اليمن.. المسار والمصير


أ. أحمد أبو دقة


 

المواجهات الأخيرة في جنوب اليمن بين الأقلية الانفصالية والحكومة الشرعية برئاسة عبدربه منصور هادي تذكر بمقولة الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح، "إن حكم اليمن يشبه الرقص على رؤوس الثعابين"، وتؤكد أن المشهد اليمني منذ عقود يعيش ضمن دائرة صراعات داخلية محركها الرئيسي قائم على هوية الدولة السياسية ونفوذ المتنازعين على الأرض، إلا أن المعركة الأخيرة التي فرضت على المملكة العربية السعودية مع جماعة الحوثيين في صعدة منذ عام 2004 وتجددت في مارس 2015 بإعتبارها أكبر مهددات أمنها الإقليمي تعد استثناء لما سبق من حيث الحيز الجغرافي والأهداف والمخاطر، فاليمن التي أضحت تعيش في حالة نزاعات داخلية بعد سقوط نظام الرئيس صالح تحولت إلى ساحة معركة بالنسبة لجماعة الحوثي التي تمولها وتدربها إيران العدو الأيديولوجي اللدود للمملكة العربية السعودية، تلك المعركة لم تعد من شؤون اليمن الخالصة فهي خليط ما بين الصراع الدولي على ممرات الملاحة والصراع الأيديولوجي بين السنة والشيعة وكذلك التنازع الجغرافي بين المركز والأطراف في المنطقة.   

بعد سقوط نظام الرئيس علي عبد الله صالح إثر ثورة فبراير 2011م تم العمل على تدمير وتمزيق القوة العسكرية التابعة للدولة في اليمن وتحويل الجيش بصورة متعمدة إلى مليشيات مشتتة الولاءات تمهيداً لإعادة تشكيله بهوية جديدة، هذا الأمر سمح لجماعة الحوثي التي كانت تتمركز في صعدة بالتمدد والانتشار سريعاً والاغتنام من قواعد الجيش لتمويل هجماتها التي أوصلتها العاصمة اليمنية صنعاء. في تلك الفترة كانت اليمن تخضع لثلاثة أقطاب سياسية أولها الرئيس علي عبد الله صالح الذي كان يتزعم حزب المؤتمر الشعبي العام والرئيس عبدربه منصور هادي الذي كان يمثل شرعية مابعد الثورة وكذلك التجمع اليمني للإصلاح الذي يمثل جماعة الإخوان المسلمين. بالنسبة للرئيس صالح فإن جماعة الحوثي كانت ورقة تهديد يمكن استثمارها بالضغط على المملكة العربية السعودية لمساعدته في استعادة سلطته، بل وبحسب إفادة الدكتور محمد جُميح، الباحث السياسي وعضو مؤتمر الحوار الوطني السابق، فإن "القيادات العسكرية الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح ساعدت الحوثيين في السيطرة على مؤسسات الدولة في صنعاء بصورة غير معلنة، في حين انضم معظم مؤيدي صالح للحوثيين من أجل السيطرة على العاصمة اليمنية التي باتت في قبضتهم". أما بالنسبة لحزب التجمع اليمني للإصلاح فإن التصدي لمشروع الحوثي في تلك الفترة بالتزامن مع حملة إقليمية شرسة تستهدفهم كان يعد انتحاراً لاسيما وأن "الإصلاح" بهويته السياسية كان المنافس الأكثر نفوذاً للرئيس عبدربه منصور هادي المرشح الأكثر دعماً على المستوى الخليجي.  

أطلقت المملكة العربية السعودية عاصفة الحزم لإنقاذ أمنها القومي مع تسارع سيطرة جماعة الحوثي على الدولة، رافضة العودة إلى ورقة الرئيس علي عبدالله صالح الذي لم يمكن حليفاً وثيقاً بالنسبة لها خلال سنوات حكمه، لكن مع تواصل الحرب وزيادة تضخم الأزمات الإنسانية والاجتماعية والأمنية وانحياز المجتمع الدولي عبر ممثليه إلى جانب الإعتراف بشرعية جماعة الحوثي حاولت المملكة تصويب المسار ومنح على عبدالله صالح فرصة لإبعاده عن الحوثي لكنه اغتيل بصورة غامضة في ديسمبر 2017. انتهى ملف صالح وخسر التحالف العربي هذه الورقة التي كان يراد اللعب بها لتقزيم قوة الحوثي، وانتشرت عدة شائعات حول عملية إغتياله التي نفذها جماعة الحوثي بعد أن فقدت الثقة بحليفها لكن التفسير الوحيد لاستهداف صالح كان هو أن الرجل سقط برصاصات طرف ثالث لم يرغب بإنهاء استنزاف المملكة في حرب اليمن. عقب وفاة الرئيس اليمني المخلوع، انقسم المؤتمر الشعبي إلى عدة محاور أبرزها محور طارق علي عبد الله صالح السفير اليمني في الإمارات وكذلك هناك من انتقل إلى صفوف الشرعية برئاسة عبدربه منصور هادي وآخرين استمروا بالإسترزاق من مشروع الحوثي المدعوم من إيران.

