العراقية، أشور، السومرية، الشرقية، البغدادية، الديار، عشتار، المسار، السلام، آفاق، صلاح الدين، بلادي، هذه بعض القنوات الفضائية العراقية وليست كلها، وهي غيض من فيض فضائي عراقي يملأ الفضاء العربي، حيث يوجد أكثر من 30 فضائية عراقية على قمر نيل سات، وهو عدد كبير ومبالغ فيه، ولا تجد له مثيلاً في دولة عربية أخرى.

إن الطرفة المتداولة هذه الأيام تعليقاً على هذا الكم من الفضائيات العراقية؛ أنه أصبح هناك فضائية لكل مواطن عراقي! والمتابع لهذه الفضائيات العراقية يتعجب من هذا الخلط الفضائي العراقي العجيب ما بين قنوات منوعة تبث أغنيات الفيديو كليب على غرار (البرتقالة) و (الرمانة)، التي تحتوي على الكثير من العري والإثارة التي ربما تفوق في جرأتها ما يوجد في الأغنيات الأوروبية.

لكن ربما كان الصوت الأعلى لهذه القنوات الفضائية العراقية هو الخطاب السياسي الموجه بفعل الجهة والتمويل اللذين يقفان وراء كل فضائية، فابحث عن التمويل تعرف ما لون هذه الفضائية أو تلك. وللعلم؛ فإن الإيجار الشهري لكل فضائية من هذه الفضائيات يكلِّف ما يقرب من 40 ألف دولار شهرياً، أي أكثر من أربعة ملايين سنوياً، أليس الشعب العراقي أَوْلى بهذه الملايين التي يجري تبديدها في الفضاء؟

تكاد جميع هذه الفضائيات العراقية تشترك في العديد من العناصر، فهي تقدم مادة فقيرة إعلامياً، حيث لا تجد فيها جديداً إلا ما يتعلق بأخبار من يقف وراءها، كما أن الخطاب السياسي الموجه من كل قناة يطغى على أي مادة إعلامية أخرى من أفلام أو برامج ثقافية ورياضية وحتى فنية، فلا صوت يعلو فيها على صوت الحزب الذي تكون الفضائية لسان حاله.

والاتهام الشائع هذه الأيام للكثير من هذه الفضائيات هو رائحة الطائفية السياسية والمذهبية التي تفوح منها.

إن الأسئلة التي تطرح نفسها هنا كثيرة، والإجابات تبدو أكثر مرارة من الواقع الفضائي العراقي: هل يحتاج العراقيون إلى هذا الكم الهائل من الفضائيات؟ هل فوضى القنوات العراقية مجرد صورة لما يحدث على أرض الواقع؟ هل هذه القنوات تقدم - فعلاً - خدمة إعلامية تهم المشاهد العراقي، أم أنها مجرد وقود يُصَبُّ يومياً على نار الطائفية؟ يبدو أن حال القنوات الفضائية العراقية لن تكون بعافية إلا بعد أن تنصلح الحال السياسية على الأرض، وحتى ذلك الوقت - الذي لا يبدو قريباً - ستختفي فضائية وتظهر أخرى حسب قوة التمويل، والخاسر الوحيد من هذه الفوضى الإعلامية - بالتأكيد - هو المشاهد العراقي.

فبعد احتلال العراق؛ برزت الكثير من الفضائيات العراقية بنبرة جديدة تدعو إلى خلق الفرقة والطائفية بين المجتمع العراقي، وتسعِّر نار الفتنة؛ فمن يمول تلك القنوات؟

قناة العراقية: اسمها بعيد عن واقعها؛ فهي مموّلة أمريكياً، ومعظم العاملين المؤثرين فيها من الأحزاب الشيعية، ولا سيما المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، بل إن مديرها العام (علاء حبيب الصدر) هو خال عمار الحكيم، أي: أن عبد العزيز الحكيم متزوج أخته، وتقوم هذه القناة بعرض وجهة نظر الحكومة العراقية في الأحداث. وأكثر ما يؤخذ على قناة العراقية عرضها التحقيقات مع متهمين أُدينوا بقتل شرطة أو عراقيين من غير أن تثبت عليهم التهمة؛ في برنامج الإرهاب في قبضة العدالة. وظهر أن أكثر من 90% من الذين ظهروا في هذا البرنامج هم من السنة، وكثير منهم من أئمة المساجد السنية وخطبائها، بل وصل الأمر إلى حد اتهام أحد الأئمة والخطباء بالاغتصاب والسرقة داخل المسجد. هذا البرنامج الذي جوبه بطعون قانونية كثيرة، ورُفعت عليه الكثير من القضايا في المحاكم العراقية؛ أدّى إلى جعل قناة العراقية تُحسب بشكل كامل على التوجه الشيعي في العراق، ولا سيما في اهتمامها بطقوس الشيعة، وبخاصة في وفاة الإمام الحسين - رضي الله عنه - إذ تقوم بوضع شارة سوداء تدل على الحزن لمدة أربعين يوماً، ويتمكن غالباً مراسلوها من عرض تقاريرهم من النجف و كربلاء ومدن كردستان العراق، لكن المناطق السنية قد تكون نادرة الظهور في تقارير مراسليهم؛ ولا يخلو الشريط الإخباري في قناة العراقية من وَصْم من تعتقلهم وزارة الداخلية بـ (الإرهابيين) على الفور من غير التحقيق معهم.

