ضياء الحق... مسيرة مختلف عليها


أ. حسن الرشيدي



يعتبر دور الرئيس الباكستاني الأسبق ضياء الحق في الحياة السياسية الباكستانية إحدى أكثر المسائل إثارة للجدل في تاريخ باكستان.

فهناك رأيان: الأول  يعتبر ضياء الحق ما هو إلا ملتزم ديني حاول تنفيذ أجندته الدينية الإسلامية في المجتمع والجيش الباكستاني فحقق نجاحات كبيرة أو محدودة أو فشل مما زاد من نكبة هذا البلد وأغرقه في فوضى مضاعفة مما كانت فيه بينما يرى آخرون أن هذا الشخص كان براجماتيا وأنه استخدم الدين كوسيلة لتوطيد حكمه وكأداة لحشد التأييد ضد الغزو السوفيتي لباكستان استجابة لرغبة أمريكية ولاحتواء المد الإسلامي المتنامي في المنطقة.

ولكل من الرأيين وجاهته في عرض ما يقول فينقل الدكتور محمد الشواف في مقال له في موقع المسلم  بعنوان (عندما قابلت زينب الغزالي ضياء الحق)  رواية عن الداعية الاسلامية زينب الغزالي  أنها أثناء زيارتها لباكستان فقد قابلت الرئيس الباكستاني آنذاك ضياء الحق وكان مقرراً للمقابلة حوالي عشرين دقيقة ولدى الرئيس مواعيد سابقة وبرنامج محدد ولعله لأول مرة ينسف كل المواعيد ويؤجلها ليستمع حديثاً عجباً من زينب الغزالي عن معاناة المسلمين في بعض الدول العربية وما تتعرض له المرأة المسلمة من السجن والتعذيب مما يندى له الجبين وضياء الحق يصغي إليها ويبكي ويستمر اللقاء ساعتين ونصف[1]

ويدافع أحمد موفق زيدان عن علاقة ضياء الحق بالأمريكان حيث كان يكرر على مسامع من يلتقيه المثل الباكستاني المعروف: إن تعاملنا مع الأميركيين في أفغانستان كتاجر الفحم فهو لا ينال من تجارته إلاّ سواد الوجه واليدين [2] .

وفي المقابل يرى برويز مشرف قائد الجيش الباكستاني ثم رئيس الجمهورية الأسبق أن ضياء الحق كان غير ملتزم دينيا وأنه كان يحب سماع الموسيقى الغربية.

و بعيدا عن النوايا نجد أن الحصيلة كانت بداية مشروع أسلمة الحياة السياسية والاقتصادية والتعليمية والقانونية في باكستان جرى في تلك الحقبة وأن باكستان قد تغيرت وانتقلت لمرحلة جديدة من تاريخها و كانت الماكينة الدافعة لهذا التغير هو الجنرال ضياء الحق فهناك بالفعل نقلة إستراتيجية حدثت لهذه الدولة في حقبة هذا الرئيس فمن المعروف أن باكستان قد قامت بانفصال مسلمي الهند في دولة لهم أي أن الدولة قامت على أساس ديني و لكن بدلا من أن تقاد هذه الدولة بشريعة الإسلام ومنهاجيته قادتها مناهج  يغلب عليها الطابع الغربي العلماني وهنا كانت المفارقة فأهل باكستان لم يكتفوا بأنهم كونهم مسلمين لكي تتحقق دولتهم التي يطمحون لها بل لابد من أن يسيروا على نهج الإسلام لكي تكتمل أركان تلك الدولة لذلك كثرت الاضطرابات وظهرت الأعراق والتنابذ بينها ووصلت إلى الاقتتال حتى كان انفصال أهل البنغال ببنجلاديش وظهر بعدها كل عرق سواء في البنجاب أو السند أو البلوش أو الباشتون أو المهاجرين في حالة تناحر وتتنافس واقتتال وكانت البلاد مرشحة لمزيد من الانقسام والتفتت وهنا حاول ضياء الحق أن يؤسس للركيزة الثانية في بناء الدولة وهي أيديولوجية تجمع هذا الشتات المتفرق ونجح إلى حد ما نظرا لأن هذا الأساس لم يكتمل لاعتبارات عديدة .

جرت الأسلمة في عهد ضياء الحق عبر عدة مستويات:

منها القانوني حيث جرت تغييرات في النظام التشريعي وتم إنشاء محاكم شرعية للنظر في القضايا بموجب الشريعة الإسلامية فتم تطبيق بعض الحدود في قضايا السرقة والقتل والزنا كالجلد والرجم كما تم حظر شرب وبيع الخمر من المسلمين في باكستان وعلى عقوبة السجن من ستة أشهر أو غرامة واعتبر سب الصحابة والدين من الجرائم التي يعاقب عليها القانون.

ومنها الخدمة المدنية حيث كان إلزاميا على الموظفين المدنيين تأدية الصلاة خمس مرات في اليوم وقد تضمنت التقارير السرية عن موظفي الحكومة قسما يتم فيه تسجيل نقاط لتأدية الصلاة بشكل دائم والمعرفة الجيدة للإسلام.

