الصراع في الساحة العراقية .. خفايا وأولويات

الصراع في الساحة العراقية .. خفايا وأولويات


لا يمكن بأي حال من الأحوال حصر الصراعات التي تجري في العراق بين مشروعين اثنين، بل هي صراعات متداخلة بين مشروعات عدة؛ قلة منها واضحة المعالم ويمكن تحديد ملامحها بسهولة، غير أن الصراع بين المشروع الصهيوني ممثَّلاً بالعدو الأمريكي والدول المتحالفة معه والشخصيات العراقية التي أدمنت العمالة واستمرأت الاستعانة بالأجنبي من جهة، والمشروع العربي الإسلامي ممثَّلاً بالمشروع الجهادي الذي تقوده المقاومة في العراق ومعها العرب و المسلمون الرافضون للوجود الأجنبي والنفوذ الإيراني الذي يمثل المشروع الصفوي من جهة أخرى؛ هذا الصراع هو الأكثر فهماً من العموم، وإن لم يكن هو الأهم.

المشروع العربي الإسلامي يصارع من أجل البقاء والحفاظ على دوره ووجوده، ووجود المؤمنين به وقيمهم ومبادئهم وتطلعاتهم لمستقبل واعد يضمن لأبناء الأمة العربية وعموم المسلمين وأجيالهم اللاحقة حياةً كريمة، في إطار نهضة حضارية علمية فكرية تؤمِّن لهم دوراً فاعلاً ومؤثراً في المحيطين الإقليمي والعالمي، ويستمر هذا المشروع في دفاعه عن وجوده أملاً في انقلاب جذري يتحول من خلاله إلى موقف هجومي قادر على نشر قيمه ومبادئه في أنحاء أخرى من العالم، على اعتبار أن المؤمنين به مكلَّفون بتبليغ رسالة ربانية للناس كافة؛ ارتضاها لهم ربهم أكمل دين وأتم نعمة.

وفي المقابل يسعى طرف الصراع الثاني، أي المشروع الصهيوني، للانقضاض على المشروع العربي الإسلامي ونهب موارده الطبيعية وثرواته، ومسخ قيمه ومبادئه بما يتلاءم مع سمات المشروع الصهيوني وما يمثله من إرادة طامعة؛ تحاول فرض رؤاها وتطلعاتها في إعادة رسم الجغرافية السياسية للمنطقة كما يريدها أرباب المشروع من المحافظين الجدد بأن تكون العراق نقطة انطلاق نحو الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، ومن ثم أمركة العالم وعولمته على أسس مشروع القرن الأمريكي الجديد بمحدداته الزمنية لنصف القرن الحالي، على الأسس التي كرسها انهيار الاتحاد السوفييتي وطغيان سياسة القطب الواحد بما تعنيه من هيمنة عسكرية واقتصادية وسياسية، وفرض نمط العيش الأمريكي على العالم بدءاً من العراق، كما أسلفنا، بما تعنيه من إلغاء تام للكيانات الحالية (أي الدول)، وخلق حكومات اللا دول واستبدالها بشكل من أشكال الحكم الذي يعتمد على سلطة الشركات متعددة الجنسيات.

قراءة نتائج العدوان على العراق بعد خمس سنوات تشير إلى قدرة المقاومة في العراق على إيقاف عجلة تقدم المشروع الصهيوني وإرباكه من وجهة نظر بعض المحللين، أو تأجيله من وجهة نظر محللين آخرين. لكننا نرى بوادر هزيمته تلوح في الأفق على الرغم من محاولات الالتفاف على هذه الهزيمة عبر خطط فرض القانون وزيادة عدد قوات العدو، وأخيراً (تشكيل مجالس الصحوات)[1]. وتبقى مسؤولية هزيمة المشروع الصهيوني في العراق شأناً لا يعني المقاومة في العراق والشعب العراقي وحدهما، بل هي مسؤولية كل المؤمنين بالمشروع العربي الإسلامي. ويمكن أن تكون روسيا، و الصين، وشعوب أوروبا الرافضة للأمركة والعولمة والتجارة الحرة والهيمنة وغيرها معنيّةً هي الأخرى؛ فهذه الشعوب بعد ما مضى من أعوام أدركت جيداً أنها مستهدَفة هي الأخرى في مرحلة لاحقة تعقب نجاح مشروع احتلال العراق، وأن حفاظها على حريتها وسيادتها وخصوصيتها الثقافية ومصالحها الحيوية رهنٌ بنجاح مشروع المقاومة وهزيمة المشروع الآخر.

