"حالة الطواريء".. كانت ولا تزال الأداة التي لا يستغنى عنها نظام استبدادي، فلطالما وفرت للمستبد الحماية من مجرد الاعتراض عليه، أو التفكير فيه.

لكن هذه الحالة فقدت فاعليتها في الأعوام الأخيرة، وبرغم قبحها الشديد، ووحشيتها التاريخية، إلا أنها بدت هزيلة أمام ثورة الاتصالات الحديثة كوسيلة لكبح جماح الجماهير، فانخدعت أعتى الأنظمة الأمنية ببقاء حالة الطواريء، ولم ينتبهوا إلى فقدانها أعظم أذرعها القهرية، والتي تتمثل في القضاء على إمكانية التجمع، أو إنشاء الأحزاب.

وإن كانت النخبة والمعارضة الحقيقية لطالما نادت برفع حالة الطواريء دون استجابة من الأنظمة الحاكمة، إلا أن الواقع المعاش، وإدراك الشباب له وقدرتهم على التفاعل معه هو الذي شلّ هذه الحالة العتيدة، حتى بدت "تشريعات القمع" كمن يسعى فاشلا للحاق بركب اتصالي .. تجمعي شديد السرعة.

إنه "فيس بوك"، و"تويتر".. أدوات التواصل الاجتماعي التي هزمت الطواريء، وبعيدا عن "تجريم التجمع" الذي تنص عليه قوانين وتشريعات الطواريء، فيجرمون اجتماع أكثر من خمسة أشخاص وعدون ذلك محلا للاشتباه، ومبررا للاعتقال، فإن الفيس بوك كان يجمع عشرات الآلاف تحت جروب واحد، ولهدف مشترك، ودون تنظميات سرية، في عالم افتراضي أثبتت التجربة عدم انفصاله، وسهولة تحوله إلى أرض الواقع.

جيش "الفيسبوك"

فاجأ الشباب العربي الأنظمة الحاكمة بصورة جديدة لشباب "الإنترنت"، و"الفيسبوك"، تخالف تماما ما أشيع عنه بأنه "جيل تافه"، ينشغل بحقائر الأمور، وليس له أية علاقة بالشأن العام.

وأكد لفيف من الباحثين والمثقفين خلال ندوة أقامها المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات في فندق شيراتون بالعاصمة القطرية الدوحة في أعقاب سقوط الرئيس التونسي السابق "زين العابدين بن علي" على أن "مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت، كان لها دورا بارزا في الثورة.

وقال الناشط الحقوقي التونسي "شوقي الطبيب" إن الفيسبوك كان "جيشا" حقيقيا تحرك جوا وبرا وبحرا حتى أسقط بن علي.

وأشار الباحثون أن ما ساعد على تعاظم دور"الفيسبوك" هو ازدياد أعداد مستخدميه، وبخاصة بين الشباب، حيث تجاوز عددهم في تونس المليونين، تتراوح أعمار غالبيتهم بين الـ18 والـ34.

وقال خالد قوبعة رئيس جمعية الانترنت في تونس "كانوا يحاولون إغلاق فيسبوك في الربع الأول من عام 2009، لكن الأمر كان بالغ الصعوبة؛ لذا  أقبل آلاف الأشخاص على استخدامه، حتى إن النظام بدأ يتراجع، لأنهم اعتقدوا أن حظره ربما يتسبب بالفعل في حدوث مزيد من المشكلات عن تركه متاح أمام المستخدمين".

وفي مصر ، الدولة التي بدت الأولى في منطقة الشرق الأوسط استخداما للفيسبوك ،استطاعت المعارضة الشبابية إثبات وجودها وتأثيرها خلال السنوات الاخيرة عبر استخدامها للإنترنت، وفي عام 2008 دعا ناشطون على الفيسبوك إلى إضراب يوم 6 إبريل، وشارك في هذه المجموعة أكثر من 71 ألف شخص.

وقال الناشط المصري على الفيس بوك "مروان عبد العزيز" إن ما حدث في تونس أثّر بوضوح على الشارع المصري ، مبينا أن البداية انطلقت من الفيس بوك حيث أطلقت مجموعة "كلنا خالد سعيد" موقعا لها على الفيس بوك ، وتمكنت من جمع آلاف الناقمين على الممارسات القمعية لوزارة الداخلية، وقد ساهمت هذه المجموعة نفسها في الدعوة والحشد ليوم الغضب المصري.