بينما ركزت المملكة على استهداف شمال اليمن والعاصمة صنعاء بصفتها مقر حكم جماعة الحوثي ودعمت قوات الشرعية للقتال هناك، إلا ان الإمارات أبرز الشركاء في التحالف اتخذت منطقة جنوب اليمن الغنية بالموانئ مركزاً لعملياتها وقامت بتشكيل مجموعات مسلحة تدعم نفوذها في تلك المنطقة بعيداً عن مسار العمليات التي تستهدف الحوثي. في يوليو المنصرم أعلنت الإمارات العربية الانسحاب من اليمن بإعتبارها أنهت عملياتها هناك، لكن تبعات القرار قد تكون متعلقة بزيادة الانتقادات الدولية الموجهة للتحالف بسبب الخسائر وسط المدنيين بالإضافة إلى قرب الانتخابات الأمريكية وخوفهاً من خسارة الدعم الذي توفره إدارة الرئيس دونالد ترامب للتحالف، بالإضافة إلى أنها استطاعت تنصيب قيادات جنوبية موالية لها مع قوة عسكرية تصل إلى 90 ألف مقاتل بالإضافة على إحتفاظها بقاعدة المكلا لعمليات مكافحة الإرهاب.  كذلك فإنها تحاول تجنب قرار من مجلس الشيوخ بشأن فرض حظر على توريد الأسلحة إلى جيشها بسبب أزمة اليمن.

اللعبة الإيرانية في اليمن:

تستخدم طهران التيار الحوثي في اليمن ككيان سياسي ممثلاً لنواياها في الخليج ليس لشغفها وطموحها في تشييع اليمنيين فقط، بل لأنها تستخدم مثل هذه المليشيات كرافد بشري لدعم حروبها في العالم، مثل المرتزقة الذين جلبتهم من العراق وأفغانستان وباكستان لدعم النظام السوري، وكذلك تستغل تلك المليشيات لتشكيل نفوذ سياسي في الدول الضعيفة للتمكن من السيطرة على الممرات الملاحية الدولية، وتقليص قوة وحجم المسلمين السنة، فقد نجحت خلال العقدين الماضيين أن تصنع حزب الله في لبنان الذي سخر كل إمكانيات الدولة اللبنانية لخدمة أهدافه.

فهي ضمن خطتها في الشرق الأوسط ترى أن لليمن دوراً مهماً في تعزيز نفوذها في المنطقة، من خلال إنشاء ممر بري من الخليج العربي إلى البحر المتوسط عبر العراق وسوريا في مسيرة متوازية للسيطرة على مضيق باب المندب الإستراتيجي. وقد نجحت إيران في الفترة الماضية في استخدام الحوثي بشكل كبير في استنزاف المملكة العربية السعودية مالياً وأمنياً وكذلك الاضرار بسمعتها الدولية، مع سعي جماعة الحوثي الدائم لإختراق السياج الأمني الإلكتروني واستمرار إطلاق الصواريخ البالستية على المدن ذات الكثافة السكنية. واستخدمت إيران علاقتها القوية ببعض الدول لدعم شركائها في اليمن من خلال لتهريب السلاح.

مارست جماعة الحوثي الحصار على المدن اليمنية واستغلته في تهريب الأسلحة عبر شحنات الإغاثة الإنسانية، الأمر الذي تسبب بوفاة المئات بسبب الجوع والأمراض المعدية، مما دفع المملكة العربية السعودية على فرض حصار بحري للحد من تهريب الأسلحة لكن الدعاية القوية التي تمارسها إيران في الغرب حول المملكة إلى الطرف الشرير.

تمارس إيران دعاية ضخمة بإحترافية عالية على نطاق واسع في الغرب من خلال وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية وحتى في الكونغرس الأمريكي بهدف إجبار الولايات المتحدة على الخروج من اليمن ووقف الدعم اللوجستي للتحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية. 