وفي دائرة أخرى من دوائر الصراع، هناك ما يشير إلى وجود صراع بين مشروعين آخرين يرتكزان على أسس فكرية: الفكر السلفي بوصفه محركاً لمشروع المقاومة في العراق، والتشيع الصفوي بوصفه جزءاً من المشروع الصهيوني وشريكاً له في إدارة الصراعات في المنطقة والتي تتخذ من العراق ساحة لتصفيتها وحسمها. فبعد أن انتفت الحاجة إلى استغلال الفكر السلفي في هزيمة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان لكونه أحد ضرورات الحرب الباردة ومتطلباتها، حيث توافقت الإرادتان وتقارب هدفهما؛ فإن أول من دشن الحرب على الفكر السلفي هم إدارة المشروع الصهيوني ذاته، وفق ما أعلن بالحرب على الإرهاب في أعقاب الحادي عشر من أيلول / سبتمبر. لا يمكن أن ينكِر وجود صراع فكري معلَن بين الفكر السلفي وهو يدافع عن وجوده وبين الفكر الصفوي، وأن كلاً منهما يريد استئصال الآخر من أرض العراق، وأنه يتخذ شكلاً من أشكال صراع الوجود الذي لن ينتهي إلا بنهاية أحد طرفيه؛ إلاَّ من أراد أن ينقل ماء البحر بعود ثقاب.

منذ الأيام الأولى لفوز قائمة الائتلاف في (انتخابات) الجمعية الوطنية في 30/1/2005م؛ كان العراقيون ينظرون إليها بمثابة اعتراف رسمي بالاحتلال الإيراني للعراق، حيث شكِّلت (الحكومة) الانتقالية بمهام محددة، أبرزها وأخطرها على مستقبل العراق كتابة الدستور الدائم ثم الاستفتاء عليه في 15/10/ 2005م، وإقراره أو تمريره بالاتفاق مع الحزب الإسلامي العراقي، لكونه ضمن المشتركين في البرلمان العراقي.

كان واضحاً أن زعماء قائمة الائتلاف يعيشون حينها في سباق مع الزمن لاستغلال كل دقيقة منه لتصفية حساباتها مع من ترى فيهما عدوين لها يشكل بقاؤهما تهديداً لوجودها ومستقبل مشروعها، أولهما: الفكر العربي، بمعنى التمسك بعروبة العراق وحمايته من (التفريس)، وتجريم أي اعتقاد أو إيمان بأي فكر ما خلا الفكر الصفوي الشعوبي الذي يراد له أن يسود قبل حلول العام 2020م حسب الخطة الخمسينية التي أعدها منظِّرو الثورة الإيرانية. وقد يكون قانون اجتثاث البعث فكراً وليس أفراداً بعثيين هو الخطوة العملية التالية بعد تمرير الدستور. أما العدو الثاني: فهو الفكر السلفي بما يصفونه - بزعمهم - بالوهابي والتكفيري والإجرامي وغيرها من الصفات التي يوصف بها لتسويغ القضاء عليه وعلى المؤمنين به وإبادتهم، أي العرب من أهل السنة تحديداً. وفي الوقت الذي يطلق أقطاب المشروع الصفوي وزعاماته وأتباعه صفة التكفير على المؤمنين بالفكر السلفي؛ فإنهم مارسوا ويمارسون الفعل ذاته الذي يرون جواز محاربة الآخر وإبادته، بينما يستكثرون عليهم الدفاع عن أنفسهم وفكرهم ووجودهم.

في الإطار الفكري المجرد، يمكن القول: إن هناك شيعة، ولكن ليس هناك فكر شيعي له الصفات والمقومات والأسس التي تؤهله ليكون مذهباً فقهياً، بل هناك حركة دينية سياسية تمتد لعدة قرون مضت لعبت خلالها دوراً مهماً ومؤثراً في التاريخ العربي الإسلامي. ولم يكن التشيع بعيداً عن لعب أدوار سياسية، بغض النظر عن طبيعتها في أي مرحلة زمنية من مراحل التاريخ العربي الإسلامي، بل دائماً ما يغلب السياسي على الديني دون أن يعتمد بالضرورة على النصوص الفقهية، حتى تلك التي وضعها الإمام جعفر الصادق - رضي الله عنه - الذي يعدونه مرجعاً فقهياً لهم.