ويبدو أن السلطات المصرية أدركت التأثير القوي لمواقع التواصل الاجتماعي في لحظة ضائعة، وتعاملت مع هذا الأمر بطريقتها المعتادة "المنع والقطع"، فحجبت في البداية موقعي فيسبوك وتويتر ثم عطلت شبكات الهواتف المحمولة، وقطعت خدمة الإنترنت عن البلاد، وهو ما دفع الكثيرين من مستخدمي الإنترنت وغيرهم إلى تصعيد الاحتجاج ونقله بنجاح من العالم الافتراضي إلى ميدان التحرير.

 ساعد الثورة ولم يخلقها

هل وجود مواقع التواصل الاجتماعي هو الذي صنع الثورة؟، أم أنه ساهم في نجاحها، وحولها من احتجاجات فردية وضيقة، إلى تنظيم قوي؟

قال المفكر العربي الدكتور "عزمي بشارة" أن مواقع التواصل كان لها تأثير كبير في ثورة تونس، لكنه رفض التهويل من تأثيرها وقال "لو جلس الجميع على فيسبوك لما قامت الثورة.. لقد أصبح كل من لديه فيسبوك يظن أن له دورا كبيرا في صناعة التاريخ.. هذه المواقع قامت فقط بدور التعبئة الأيديولوجية في الثورات".

وأعرب تشارلي بيكيت، مدير مركز بوليس للأبحاث في لندن عن أهمية مواقع التواصل الاجتماعي في تجميع الناشطين، والتنسيق بينهم ولكنه رفض القول بأن تكون هي من خلقت الثورة.

وقال "بيكيت": "مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت لا تخلق ثورات، بل يخلقها الفقر والغضب والحكام المستبدون، لكن في هذه الحالات شاهدنا كيف عملت مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت على تنظيم الناس والترويج للرسالة، وكانت وسيلة للهجوم على من هم في السلطة، ولإبلاغ العالم الخارجي أن الناس هنا غاضبون ومتحمسون، لذلك أعتقد أن مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت كانت فعالة بصورة ملحوظة في وقت قصير جدا".

ويرى الكاتب كايد القصاصي أن فيس بوك لعب دوراً هاماً في تشكيل الرأي العام وتحريك الشعوب, فاستعماله تناغم مع الوسائل الحديثة والتقرب من شريحة واسعة من الشباب التي تستخدم مواقع التواصل الاجتماعي واستثمار قدرات وطاقات الشباب ايجابياً لانخراط أوسع في القضايا الوطنية الملتهبة, فالعالم يتحدث عن الفيس بوك واليوتيوب وهي وسائل اجتماعية للتواصل بين الناس, فعندما اكتشف الشباب دورها الاجتماعي قلبوها وحولوها لوسيلة للتواصل السياسي فأصبحت أداة سياسية للتغيير, وهذا دلالة واضحة على أن الذي يجري اليوم هو شيء يختلف تماماً عما هو مألوف وهذه فقط البداية.

 التأثير القادم

اكتسب الفيسبوك المزيد من الشعبية بعد الثورة المصرية، فقد أثبتت الإحصائيات تزايد أعداد مستخدميه بعد ثورة 25 يناير بمعدل مليون شخص، حيث ارتفع عدد زواره من 4 مليون و200 الف شخص خلال شهر يناير الماضيـ إلى 5 ملايين و200 الف شخص خلال شهر فبراير الماضى.

وقال محمود علم الدين رئيس قسم الصحافة بكلية الإعلام إنه يرى أن الفترة المقبلة ستجعل التكنولوجيا الحديثة مسؤولة عن صياغة عقول الشباب، خاصة مجموعات الـ«فيس بوك» التي تعتبر ساحة للتعبير عن الخواطر والمشاكل والإحباطات والأحلام المستقبلية من خلال أفكار متنوعة تجتمع على قضية واحدة.

وأدرك الجيش المصري هذا التأثير المتنامي للفيسبوك، فحرص على إنشاء صفحة رسمية له يتواصل عبرها مع الشباب المصري، وكذلك حرصت الحكومة الجديدة على الأمر ذاته.