"وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى" آية في كتاب الله تعالى، أنزلت على خيرِ البشرِ محمد صلى الله عليه وسلم، لكن الغرب تأخر كثيرًا في إدراك معنى هذه الآية؛ فبرزت مؤخرًا فكرةُ الفصلِ بين الجنسين في التعليم، بعد أنْ دفعت الفروقُ السلوكيةُ والبيولوجيةُ بين الرجل والمرأة عددًا من خبراء التربيةِ الغربيينَ إلى الاستفادةِ من تلك الحقيقةِ في مجال التعليمِ، ومن هنا ولدت فكرةُ "مدارسِ الجنسِ الواحدِ" بالولايات المتحدة وأوروبا.

ولم يُخفِ الكثيرونَ استغرابهم من مجرد التفكير في هذا الأمر، بينما نظر إليها آخرون باعتبارها حرية ذاتية ينبغي أن ينعم بها الأفراد في المجتمعات الديمقراطية، فإذا لاقت نجاحًا فيها ونعمت؛ وإلا فسيَثبُتُ فشلُها، من هذا المنطلق أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش عن عزمها تشجيع مبدأ عدم الاختلاط يبن البنين والبنات في المدارس، وذلك في العودة إلى قانونٍ كان يطبقُ قبل ثلاثينَ عامًا.

ومن أبرزِ المنظماتِ الأمريكيةِ الفاعلةِ في مجالِ التعليمِ غيرِ المختلطِ: المنظمة الوطنية للتعليم العام غير المختلط والمعروفة اختصارًا بـ (NASSPE) وقد تأسست عام 2002م.

ومؤسسة تعليم الفتيات، والتي تأسست عام 2002م، ومنظمة الائتلاف الوطني لمدارس الفتيات (NCGS)، وغيرها.

وفي بريطانيا تأسست منظمةُ "مدارس الفتيات" (GSA) عام 1974م لدعم مشروعات التعليم غير المختلط، وهذه هي المنظماتُ الأشهرُ فقطْ، وإلا فسواها كثيرٌ.

الرافضون لهذه الفكرة أثاروا الحديث عن المخاطر المترتبة على "كبت الرغبات" عند الأولاد والفتيات، في حين رأى المؤيدون أن الفصل بين الأولاد والفتيات سيؤثر إيجابًا على مستوى التعليم، وتطوَّرَ الأمرُ إلى أن وضعته وزارة التعليم في إطار مرحلةِ الدراسة الجادة، بل أعلنت الوزارةُ اقتراحاتٍ بتوسيعِ نطاقِ الاختياراتِ التربويةِ من أجلِ إقامةِ مدارسَ غيرِ مختلطةٍ، وأن الهدف من هذا الإجراء هو توفيرُ وسائلَ جديدةً لمساعدةِ التلاميذِ على التركيزِ في الدارسة وتحقيقِ نتائجَ أفضل.

وعلى أرض الواقع بدأت العديدُ من المدارسِ الأمريكيةِ فصلَ الأولادِ عن البنات، وعلى رأسها مدرسةُ 'شينفيلد' الثانوية في حي 'برنت وود' وسط مدينة 'أوستن' عاصمة ولاية 'تكساس'، حيث قال مدير المدرسة الدكتور أُوز بورن: قد يبدو قرارُ فصلُ الطلبةِ عن الطالباتِ انتكاسةً إلى الماضي، لكنْ في الحقيقة القرارُ اتُّخذَ لصالحِ مستقبل أبنائنا من الجنسينِ، فقد اكتشفنا أن الطالباتِ ـ في التعليم المختلط ـ يضيعن وقتًا في الاهتمام بمظهرهن وبنظرات الأولاد إليهن، ومع وجود الطلاب يفقدن زمامَ السيطرةِِ وتضيعُ أهدافهنَّ.

البروفيسور أميليو فيانو وهو من رجالِ القانونِ، وفي نفس الوقتِ متخصصٌ في التربيةِ، أثبتَ بالدراساتِ العمليةِ المتعمقةِ ارتفاعَ مستوَى التحصيلِ الدراسيِّ لدى الذكورِ والإناثِ في حالة الفصلِ بينهم أثناء الدراسةِ.

