عزمي بشارة والإنقضاض على الدين


أ. أحمد أبو دقة



عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 بدأت مؤسسة رند البحثية الأمريكية بالتركيز في تقاريرها على تشخيص مكونات الهوية في العالم الإسلامي لغرض استفادة الإدارة الأمريكية في إعادة بناء هذه المكونات دون اللجوء إلى الحروب والصراعات العسكرية المكلفة والقضاء على منظومة محددات تعتبر هي ركيزة الهوية للعالم الإسلامي الذي يعد المكون السني أكبر مكوناته. من أشهر هذه التقارير الصادرة عن راند تقرير بعنوان"الإسلام الديمقراطي المدني" لـ شيريل بينارد وهي باحثية يهودية من أصول نمساوية استطردت خلال صفحات التقرير بالتعمق في مفاهيم جذرية مستهدفة في العالم الإسلامي تعتبر هي الحاضنة للهوية ومنظومة القيم في المكون السني، مثل منظومة المساجد ومراكز تحفيظ القرآن الكريم والعلماء ومصادر التشريع بالإضافة إلى دور المنظومة الفكرية الحداثية في الحد من تأثير تلك الحاضنة وكيفية استنفاع الإدارة الأمريكية من هذه المنظومة.

 لا شك بأن المنطقة العربية هي مركز الحاضنة السنية الإسلامية في موازات الحاضنة الإيرانية التي يتغذا عبرها التشيع والتصوف وغيرها من الحركات الباطنية المنتسبة للهوية الإسلامية، وهنا يجب التأكيد أكثر على أن الصراع الحضاري بين الغرب والمنطقة العربية هو صراع بين هوية إسلامية وإرث ديني شرعي وبين خليط من الأطماع الاقتصادية والدينية المتوارثة والمنطوية تحت ستار من العلمانية الكنسية التي تتستر بها الدولة القومية الحديثة في الغرب.

استهداف الموروث الديني ومصادر تأصيله وحفظه مثل إستهداف البخاري والتشكيك بأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام وكذلك الإنبراء للتفسير العقلي للأحكام الفقهية دون مراعاة أسباب النزول وقابلية المكان والزمان للتطبيق،  والتشكيك في قابلية العيش المشترك بين أطياف المجتمع المسلم المتجانس ضمن هوية قيمية واحدة والمفاضلة بينها وبين الهوية القومية التي تجمع متناقضات مختلفة تتنوع بين الدين والعرق والإنقسام الجغرافي واختبارات الولاء الوطني، كل ذلك يأتي في سياق زيادة الفجوة والتباعد بين أبناء المجتمع المسلم وهدفه ليس صنع هذه الفجوة بقدر ماهو التشكيك في مصادر تغذية وتدعيم ركائز الوحدة بين أبناء الشعب الواحد والأمة الواحدة.. فحينما يتم استهداف الدول لاسيما في بلادنا العربية يتم استهداف المنظومة الدينية لأنها أبرز عوامل الوحدة وأكبر حصانة للمجتمع بعد القوانين والتشريعات الرسمية المستمدة اصلاً منها.. فالإنسان الذي لا يردعه القانون قد يردعه دينه في تجاوزاته الخارجة عن منظومة القيم في المجتمع لكن إن فقد هذا الإنسان دينه فلن تردعه إلا قوة القانون لكن تبقى قوة القانون رهينة بقوة وقدرة الدولة على تطبيقها، وليكن في ليبيا عبرة لنا فبعد أن فقدت الدولة هيبتها أصبح الناس يحتكمون إلى منظومة قيم دينية وقبلية تحافظ على الحد الأدنى من حقوقهم في ظل ضياع سلطة الدولة.

 ما أود قوله هنا أن ما يشتغل عليه أعداء الحاضنة السنية في العالم العربي هو تفتيت مصادر قوتها عبر نافذة صنع هوية جديدة لها من خلال إعطاء فرصة للكثير من أصحاب النزوات والباحثين عن الشهرة للتشكيك في منظومة قيمها وزعزعتها ولنكون أقرب للواقع لنا في المفكر الفلسطيني عزمي أنطوان بشارة نموذج واضح، لذلك أنصفه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات حينما زاره إلى تونس بكتابة ورقة صغيرة وتمريرها إلى جهاز المخابرات الفلسطيني مضمونها "ضعوا هذا الرجل في دائرة المراقبة الحثيثة". زار عضو الكنيست الإسرائيلي، عزمي أنطوان بشارة، في حينه ياسر عرفات في مقر منظمة التحرير في تونس عارضاً عليه فكرة تنظيم أعضاء الكنيست لصالح منظمة التحرير تحت غطاء مؤسسة فكرية على أن تقوم المنظمة بتمويل مشروع بشارة المستقبلي. لكن عرفات الذي رفض المشروع كان يرى بأن بشارة كان يحمل مشروعاً إسرائيلياً هدفه إختراق منظمة التحرير لصالح الموساد. لكن بشارة الذي شعر بإهانة شديدة من عرفات توجه إلى عدوه اللذوذ الرئيس السوري حافظ الأسد حتى قفز فجأة في قارب إيران وحزب الله وأصبح ضيفاً متنقلاً بين بيروت ودمشق.