ومنها التعليمي فجرت مراجعة للكتب المدرسية لضمان نقاءها الأيديولوجي وتمت إزالة الكتب المخالفة للتعاليم الإسلامية من المناهج ومكتبات الجامعات.

وفي نظر الصحفي الباكستاني زاهد حسين فإن الجيش في الماضي كان يعتبر الضمانة الوحيدة لوحدة أراضي البلاد والأمن الداخلي لكن ضياء وسع دوره ليصبح المدافع عن حدود باكستان الأيديولوجية أيضا [3] ويفسر تلك العودة للجذور الإسلامية بالهزيمة العسكرية المذلة على يد الجيش الهندي في حرب عام 1971 والتي ترافقت مع تفكيك أوصال البلاد والتي تركت أثرا عميقا جدا في نفسية الكثير من ضباط الجيش الذين تحول الكثير منهم إلى الدين لأنهم وجدوا فيه ملاذا وأصبحوا مولودين من جديد.

كذلك كان تأثير الجهاد الأفغاني ودخول الجيش الباكستاني كداعم للمجاهدين – بضغوط غربية أو دوافع الأخوة الإسلامية – أثرا واضحا في تغلغل الفكرة الإسلامية داخل هذا الجيش الذي احتك ضباطه بهؤلاء المجاهدين الذين قدموا ممن مختلف أنحاء العالم الإسلامي لدعم إخوانهم في تلك المناطق.

ويرى حسين حقاني سفير باكستان الأسبق في الولايات المتحدة أن الأسلمة في الجيش الباكستاني لم تكن مجرد نتيجة غير مقصودة من القرارات التي اتخذتها بعض الحكومات مثل حكومة الجنرال محمد ضياء الحق فمنذ قيام باكستان وقادتها يلعبون على وتر المشاعر الدينية كأداة لتعزيز الهوية في باكستان واستخدام التشدد الإسلامي-على حد تعبيره – في نظر هؤلاء القادة يساهم في بناء الأمة ويحول دون زعزعة الاستقرار السياسي الداخلي فسياسات الأسلمة كانت في رأي حقاني امتدادا لإستراتيجية وليس مجرد صدفة.

ولكن أخطر ما قام به ضياء الحق هو اتخاذه قرارا بتخصيب اليورانيوم في البرنامج النووي الباكستاني منتهزا فرضة حاجة الولايات المتحدة الأمريكية لباكستان في أفغانستان أثناء اجتياح الاتحاد السوفيتي السابق لها وكان هناك هدف استراتيجي أمريكي يفوق غيره من الأهداف وهو احتواء الاتحاد السوفيتي واسقاطه لتنفرد الويلات المتحدة بالنظام الدولي لتكون القوة الأولى على قمته.

وسكتت الولايات المتحدة أو تغاضت عن وصول البرنامج النووي لغايته المرجوة ولكن فور اعلان الاتحاد السوفيتي انسحابه من أفغانستان بدأت العلقات تتوتر تدريجيا بين ضياء الحق والولايات المتحدة لأن الاستراتيجية النووية للولايات المتحدة كانت تقضي بعدم امتلاك دولة اسلامية لسلاح نووي بينما كان السلاح النووي لباكستان مسألة وجود بعد تواتر الأنباء عن وصول البرنامج النووي الهندي لنهايته وبما أن الهند لم تتنازل عن حلمها الأساسي بضم باكستان مرة أخرى إلى الهند التاريخية فباتت مسألة حصول باكستان على السلاح النووي هو قضية تكون أو لا تكون.

وضغطت أمريكا اقتصاديا وسياسيا على ضياء الحق لدرجة تهديده بالقتل لكي يقوم بتفكيك برنامج النووي ويأبى الرجل لدرجة أنه كان يصطحب معه السفير الأمريكي في أي رحلة كان يقوم بها حماية لنفسه مما اضطرت المخابرات الأمريكية إلى قتله ومعه السفير الأمريكي عندما وضعت له قنبلة بين ثمار المانجو والتي كان يحبها ضياء الحق ويأخذها معه في تجواله وانفجرت الطائرة التي كان يستقلها في احدى رحلاته داخل باكستان بهذه القنبلة وقتل ضياء الحق ومعه بعض قادته والسفير الأمريكي في باكستان ليسدل الستار عن نهاية لضابط من بين جنرالات في الجيوش العسكرية التي ترزخ بهم منطقتنا ويختلف الناس على دورهم وما يقدموه في سبيل نهضة هذه الأمة.

 


 

 


[1]  http://almoslim.net/node/82813

[2] ahmedzaidan.maktoobblog.com

[3] جبهة باكستان- الصراع مع الإسلام المسلح –زاهد حسين ترجمة مروان سعد الدين- الدار العربية للعلوم, بيروت - الطبعة: الأولى/ 2007 – ص:36

  



أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
نص التعليق :  
كود الصورة :
Captcha