هذا عن التشيع عموماً.

أما التشيع الصفوي فهو - فيما أحسب - ليس أكثر من مزيج بين المبادئ والأسس التي قامت عليها الديانة المجوسية وبين مقومات القومية الفارسية. أما أتباع الطرف الآخر في الصراع، أي الفكر السلفي؛ فهم يرون استهدَافهم المعلَن من أرباب التشيع الصفوي؛ إذ لا يكاد يمر يوم دون أن تَصدُر تصريحات أو بيانات أو تحريضات صفوية تدعو علناً لاستئصال (الفكر السلفي) والقضاء على ( الوهابيين الضلاليين الإجراميين التكفيريين)[2].

وتماشياً مع الرغبة الصهيونية الصفوية المشتركة؛ استُدرِج تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين إلى ساحة هذا الصراع الفكري بما فيه من أخطار وتداعيات، واتخذ المشروع الصهيوني بالشراكة مع المشروع الصفوي نهجاً مزدوجاً ومشتركاً؛ أحدهما: الدفاع عن عقيدتهما الدينية بما فيها من أوجه تقارب فكري متعدد وجذور فكرية تغطي مساحة لا بأس بها مما هو مشترك بينهما. والآخر: على النهج المتبع ذاته لدى الصفويين؛ بالعمل على استئصال الآخر بدوافع دينية وعرقية. وبذلك تكون دفة الشراع في العراق الآن موجَّهة من طرفي الصراع اللذين يستتران خلف واجهات دينية أو سياسية منتمية إلى المجتمع العراقي، وقد نجحت زعامات التشيع الصفوي في عملية الخلط بين تنظيم القاعدة وبين العراقيين جميعاً من أهل السنّة والجماعة باسم (السلفيين) أو (الوهابيين)، فيما لم يُخلط بين أتباع التشيع الصفوي وغيرهم من شيعة العراق.

ما تقدم يشكِّل استعراضاً لأهم الصراعات التي تدور رحاها على الساحة العراقية. وهي كما أشرنا من نوع الصراعات ذات الملامح البيِّنة الحدود والأهداف والخلفيات، وهو ما ألقى على المقاومة في العراق مهام كبرى في التعاطي مع الفروع المعزِّزة للمشروع المعادي؛ كالأحزاب الدينية الشيعية والسنية، والأحزاب الكردية، وبعض مجالس الصحوات، والعملية السياسية بشقيها: الحكومة و مجلس النواب. إضافة إلى ما يعتري ساحة العمل المقاوم في العراق من انشقاقات وإعادة تكتل برؤى جديدة مستندة إلى التطور الحتمي لواقعها وواقع القوى الفاعلة من حولها؛ فإنها تجد نفسها في مواجهة مشروعين غاشمين في آن واحد. وإن بدا أن هناك ما يشي بصدام بينهما في عموم مناطق جنوب العراق؛ فإنه ليس أكثر من صدام مرحلي لا يغوص بعيداً في عمق ما بينهما من أهداف حيوية مشتركة، وهما يجتمعان معاً في مواجهة مشروع المقاومة في العراق، بل هو في حقيقته تضاد مصالح بين كتل حزبية وقوى سياسية، واتجاهات دينية شيعية، وصراع نفوذ على مكاسب سياسية ومناطقية ومصالح مادية لا علاقة لها بوجود قوات الاحتلال. وإن استُهدِفت في البصرة وغيرها؛ فإنما هو لوقوف قوات الاحتلال إلى جانب جهة متصارعة في مواجهة أخرى، ليس إلا.

في لحظةٍ ما وجد أرباب المشروع الصهيوني أنفسهم وحيدين في مواجهة حقيقة انفضاض أنصارهم المفترضين الذين سوغوا لهم غزو العراق، واستجلبوهم معهم ليحملوا المحتل على أكتافهم. لم يكن ولاء هؤلاء للغزاة كما توهموا، بل كان لإيران فقط وليس لغيرها. وهذه الحقيقة تعني فقط أدوات المشروع ومنفذيه. أما قادة المشروع الصهيوني؛ فإن هذه الحقيقة لا تعنيهم بشيء، فهم يدركون حقيقة العلاقة بينهم وبين أرباب المشروع الصفوي، خلافاً لما يشاع في الإعلام عن خلافات بين إيران و الولايات المتحدة.