وقد وصلت فضائح بعض هذه الفضائيات العراقية الطائفية إلى حد إصدار منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوق الإنسان الدولية بيانات تنتقدها، بل وتعدها مراكز تعذيب وتشجيع على العنف الطائفي؛ لأنها تبث ما تسميه (اعترافات) لمواطنين عراقيين بوصفهم (مجرمين إرهابيين)، قبل تقديمهم للمحاكمة أو صدور أحكام قضائية عليهم، وقد تحدَّث بعضهم أمام الكاميرا وآثار التعذيب بادية عليه، واعترف بعضهم الآخر بجرائم أخرى ثبت أنها غير حقيقية.

ومن أبرز هذه القنوات الطائفية العراقية - وفق إعلاميين عراقيين - قنوات: الفرات، الفيحاء، المسار، بلادي، آفاق؛ وهي قنوات تعود إلى رموز كتلة « الائتلاف العراقي الموحد » بزعامة عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية و حزب الدعوة.

قناة الفرات: هي الناطقة باسم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، واشتهرت بالتحشيد لشيعة العراق في معظم القضايا الأمنية التي يصابون بها ولا سيما أحداث تفجيرات دُور العبادة عند الشيعة، وضرب مواكب الزيارات الحسينية. وتحاول قناة الفرات التغطية الكاملة لعمليات الهجرة التي تنال الشيعة في العراق، وتسميها تهجير أبناء أهل البيت وإرهابهم؛ من دون النظر إلى المهجَّرين من السنة، وبخاصة في مدن البصرة والجنوب، فضلاً عن مناطق واسعة من بغداد. ويمكن بشكل عام أن يتابع أي أحد قناة الفرات ليوم واحد فقط ليكتشف خبرها وطريقة تغطيتها للأحداث.

قناة الفيحاء: أسهمت قناة الفيحاء منذ انطلاق بثها في تموز (يوليو) 2004م؛ في نشر الفتنة الطائفية وزرعها والتحريض عليها، وكانت وكراً للحشد الطائفي المقيت والكراهية لكل ما هو عروبي وكل ما هو مقاوم. ولعل نظرة إلى القائمين على هذه القناة؛ تعرفنا بحقيقة توجهات هذه القناة:

1 - هاشم الديوان:

هو المسؤول عن هذه القناة في البدء، والذين يعرفونه حق المعرفة يؤكدون أن اسمه (هاشم الديوان) وليس (هشاماً)؛ لأنه عندما ذهب إلى الكويت في السبعينيات حوَّل اسمه من (هاشم) إلى (هشام) نفاقاً؛ ليوحي للكويتيين أنه ( سني) وليس (شيعياً)، ولكي يسهِّل أمور عمله هناك.

وزيادة في المعلومات نقول: لقد كان هشام الديوان بعثياً من العناصر الفاعلة جداً في الكويت، ومن العيون المهمة جداً لمخابرات السفارة العراقية في الكويت، بشهادة الذين عملوا في السفارة العراقية هناك. وعندما اجتاح الجيش العراقي ( الكويت) في آب 1990م؛ كان هشام الديوان من المهللين ومن الذين استقبلوا ضباط الحرس الجمهوري في البيوت، وعلى أثرها كوفئ من النظام بتعيينه وزيراً للإعلام في حكومة السيد (علاء حسين) التي كوّنها النظام. وفيما بعد؛ كان للديوان فضل في استدراج علاء حسين للعودة إلى الكويت، ومن ثم تسليمه للسلطة وصدور الحكم عليه بالإعدام. وكان هدفه من ذلك أن ترضى الكويت عنه وتغفر له، وقد هرب إلى لندن بعد فشل حكومة (علاء حسين). ومن يريد التأكد من صحة الخبر؛ فليعد إلى مدة حكومة علاء حسين بعد الاحتلال العراقي للكويت وما نشرته وسائل الإعلام، ليشاهد هناك صورة تجمع صداماً ورئيس حكومة الكويت السيد علاء حسين، ومعهم وزير الإعلام في حكومة علاء حسين (السيد هاشم الديوان).

ومعلوم أنه كان يستلم التمويل من مكتب نائب الرئيس العراقي (طه ياسين رمضان) لدعم مجلة المشاهد التي يديرها من لندن ليمارس المديح للنظام العراقي.

