دعا وزير الخارجية الاسترالي كيفين رود يوم الخميس إلى فرض عقوبات دولية على سوريا بسبب إجراءاتها الأمنية القاسية ضد المحتجين، قائلاً "على الأمم المتحدة أن ترسل مبعوثا خاصا إلى سوريا للتحقيق في أعمال القتل. وقالت الصين يوم الخميس إن على سوريا أن تحل مشاكلها من خلال الحوار في حين دعت روسيا الحكومة السورية لتقديم المسئولين عن القتل للعدالة.

ودعت تركيا من خلال وفد بقيادة رئيس مخابراتها الرئيس السوري بشار الأسد إلى وقف العنف وإتباع الوسائل الدبلوماسية والديمقراطية للإصلاح، وعَلًق رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي في تصريح نشرته صحيفة "حرييت" التركية على ما يجري في العالم العربي قائلاً" البعض لا يقبل التغيير..وهؤلاء لا فرصة لديهم على الإطلاق.. والبعض الأخر يعمل لكسب الوقت، لكن الوقت يتجاوزهم".

وكانت الخارجية البريطانية استدعت في وقت سابق من هذا الأسبوع السفير السوري في لندن حيث أبلغته أن التصدي العنيف من جانب السلطات السورية للمتظاهرين المطالبين بمزيد من الديمقراطية في سوريا 'أمر غير مقبول'.

ويتوقع التصويت على مشروع قرار أميركي قوي اللهجة في «مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة» كخطوة أولى تليها معركة منع سورية من الانضمام الى المجلس من خلال إطاحة الترشيح الآسيوي لها أثناء التصويت في الجمعية العامة في نيويورك الأسبوع المقبل.

البعث من البداية إلى قرب النهاية

تأسس حزب البعث العربي الإشتراكي في العاصمة السورية دمشق في 7/ إبريل 1947 تحت مظلة شعارات إشتراكية تدعو إلى وحدة الأمة العربية ضد الإمبريالية وإقامة نظام إشتراكي.

 ويحكم البعث سوريا منذ ثورة الثامن من آذار في عام 1963 حتى الآن، حيث نفذ في حينها حافظ الأسد إنقلاباً للوصول إلى سدة الحكم، وكذلك حكم البعث العراق منذ 17 تموز / يوليو 1968 حتى سقوط نظام صدام حسين بتاريخ 9 نيسان / أبريل 2003 في أيدي قوات الإحتلال الأمريكي.

واصطدمت هويته الوطنية والقومية مع الحكومات العربية المختلفة في أماكن وجود الحزب. ويرفع الحزب شعار "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" أما أهدافه فهي "وحدة، حرية، اشتراكية". وترمز "الوحدة" إلى اتحاد الأقطار العربية، لكن الواقع الذي تعيشه سوريا يثبت أن الحزب كان بعيداً كل البعد عن العدالة والحرية التي ينادي بها، فقد أقدم على قمع وقتل واعتقال كل من يعارضه و زج بالآلاف من المواطنين السوريين في السجون سواء كان ذلك بسبب وجهات نظر سياسية أو خلافات مع عناصر الحزب الذين يعتبرون صفوة المجتمع في سوريا  بسبب السلطة والنفوذ الذي منحهم إياها الحزب للسيطرة على المجتمع اقتصاده.

بشار الأسد

الرئيس السوري الحالي بشار حافظ الأسد طبيب العيون الذي عجز عن معالجة نظرة حزبه للمشكلات الداخلية في سوريا والوضع الاجتماعي السيئ فيها، وكل ما أجاده إلقاء الخطب الرنانة التي لم تغني أو تسمن من جوع والتي استطاع من خلالها كسب محبة السوريين ولكن ليس طويلاً.

 تخرج من جامعة دمشق، ودرس لفترة قصيرة في لندن ثم عاد عام 1994. تسلم مقاليد الحكم في سوريا عام 2000 بعد وفاة والده حافظ الأسد حينما عدّل مجلس الشعب السوري الدستور بإجماع أعضاءه لخفض الحد الأدنى لعمر الرئيس من 40 عاماً إلى 34 عاماً لتمكينه كقيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي من عرض ترشيحه على مجلس الشعب لمنصب الرئاسة، وأصبح الأسد منذ ذلك الحين أول رئيس عربي يخلف والده في حكم جمهورية.