وأضاف فيانو: إن بعضَ الفتياتِ قد يشعرنَ بميلٍ إلى الفتيان؛ الأمر الذي يحرمهُنَّ من تطويرِ حياتهن الاجتماعية، وكذلك الحال بالنسبة لكثير من التلاميذ الذين يفضلون الانفصالَ عن الفتياتِ حتى لا يتحتمَ عليهم الالتزامُ ببعضِ الهيئات التي يرونها ضروريةً في حضورِ الفتياتِ.

وفي هذا الصددِ أيدت 'الجمعيةُ الوطنيةُ لدعمِ التعليمِ غير المختلط' وجهةَ نظرِ فيانو، وعرضت دراسةً أجرتْهَا جامعةُ 'ميتشيجن' في بعض المدارس الكاثوليكيةِ الخاصةِ المختلطةِ وغير المختلطةِ تفيدُ أنَّ الطلابَ في المدارسِ غير المختلطةِ كانوا أفضلَ من ناحيةِ التحصيلِ الدراسيِّ.

يقول البروفسور الألماني 'يودفو ليفيلتز' كبير علماء الجنس في جامعة برلين في إحدى دراساته الجنسية بأنه درس علوم الجنس وأدواره وأدويته فلم يجدْ أنجحَ ولا أنجعَ من قول الكتاب الذي نزل على محمد {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ 30 وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، ولن يتأتى ذلك إلا بمنع الاختلاط" (1).

لينورد ساكس طبيب أمريكي حاصل على درجةِ الدكتوراه، وضع عملَهُ الطبيَّ جانبًا ليسخرَ حياته لنشرِ فكرةِ التعليمِ المنفصلِ بين الجنسينِ بالولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ، بل إنه أصبحَ على رأسِ المدعوين بالمؤتمراتِ التربويةِ بجميعِ أنحاءِ العالمِ للتحدثِ عن تجربته التي قابلها الكثيرونَ بالاستغرابِ في البداية ثم ما لبثُوا أن صفقوا له إعجابًا وتقديرًا لاقتناعهم بفوائدِ التعليمِ المنفصلِ بين الجنسينِ.

ويقول ساكس: إن أفضلَ طريقةٍ لتعليمِ الأولادِ ليست هي أفضلَ طريقةٍ لتعليمِ البناتِ،والعكس بالعكس فإنَّ أفضلَ طريقةٍ للبناتِ ليست هي أفضلَ طريقةٍ للأولادِ.

وألّفَ الدكتورُ لينورد ساكس كتابًا يعبِّر فيه عن فكرتهِ تفصيلاً بعنوان: "لماذا يكونُ تحديدُ الجنسِ مهمًّا عندَما يتعلقُ بالتعليم" ، كما أنه يشغل منصب المدير التنفيذي للجمعية الوطنية للتعليم المنفصل بأمريكا.

ويؤكد ساكس أنَّ الحلَّ في قضية التعليم الناجح يكمنُ في الفصلِ بين الجنسين،

"وإن الأبحاثَ التي تمت على الدماغِ أثبتت بشكلٍ واضحٍ بأن أدمغةَ الإناثِ والذكورِ تنمو وتتطورُ بشكلٍ مختلفٍ تمامًا عن بعضها البعضِ، والحقيقةُُ المذهلةُُ هي أن الصفوفَ المختلطةَ تلحق الضررِ بكل من الأولاد والبنات"

لكن معارضًا لساكس سأله قائلاً: ألا يكون فصل الأطفال حسب نوع جنسهم هو نوع من الفصل العنصري؟؟

فرد ساكس ردًا علميًا: لا يمكنكَ رؤيةَ أنسجةِ المخ من تحت الميكروسكوب لتخبرني هل جاءت من شخصٍ أبيضٍ أم من شخصٍ أسودٍ، في حين يمكنكَ رؤيةَ أنسجةِ المخِّ من تحت الميكروسكوب لتخبرني هل هي أنسجة مخِّ رجلٍ أم أنسجةِ مخِّ امرأةٍ"

ويدعِّم ساكس أطروحتَه بالإحصائيات التي تشيرُ إلى أن نسبةَ النموِّ بالمدارس غير المختلطةِ وصلت إلى عشرةِ أضعافٍ مقارنةً بعام 2002م فقد كانت عدد المدارس 11 مدرسة ووصلت الآن إلى 103مدرسة .

