العثماني... طبيب نفسي لحكومة المغرب المريضة


أ. أحمد الصباحي



بعد قرابة خمسة أشهر من المفاوضات الماراثونية بين أمين عام حزب العدالة والتنمية عبد الإله بن كيران مع الأحزاب السياسية، على رأسها حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يرأسه رجل القصر عزيز أخنوش، هذه المفاوضات التي باءت بالفشل بسبب تمسك أخنوش بدخول حزب الاتحاد الاشتراكي في الحكومة والذي اعتبره بن كيران خطاً أحمرَ... بعد كل ذلك الجدل، جاء قرار العاهل المغربي الملك محمد السادس، بإعفاء عبدالإله بن كيران من مهمة تشكيل الحكومة، واختيار الدكتور سعد الدين العثماني أحد قيادات حزب العدالة والتنمية والأمين العام السابق، من أجل وضع حد لحالة الانسداد السياسي الذي عرفته البلاد منذ خمسة أشهر.

بن كيران عَقِب علمه بتكليف العثماني بتشكيل الحكومة أوعز إلى أنصار حزبه بعدم التعليق على الأمر، وصرَّح لوسائل الإعلام بأن بنكيران انتهى بالنسبة للحكومة المغربية، في إشارة إلى أنه غير معني بأي منصب حكومي مستقبلاً، لكنه وعد بالعمل والمساعدة للعثماني بما يستطيع.

أما العثماني فقد جاء قرار التكليف مفاجئاً له، إذ صرح على هامش اجتماع المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية في سلا قرب الرباط بأن "تعيينه مسؤولية ثقيلة في ظروف سياسية دقيقة"، مؤكداً أنه "ليس لدي أي توجهات الآن... لأن التعيين كان مفاجئاً ولكل مفاجأة دهشة"، وأضاف "الانتظارات كبيرة من الجميع؛ ولذلك تحتاج إلى تفكير عميق. الآن اجتماع المجلس الوطني لكي نفكر جماعة».

ويبدو أن بنكيران أخذ نَفَساً عميقاً بعد إعفائه من تشكيل الحكومة، بعد خمسة أشهر من المشاورات والمفاوضات مع الأحزاب السياسية للمشاركة في تشكيل الحكومة، والتي وضعت اشتراطات اعتبرها بنكيران خطاً أحمر، وهو ما تسبب بعرقلة تشكيل الحكومة خصوصاً من جانب عزيز أخنوش زعيم التجمع الوطني للأحرار.

من المؤكد أن أمام العثماني تركة ثقيلة؛ فهو محاط بعدد من الالتزامات، أولها الالتزام بتعليمات الملك، وثانيها: ضرورة مشاورة حزبه قبل اتخاذ أي قرار لتشكيل الحكومة، وثالثها: كيفية الاتفاق مع زعيم التجمع الوطني للأحرار الذي يشترط دخول أحزاب رفضها بنكيران في وقت سابق.

بالنسبة لعزيز أخنوش فقد أرسل رسالة طمأنة للعثماني بعد قرار تعيينه لرئاسة الحكومة وقال إنه مستعد لمساندة العثماني على أداء مهامه، وسيعملان سوياً على التعاون خدمة للبلاد ومصالحها العليا.

وأكد أخنوش في تهنئته للعثماني، المنشورة على الموقع الإلكتروني الرسمي لحزب "الحمامة"، أن العثماني عُرِف عنه التبصر والحكمة"، مضيفاً أنه "مما لا شك فيه أن تعيينه سيدفع بمسار المفاوضات للأمام".

ويرى كثير من المراقبين أن الملك قد أتاح فرصة واسعة للأحزاب للمشاركة في الحكومة للتفاوض والوصول إلى رؤية موحدة، وعندما عجزت عن التوصل لاتفاق، يظهر أنه اختار طريقاً آخر لإلزام الأحزاب بالقبول بصيغة جديدة، قد يكون فحواها: تغيير بنكيران مع عدم إدخال حزب الاتحاد الاشتراكي وهي صيغة قد ترضي الطرفين.

الآن أمام الرجل الدبلوماسي الهادئ والطبيب النفسي العثماني مشوار طويل بحاجة لسرعة مضاعفة لكي تخرج الحكومة إلى الواقع العملي، ومطلوب منه أيضاً إعادة خلق جسور التواصل بين الأحزاب المشاركة في الحكومة.

الدكتور العثماني ولد في يناير 1956 بمدينة أنزكان، بالإضافة إلى كونه طبيباً نفسياً، فإنه منشغل في تجديد الفقه الإسلامي، ولديه إجازة في الشريعة الإسلامية من كلية الشريعة بآيت ملول عام 1983م، لكنه تابع دراسته في الطب والصيدلة وحصل منها على الدكتوراه في الطب العام سنة 1986، ثم حصل على شهادة أخرى في الفقه وأصوله من دار الحديث الحسنية في الرباط سنة 1986.

واصل العثماني دراسته الجامعية والتحق بالمركز الجامعي للطب النفسي بالدار البيضاء، وحصل على التخصص النفسي عام 1944، وبعدها واصل بحثه الجامعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط ليحصل بذلك على دبلوم الدراسات العليا في الدراسات الإسلامية سنة 1999 في موضوع تحت عنوان "تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة وتطبيقاتها الأصولية".

وشغل العثماني عدة مناصب؛ إذ اشتغل طبيباً عامّاً قبل أن يتخصص في الطب النفسي بالمركز الجامعي للطب النفسي في الدار البيضاء، ثم بمستشفى الأمراض النفسية في مدينة برشيد.

كما أن الدكتور العثماني عضو في المكتب التنفيذي لجمعية علماء دار الحديث الحسنية منذ 1989، وعضو مؤسس للجمعية المغربية لتاريخ الطب، وعضو مكتب مؤسسة الحسن الثاني للأبحاث العلمية والطبية حول رمضان، ومسؤول اللجنة الشرعية بها.

وشارك العثماني في تأسيس "جمعية الجماعة الإسلامية" وكان عضواً في مكتبها الوطني  خلال عامي (1981-1991) ثم عضو المكتب التنفيذي لحركة "التوحيد والإصلاح" (1991-1996).

وشارك في تأسيس حزب التجديد الوطني 1992، وتولى إدارة حزب الحركة الشعبية الدستورية الديموقراطية (الذي تحول إلى العدالة والتنمية لاحقاً) من يناير 1998 إلى نوفمبر 1999 إذ أصبح نائباً لأمينه العام.

وانتُخب العثماني لعضوية مجلس النواب في الولاية التشريعية 1997-2002 ثم في الولاية 2002-2007، والولاية 2007-2011، ونائب رئيس لجنة الخارجية بمجلس النواب (2001-2002).

كما انتخب سنة 2004 أميناً عاماً لحزب العدالة والتنمية، ورئيساً للمجلس الوطني للحزب مند يوليو 2008، وانتُخب للمرة الرابعة في مجلس النواب في الانتخابات السابقة لأوانها في 25 نوفمبر 2011.

 كما تولى العثماني حقيبة وزارة الخارجية والتعاون في حكومة عبد الإله بنكيران الأولى في يناير عام 2012 بعد فوز حزب العدالة والتنمية بالمرتبة الأولى بـ 107 مقاعد في مجلس النواب.

 



أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
نص التعليق :  
كود الصورة :
Captcha