ولد بشار حافظ الأسد في 11 أيلول / سبتمبر عام 1965 في مدينة دمشق وأنجز في مدارسها دراسته الابتدائية والثانوية ومن ثم درس الطب في جامعتها وتخرج طبيباً في عام 1988. عمل بعدها في مشفى تشرين العسكري ثم سافر عام 1992 إلى بريطانيا للتخصص في طب العيون وعاد عام 1994 بعد وفاة أخيه باسل الأسد في حادث سيارة بدمشق. أُنتخب في عام 1994 رئيساً لمجلس إدارة الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية التي تقود النشاط المعلوماتي في سورية.

انتسب إلى القوات المسلحة وتدرج في سلك الخدمات الطبية العسكرية إذ كان يحمل في كانون الثاني / يناير 1994 رتبة ملازم أول، ورفع في تموز / يوليو 1994 إلى نقيب، وفي تموز / يوليو 1995 إلى رتبة رائد، وفي تموز / يوليو 1997 إلى رتبة مقدم، وفسرت المصادر السورية ذلك التقدم السريع بأنه نابع من التميز الشامل لبشار في دورة القيادة والأركان والمشروع النهائي الممتاز الذي قدمه خلالها. وأعلن في كانون الثاني / يناير 1999 عن ترقية بشار إلى درجة عقيد.

ومع وفاة والده في 10 حزيران / يونيو 2000 رُفّع بشار وعمره 34 عاماً و10 أشهر إلى رتبة فريق بشكلٍ سريعِ متجاوزاً رتبتين عسكريتين، وذلك بموجب مرسوم تشريعي، وذلك ليتم تمكينه من قيادة الجيش، كما تمّ تعديل فقرة من الدستور تختص بالعمر ليتم التمكن من انتخابه، ثم عينه الرئيس المؤقت عبد الحليم خدام قائداً للجيش والقوات المسلحة في اليوم التالي.

انتخب بعدها أميناً قُطرياً (للقُطر السوري، حسب المصطلحات المستخدمة) في المؤتمر القُطري التاسع لحزب البعث العربي الاشتراكي.

حماة  شاهدة على جرائم البعث

منذ تأسيسه أظهر حزب البعث معاداته اتجاه الأحزاب والحركات الإسلامية ولم يدخر جهدا في محاربتها وتطويق أنشطتها ليقوم بسجن عناصرها وقياداتها وقتل العشرات منهم، بالإضافة إلى سجن الآلاف منهم، كما أن السوريون يؤكدون أن سجون السلطات السورية مثل القبور من يدخلها لا يخرج منها.

وأظهرت مجازر مدينة حماة التي وقعت في 2 فبراير 1982 م، وكانت أوسع حملة عسكرية يشنها النظام السوري ضد جماعة الإخوان المسلمين ومعارضيه في حينه مدى جرم الحزب وإلى أي حد يمكن أن يمعن في الإجرام من أجل مصالح حتى لو كان ذلك على حساب شعبه.

 قامت آليات عسكرية تابعة للنظام بتطويق مدينة حماة وقصفها بالمدفعية ومن ثم اجتياحها عسكرياً, وارتكاب مجزرة مروعة كان ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين من أهالي حماة، ويتحمل عم الرئيس السوري رفعت الأسد المسؤولية الكاملة عن ارتكاب تلك المجزرة .

ورغم مضي الأعوام إلا أن ما شهدته تلك المدينة التي تتوسط الأراضي السورية ويقطنها قرابة 750 ألف نسمة يعتبر الأكثر مرارة وقسوة قياساً إلى حملات أمنية مشابهة. فقد استخدمت حكومة البعث الجيش النظامي والقوات المدربة تدريباً قاسياً ووحدات من الأمن السري في القضاء على المعارضة واجتثاثها.

وأشارت تقارير نشرتها الصحافة الأجنبية عن تلك المجزرة إلى أن النظام منح القوات العسكرية كامل الصلاحيات لضرب المعارضة وتأديب المتعاطفين معها، وفرضت السلطات تعتيماً على الأخبار لتفادي الاحتجاجات الشعبية والإدانة الخارجية.

وقدرت منظمات حقوقية حينها الخسائر البشرية في مدينة حماة نتيجة المجزرة المروعة مابين 30 إلى 40 ألف قتيل في حملة عسكرية استمرت لمدة 27 يوماً.