العلاقات الإيرانية الأمريكية ليست مجرد علاقات تنسيقية على مستويات حزبية أو علاقات على مستويات مؤسسات الدولة المختلفة، وإنما هي على مستوى ما هو مشترك بينهما من مشروعات سياسية تستند إلى معطيات إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي تنفذها مؤسسات الإدارة الأمريكية الاستخبارية، و البنتاغون، و البيت الأبيض والخارجية الأمريكية، والخطط الصفوية بعيدة المدى التي تنفذها مؤسسات استخبارية أيضاً (الحرس الثوري)، والمرجعيات الدينية، ومؤسسة الحكم القائم التي تستند إلى مبدأ ولاية الفقيه بجناحيها الإصلاحي والمحافظ.

وعلاقات حيوية كهذه هي بالتأكيد علاقات سرية بين صناع القرار وراسمي السياسات في البلدين؛ إذ إنها مرفوضة ظاهرياً بالنسبة للشعب الإيراني الغارق في لُجّة الخطاب الإعلامي والمخدوع بالعداء للشيطان الأكبر والكيان الصهيوني.

وإيران أيضاً لم تعترض، وهي قادرة، بل شجعت تعميق التحالفات بين الإدارة الأمريكية وبين حلفائها في حزب الدعوة الذي يقود حكومة الاحتلال الحالية في بغداد بالمشاركة مع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الإيراني المنشأ والتمويل والولاء والأداء. إن العدو الأمريكي لن يحقق لأهل السنّة والجماعة في أي مسألة كانت، وإن موقفه في حال نشوب حرب سنيّة شيعية لن يكون كما هو معلن رسمياً بأنه سيقف على الحياد، بل سيكون إلى جانب الشيعة ضمن إطار تبنّي المحافظين الجدد سياسة الدفاع عن مظلومية الشيعة، وهي إحدى أهم المسوغات الخفية للعدوان على العراق. ويكفي التذكير برسالة المرجع الديني علي السيستاني التي حملها عادل عبدالمهدي نائب رئيس جمهورية الاحتلال إلى الرئيس بوش، خريفَ 2006م، والتي أراد منها الاطمئنان على استمرار وقوف الإدارة الأمريكية إلى جانب الشعب العراقي (أي الشيعة) كما صرح عبد المهدي. لهذا؛ فإن العدو الأمريكي لم يحقق لأهل السنّة والجماعة شيئاً ولن يحقق شيئاً؛ إلا باستمرار استنزافه بشرياً واقتصادياً، على العكس مما تتوهمه الواجهات السياسية للعرب السنّة الغارقة في أوهام تحقيق المصالح عبر العملية السياسية.

برز في الأشهر الأخيرة على الساحة العراقية خطاب سياسي جديد تبنته بعض فصائل مشروع المقاومة في العراق، أعاد بموجبه صياغة أولويات الصراع، عادّاً إيران هي العدو الأول، وهو ما يستوجب تحييد العدو الأمريكي أو مهادنته للالتفات إلى العدو الآخر، وهو ما يشكل خطراً على مشروع المقاومة في العراق. لذا؛ فإن الموقف المطلوب في الوقت الراهن يتمثل في أنه لا يمكن مهادنة العدو الأمريكي بأي شكل كان، بل يبقى عدواً أولاً كما هي إيران. وإن كان الأخير يشكل خطراً أكبر على عقيدة المعنيين الأساسيين بمشروع المقاومة في العراق؛ فهو يمتلك مشروعاً إمبراطورياً كسروياً شعوبياً يستهدف انتماءهم العربي الإسلامي وثقافتهم، يدفعهم لذلك حِقدٌ تاريخي يمتد إلى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي فتح بلادهم عنوة وأسقط إمبراطوريتهم. ولدى إيران أيضاً أطماع تاريخية في أرضهم وثرواتهم، كما أنها تشترك معهم في جوار جغرافي لا فكاك عنه. على العكس من العدو الأمريكي الذي له أهداف قد يتخلى عنها في القريب العاجل وفق معادلة التوازنات الدولية ومتغيراتها واختلاف طبيعة مصالحها وأهدافها. وإيران لديها سياسة معلنة منذ مجيء الخميني للسلطة؛ تتمثّل في تصدير الثورة الإسلامية إلى العراق وبقية البلدان العربية، وهو المشروع الذي شنّت لأجله عدوانَها على العراق مدة ثماني سنوات. ولم يستطع العراق القضاء عليه، بل تمكن من تأجيله إلى حين احتُل العراق سنة 2003م بشراكة إيرانية رسمية اعترف بها كلٌّ من الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي ونائبه أبطحي، وذكّر به أحمدي نجاد في أكثر من مناسبة، ولا سيما أثناء زيارته إلى أفغانستان سنة 2006م أثناء حرب تموز في لبنان؛ حيث أشار وهو في غمرة الأجواء الإعلامية الصاخبة التي رافقتها إلى قيام دولة المهدي، أكثر من مرة.