 ابتداع فكرة مراكز الدراسات لم تكن وليدة صدفة بالنسبة لبشارة فقد كان سجله في الدولة العبرية حافلة بهذه الأنشطة مع المنظمة الإسرائيلية، فقد ولد في مدينة الناصرة لعائلة مسيحية عام 1956م، وكان عضواً ناشطاً في اتحاد الطلاب العرب في المدرسة المعمدانية في الناصرةن وخلال دراسته الجامعة في حيفا إلتحق بالحزب الشيوعي الصهيوني منذ عام 1974، وبعد ذلك سافر إلى ألمانيا ليكمل دراسته في جامعة هومبولت في برلين ليتخرج بشهادة دكتوراه في الفلسفة عام 1986م.

يلخص الصحفي الفلسطيني زهير أندرواس نشأة عزمي بشارة بقوله" إن بشارة ينتمي إلى فكر والده أنطوان الذي نشط في الحزب الشيوعي الذي كان يدعم قرار تقسيم فلسطين، بالإضافة على والدته التي كانت تمتلك علاقات مشبوهة مع أجهزة الأمن الإسرائيلية". حصل بشارة على عضويته في الكنيست عقب تعيينه نائباً لرئيس معهد (فان لير) الإسرائيلي وهو معهد متخصص في دراسة واقع المجتمع الإسرائيلي ومستقبله ورسم سياسات الهوية وقضايا المجتمع.

خلال عمله في المعهد طرح عزمي بشارة مقالة بعنوان: "الفوارق بين السياسة الدينية والتدين السياسي" وفيها ذهب إلى أن الحركات الإسلامية تقع ضمن إطار التدين السياسي ولا يمكننا تحليل هذه الحركات إلا من خلال عملية العلمنة التي تمر بها المجتمعات العربية المسلمة ومرد ذلك إلى نشوء أجهزة سلطوية علمانية ولوجود القومية العربية العلمانية"..

يقول عاطف الجولاني رئيس تحرير صحيفة السبيل الاردنية في تقرير نشره عن بشارة "إن الأخير خلال فترة وجوده في معهد (فان لير) وجامعة بيرزيت طرح فكرة الحكم الذاتي الثقافي لفلسطيني 1948 والتي اتهم سعيد زيداني بأنه اختطفها منه وبدا أنه تحلل نهائياً من شيوعيته – وليس من ماركسيته - لصالح التصورات القومية الليبرالية المبنية على أسس الفكر الليبرالي الحداثي المعاصر بشقيه المواطنة وحقوق الإنسان".

رجا اغبارية، سكرتير حركة أبناء البلد داخل الخط الأخضر، هو أحد الداعمين لفكرة التجمع الذي كان يتزعمه عزمي بشارة، ينقل عنه الجولاني في محادثة بينهما أنه: "شخصية متعجرفة وأنانية وتستغل الأبعاد الطائفية لمصلحة بقائه رأساً في سلم التجمع".

أما عبد الله نمر من كفر قاسم فيقول حول تجربته مع عزمي بشار أثناء الترتيب للانتخابات المحلية للأحزاب العربية: "تجربتي مع هذا الرجل عزمي بشارة، سريع الغضب، متكبر، استعلائي، دكتاتوري في قراره، لا يلتزم بالأخلاق، أخلاق الصحبة، ولا يرد المعروف لأصحابه إلا بالنكران".

كانت ظاهرة " الربيع العربي" فرصة كبيرة لصنع حرب جديدة تستهدف الهوية العربية والإسلامية والتنظير للتنوير العقلاني بصفته لغة المنطق الذي يشكك في التدين "المتكلف" الذي يحرم الشعوب من مساحة كبيرة من الحرية، ونظراً لمساحة الحرية التي صنعت في تلك الفترة وتزامن ذلك مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي ألغت سلطة الرقيب الحكومية على وسائل الإعلام وساهمت في تجرأ الكثير من طالب الشهرة على المجاهرة بإستهدف منظومة القيم والتشكيك في حاجة المجتمعات لها.  كان لعزمي بشارة نصيب الأسد في استثمار هذه الظاهرة فقد وفرت له قطر حاضنة إعلامية ضخمة مكونة من عدة منصات للترويج لهويته الفكرية وتصدير شخصيته على أنها قدوة لصناع الفكر وأعلام السياسة لكن الحقيقة كانت ليس في شخص عزمي بشارة بل بما تروجه المنصات التي يقودها..