2 - هاشم العقابي: شاعر قادسية صدام وصاحب أطروحة فكر القائد: وهو الشخص الآخر الذي يدير البرامج في قناة الفيحاء، واسمه (هاشم ناصر محسن العقابي)، كان معلماً في العراق في الثمانينيات وفي الوقت نفسه كان شاعراً شعبياً ينظِم القصائد لمدح صدام و القادسية. والعديد من الأغاني التي أنشِدت في الإذاعة والتلفزيون زمن الحرب العراقية الإيرانية؛ كانت من نظْم هاشم العقابي. وقد حصل على الماجستير من كلية التربية في جامعة بغداد بعد تقديمه رسالة بعنوان (القيم الخالدة في أحاديث الرئيس القائد)، وأهدى نسخة من أطروحته تلك إلى صدام، وكتب في إهدائه: « إليك سيدي القائد، يا أرقّ من قنّينة العطر، وأنضر من ورد الجوري، وأدقّ من حدّ السيف؛ أهدي ثمرة جهدي هذا... هاشم العقابي ».

وفي عام 1983م زار صدام مسرحَ الرشيد لحضور مسرحية نشيد الأرض التي أخرجها قاسم محمد، وعند خروجه استقبله العقابي بعبارات نارية شعرية مديحاً له! بعدها قال له: « سيدي! أنا أبحث في فكرك برسالة ماجستير عنوانها ( القيم الخالدة في أحاديث الرئيس القائد)، وأريد أن أكمل البحث في رسالة دكتوراه من لندن! »؛ فأجابه صدام حسين: « عفيه! وشْ كثر..؟ كم سنة؟ »، ثم التفت صدام إلى (لطيف نصيف جاسم) وزير الإعلام آنذاك، وقال له: « أربع سنين.. مو لطيف؟ »؛ فهب العقابي بصوت عالٍ: « لا.. سيدي!

فكرك كبير وغني. ويحتاج إلى ثماني سنين! » وأجابه صدام: « خلاص روح ثماني سنين »!

بعدها بعثت رئاسة الجمهورية كتاباً إلى السفارة العراقية في لندن تطلب من مدير المركز الثقافي العراقي أن يستقبل العقابي في مطار هيثرو، وأن يقوم تجاهه بالرعاية الكاملة، وفعلاً نُفِّذ كل شيء! ووصل العقابي إلى كارديف في ويلز، وسجل في كلية التربية، وحاول أن يضلل الطلبة العراقيين أنه مبتعث بأمر من صدام، وكان يعلق صورته في الملابس الحاكية مع صدام في القصر الجمهوري، ويدعي أنه مسؤول الحزب في ويلز، وبقي يتسكع ويتحايل على الطلبة وعلى الحكومة البريطانية التي خصصت له داراً من (الكاونتي كاونسل) بادعائه أنه محتاج للمعونة. وبعد غزو الكويت؛ حُوِّل إلى (لاجئ سياسي) في بريطانيا، وصار يدعي معارضة النظام.

3 - محمد الطائي: نقلة نوعية من (معذِّب الأسرى العراقيين في إيران) إلى إعلامي طائفي في الفيحاء:

يتصدر قائمة فريق قيادي في قناة الفيحاء، واسمه الكامل (محمد ماشي الطائي) الذي يعرفه الأسرى العراقيون العائدون من إيران بأنه كان من ضمن عناصر المجلس الأعلى المكلَّفين بتعذيب الأسرى العراقيين في إيران؛ لأنه كان من القيادات الرأسية في المجلس الأعلى. وقد بعث هذا المذيع في فضاء الحرية برسالة اعتذار إلى توني بلير عن إساءة معاملة الجنديين البريطانيين من قِبَل أبناء البصرة، عندما ألقت الشرطة العراقية القبض عليهما وهما يحملان المتفجرات لتفجيرها وسط أبناء البصرة الأبرياء! ويبدو أن السيد محمد الطائي خائف من غضب الأسرى العراقيين الذين كانوا في إيران، حيث كان يعمل ضمن صفوف الوحدات التابعة إلى (بدر) والمسؤولة عن الإساءة للأسرى في ذلك الوقت.

ولعلنا إذا أردنا التحدث عن الفضائيات العراقية فسيطول الكلام، ولكننا نقول: إن تلك الفضائيات أو أغلبها تتاجر باسم العراق، وكل منها يدّعى الوطنية، وأكثرها ينفذ أجندات من وراء الحدود. إن ما يصرف على تلك الفضائيات أو الإعلانات المدفوعة الثمن التي نشاهدها في أغلب القنوات العراقية والتي تدّعي أنها تسعى للوحدة الوطنية ما هي إلا لتفكيك المجتمع العراقي الذي تقطعت أوصاله، وهذه الإعلانات تكلف الكثير، حيث بعضها يدفع للقناة 12 ألف دولار أمريكي، ولو تفكرنا في القنوات التي تعرض بها مثل تلك الإعلانات المكتوب عليها مدفوع الثمن، لعلمنا أن ثمنها مدفوع من المواطن العراقي؛ لأنها لو دفعت إلى إعمار العراق لصارت أرصفة العراق من ذهب بدلاً من تلك الفضائيات التي تصب الزيت على النار، والتي تسعى إلى تمزيق وحدة العراق وتنفيذ مخططات التقسيم الوشيك للعراق، وإن يوماً سيأتي - بإذن الله - بحسابٍ عسير على تلك الفضائيات ومن يقف وراءها.

:: البيان تنشر - مـلـف خـاص- (الـخـطـر الإيـرانـي يـتـمـدد)