يحاول الكثيرون من المهتمين تصوير ما يجري في العراق من اقتتال بأنه حرب طائفية، وهو مفهوم خاطئ في حقيقته؛ إذ إن ما يجري هو حرب بين مكونات في إطار الصراع الدائر؛ فالمجتمع العراقي ليس مجتمع طوائف بل مكونات، وأقصى ما يمكن القول فيه: إنها حرب دينية.

تشكل أحداث سامراء المفتعلة منعطَفاً مهماً في مسلسل استهداف مشروع المقاومة في العراق والمعنيين به من أهل السنّة والجماعة، وهي التفجيرات التي لم تستطع الأجهزة الأمنية الأمريكية أو العراقية أو الإيرانية إقناع الآخر بأن العرب السنّة هم الفاعلون، حيث بلغ عدد الذين اعترفوا بمسؤوليتهم عنها أكثر من سبعة توزعوا على مُدَد زمنية متعاقبة تكفي لنسيان ما سبق من اعترافات من جهة، وإعادة زخم الشحن العدائي كلما خفّت حدته لدى الشيعة من جهة أخرى. وعلى الرغم من الحملات الإعلامية المكثفة المرافقة لكل اعتراف منتزع قسراً؛ غير أنها جميعاً فشلت في إقناع الآخر المستهدف، أو المحايد الذي بات على يقين بأنها اعترافات انتُزِعت قسراً تحت التعذيب، وبخاصة في عهد داخلية (صولاغ) الذي فاق في بشاعته حدود ما يمكن تخيله؛ فأثناء الدقائق العشر الأولى التي أعقبت التفجيرات كانت هناك آلاف الشعارات التي يحملها مئات الآلاف من الغاضبين؛ فمتى كُتبت هذه الشعارات إذن؟ وكم من الساعات يحتاجها المنظِّمون لتلك المسيرات لإنجازها؟ وفي الساعة الثانية عشرة ظهراً، أي بعد أربع ساعات فقط؛ كانت بغداد قد سقطت بأكملها تحت سيطرة الميليشيات الشيعية؛ حيث أُحرق حوالي مائتي مسجد، وقُتل واختُطف واعتُقل حوالي ثلاثة آلاف من أهل السنّة، في وقت كانت حكومة الجعفري تفرض حظْراً للتجول على كامل مدينة بغداد والمحافظات السنيّة. في تلك اللحظات؛ صار لزاماً على المقاومة في العراق أن تعيد النظر مكرَهة في أولويات صراعها؛ وهو بالتأكيد هدف إستراتيجي يتمثل في الوقوف في وجه المخطط الصفوي، والمشروع الصهيوني الأمريكي.

:: البيان تنشر - مـلـف خـاص- (الـخـطـر الإيـرانـي يـتـمـدد)


 (1) نُقِل عن الشيخ حارث الضاري في المقابلة معه عمَّا يسمى بمجالس الصحوات: إن مجالس الصحوات منها ما هي ضد ما أصاب مناطقهم من عسف وجور من الحكومة وغيرها، وهؤلاء انتفضوا للدفاع عن أنفسهم من غير أن يستعينوا بالاحتلال، فهؤلاء معذورون؛ لأنهم في موقف المدافع الصائل وهو جائز، أما النوع الثاني وهي التي يطبل لها الاحتلال وعملاؤه؛ فهذه غفوات وليست صحوات، وبخاصة ممن رضيت لنفسها أن تعمل مع المحتل، البيان، العدد 244 لشهر ذي الحجة، ص 53.

(2) يصف بعض الشيعة الاتجاه الوهابي السلفي المنسوب لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - بهذه الصفات الظالمة وهم من أكثر الناس تكفيراً لغيرهم! انظر - على سبيل المثال - مقالة: د / عبد العزيز كامل، بعنوان: (وماذا عن التكفيريين الشيعة؟)، www.soaaid.net  في موقع (صيد الفوائد)

 

أعلى