وقد عرض مقطعُ فيديو انتشرَ على شبكة الإنترنت آراءَ طلابٍ وطالباتٍ حول التعليمِ المختلطِ وغير المختلطِ؛ فتقولُ إحدى الطالبات: لم أرَ أبدًا مجموعة من الفتيات اليافعات أكثر ثقةً وانفتاحًا على العالمِ الخارجيِّ مثل هذه المجموعة من الفتيات؛ فعندما تكون في بيئة مستقلة من الفتيات فقط، تسقطُ الحدودُ وينفتحُ الجميعُ بعضهُم على بعضٍ، فالفتيات يعرفنَ من هنَّ ويستطعنَ إنهاءَ الجملةِ التي تبدأُ بـ: أنا أجيدُ كذا، فمن المهمِّ أنْ يشعرَ الفتياتُ بالأمانِ كفتياتٍ.

بينما تقول فتاةُ أخرى: أعتقدُ أنهُ من الأفضلِ للفتياتِ أن يكنَّ محاطاتٍ بالإناثِ فقطْ، وليس هناك سببٌ يجعلني أعتقدُ بأنِّي لست جيدةً فجميعنا متشابهاتٍ وجميعنا فتياتٍ، فلا أحدَ منَّا يهتمُّ بالماكياج؛ فنحنُ أتينا للمدرسةِ من أجلِ أنْ نتعلمَ، وفي كثيرٍ من الأحيان لا أهتم بمظهري، عندما استيقظ في الصباح فقط أنهض وأرتدي ملابسي وأذهبُ للمدرسةِ.

كما أظهرت دارسة لمجلة 'نيوزويك' الأمريكية أرقامًا وإحصاءاتٍ تفيد بأن الدراسات في كليات الفتيات (غير المختلطة) تجعل الفتيات أكثر تفوقًا ونجاحًا في الدارسة وفي حياتهن العملية بعدها.

ولم يقتصر هذا الأمر على الولايات المتحدة وحدها، بل انتقل إلى بريطانيا، حيث أكدت بحوثٌ منشورةٌ في العديد من الدوريات أن المدارسَ التي حقق طلبتها تفوقًًا واحتلت المراتبَ التسع والعشرين الأولى في بريطانيا هي مدارس غير مختلطة؛ إذْ حققت 15 مدرسةً خاصةً بالذكور و14 مدرسةً خاصةً بالإناث التفوقَ على غيرها من المدارس .

وتؤكد الإحصاءات أنه عندما يدرس كلُّ طرفٍ بعيدًا عن الطرف الآخر فإن التفوق العلمي يتحقق، أما في وسطِ التعليمِ المختلطِ أخفقَ البناتُ في تحقيقِ التفوقِِ في العديد من المواد الدراسيةِ؛ وقد أيدت الإدارةُ التعليميةُ في منطقة 'نيوهام' هذه الحقائق في دراسةٍ تحليليةٍ.

وحول احتمالية تأثير ما يجري بشأن الفصل بين الجنسين في الغرب على بلاد الشرق يقول الدكتور عاطف مفتاح، الأستاذ بكلية الخدمة الاجتماعية جامعة حُلوان: من المؤسفِ أنَّنا في بلادنا لا نستمعُ إلى من ينصحُ بفصلِ الأولادِ عن البناتِ في العمليةِ التعليميةِ؛ لكنْ إذا جاءت الأبحاثُ المؤيدةُ لذلك من الغربِ قلنا سمعنا وأطعنا، ولعل الفترةَ المقبلةَ تشهدُ إقبالاً على هذا النوع من المدارسِ.

  


(1). من كتاب "الغرب يتراجع عن التعليم المختلط" للمؤلف "بيفرلي شو" ترجمة وتحقيق: وجيه حمد عبد الرحمن