تورط إيران في اليمن منذ عقود، ففي عام 2014، تم القبض على مجموعة من نشطاء حزب الله في اليمن تقوم بتدريب الحوثيين، كذلك تم تشكيل وحدة 3800 التخريبية على غرار قوة القدس في إيران وهي أشبه بأنظمة مليشوية تجمع بين مهارات التجسس والقتال والدعاية.

تنظيم القاعدة في اليمن:

ملف آخر في اليمن لم يفتح بعد على طاولة التحالف العربي يتعلق بتنظيم "القاعدة في جزيرة العرب" وهو الفرع الأكثر نفوذاً للقاعدة في العالم ويستخدم أراضي واسعة جنوب اليمن للإستقرار فيها، واستخدم الفوضى التي حلت في اليمن لتعزيز نفوذه وتعميق جذوره رغم الغارات الأمريكية التي لم تتوقف عن ملاحقته. استغل علي عبدالله صالح بعد حرب الوحدة عودة ما عرف بــ "المجاهدين العرب" العائدين من الحرب في أفغانستان ضدّ الاشتراكيين الجنوبيين، فشكّلوا بذور ما تطوّر لاحقًا ليصبح تنظيم "القاعدة في جزيرة العرب". ما جعل تنظيم القاعدة في اليمن الأكثر بروزاً ونفوذاً هو أن الدولة اليمنية في عهد صالح أرسلت العديد من "أفضل وألمع" شبابها إلى الخطوط الأمامية للقتال في أفغانستان، وبعد عودتهم، لقوا ترحيب الأبطال من قبل حكومة الرئيس صالح الشمالية – حيث تبوأ البعض منهم حتى مناصب عسكرية رسمية. كان صالح يريد تسديد ضربة للاتحاد السوفيتي الذي يدعم الشيوعية في جنوب اليمن، لكن بعد الوحدة لم يستطع التخلص من هذا التيار الذي كان يتحرك ضد تيار الانفصال في جنوب اليمن بفتوى رسمية.

نجح هذا التيار بالتحالف مع التجمع اليمني للإصلاح بإعادة أدلجة المجتمع اليمني في الجنوب ونقله من الإشتراكية العلمانية إلى مجتمع ديني محافظ، لكن بعد إنتهاء مهمته تلك في الجنوب أصبح يستهدف الغربيين ومصالحهم في جنوب اليمن وعقب الثورة أصبح التنظيم يستولي على مدن رئيسية على غرار المكلا، عاصمة محافظة حضرموت. ورغم أن الولايات المتحدة تنفذ ضربات جوية انتقائية تستهدف شخصيات وتجمعات لتنظيم أنصار الشريعة في جنوب اليمن وكل من يرتبط بتنظيم القاعدة إلا أن المسؤولية الكبيرة للتخلص من هذا التمرد هو مسؤولية الحكومة اليمنية التي تعيش مرتبطة بأزمات مترابطة أولها الحوثي وآخرها الانفصاليين والقاعدة.

تحتاج اليمن إلى معالجة تدريجية بتكثيف الدعم لحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي مع تركيز الدعم على حكومته وإشراك كافة النخب السياسية اليمنية في صناعة القرار السياسي مع الانحياز إلى مصالح الشعب اليمني وإحترام هويته القبلية، بالإضافة إلى تحجيم التدخلات الخارجية التي تربك عمل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، فالمصالح الدولية والإقليمية ليس من أولوياتها القضاء على جماعة الحوثي بقدر ما تطمح للسيطرة على مضيق باب المندب وذلك يتعارض مع مصالح المملكة العربية السعودية وأمنها الإقليمي، لذلك يجب أن تبدأ بإنشاء حزام ناري على طول الحدود مع اليمن وإجبار الحكومة اليمنية على العودة إلى عدن مع توحيد كافة الجماعات المسلحة تحت لواء جيش يمني بلون واحد، وإغلاق الباب بوجه أي وساطة دولية إلى ما بعد تحرير صنعاء من المليشيات الحوثية، لأن التفاوض على شرعية الحوثي يعني السماح بإنشاء دويلة جنوبية في عدن وبذلك تتعاظم الأزمة بالنسبة للمملكة بحيث يصبح أمامها تحمل عبء ثلاث دويلات يمنية أولى يتزعمها الحوثي وأخرها يتزعمها هادي وثالثة لعيدروس الزبيدي في الجنوب. وستجد المشاريع الثلاثة من يقف خلفها لاسيما وأنها ستكون سلاح فتاك لابتزاز المملكة واستنزافها.

 

 



أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
نص التعليق :  
كود الصورة :
Captcha