كان دائماً شديد التركيز على التنظير لفكرة القومية العربية و إزالة القيود التي ترفضها خصوصيات المجتمعات وكذلك الأحكام الدينية التي تفرضها الشريعة الإسلامية لغاية واحدة وهي تحطيم الأيديولوجيا في العالم العربي وصناعة قومية عربية واحدة على حساب الدين، وهي نظرية علمانية يريد أن يطبقها تحت شعار قومي، للتغلب على النفوذ الديني داخل المجتمعات العربية المتمثل بالعلماء ورجال الإفتاء.

وفي كتابه "أن تكون عربيا في أيامنا يقول عزمي بشارة: "القومية العربية حاجة عملية ماسّة وبراغماتية في الوصول، ليس فقط إلى مجتمع حديث قائم على الانتماء الفردي، بل أيضاً لتزويد المواطن بهوية ثقافية جامعة تحيّد غالبية الطوائف والعشائر... عن التحكّم في انتماء الفرد السياسي"..

ويضيف استكمالا لما سبق "في مثل هذا الظرف الذي تتجلى فيه واقعية الطوائف والعشائر وتشظّي الدولة وعدم قدرتها على بناء أمة قطرية، لم يعد ممكناً التعاطي مع القومية العربية كرومانسية إلّا كسوء نية سياسي يعبّر عن موقف.. لا بد من طرح مشروع سياسي جديد منمٍ عن وعي إلى هذا التاريخ".

وفي تقرير نشره الصحفي عاطف الجولاني ينقل عن الذراع الأيمن ومساعد عزمي بشارة زاهد عزت حرش قوله: "إن هناك الكثير من الأخطاء الكامنة المستترة في مسيرته تحت ستار "المخفي أعظم"، لقد حصل الدكتور عزمي على أول دفعة دعم دولاري من صندوق فورد وهو صندوق أمريكي له زبانيته الخصوصيين... كانت الدفعة الأولى على ما جاء على لسان مقربيه بقيمة 4 ملايين دولار..."

ثم يقول: "إن من عملوا مع الدكتور عزمي في حزبه وجمعياته يعرف أن هناك الكثير من علامات الاستفهام حول النجاحات الإعلامية "الخارقة" التي حققها خلال سنوات ظهوره السياسي المباشر.... إن من عملوا أو ما زالوا يعملون معه في حزبه وجمعياته المنتشرة في الجليل، الناصرة وحيفا خاصة، يعرف الكثير مما قد يقوم به أو يرتكبه هذا "المفكر العربي" الكبير وكواحد ممن عاصروه وعملوا إلى جانبه فيما بين 1995 – 1996.. أي أيام التحالف بين الجبهة وحزبه.. إذ وصفه أمامي بأنه تحالف استراتيجي، جاء ليصد الهجمة الأصولية للحركة الإسلامية".

في أبريل عام 2011 ومع بداية الثورة المصرية نشر المركز العربي  للأبحاث والدراسات السياسية الذي يديره عزمي بشارة دراسة عن "المسألة القبطية في مصر"، كان الغاية منها بحسب بشارة "إعادة صياغة العلاقة بين مسلمي مصر وأقباطها في إطار هوية وطنية مشتركة"، وهو ما يشير إلى سعيه الدؤوب لتمزيق الهوية الدينية للمجتمع المصري أو بوضوح المساواة بين 80 مليون مسلم و 8 ملايين قبطي.

وفي أحد إصدارات المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسات الذي يستخدمه بشارة للترويج لنظريته الليبرالية، كتاب بعنوان "حرية – مساواة – اندماج اجتماعي: نظرية العدالة في النموذج الليبرالي المستدام"، وبحسب المركز فإن الكتاب "يرجع التنافر بين المجالين السياسي والاقتصادي في العالم العربي إلى غياب النموذج الليبرالي الاجتماعي المتّسق مع مفاهيم العدالة التي تشمل الحرية والمساواة والاندماج الاجتماعي".

ويحاول الكتاب الترويج لنظريات الفيلسوف  الأمريكي جون رولز  في الفكر الليبرالي الاجتماعي، فناشره يريد  بناء مجتمع عربي بطابع ليبرالي، مع ضمان إذابة تأثير الطوائف الدينية على حركة هذا المجتمع وإنتاجه.

آخر الحوادث التي قد تكون كاشفة لستر عزمي بشارة هي برنامج "عصير الكتب" الذي يقدمه المصري أحمد صبحي منصور على "تلفزيون العربي" الذي يعد أحد ابرز مشاريع التنظير لفكرة القومية العربية التي يسعى لتحقيقها بشارة، فقد ذهب منصور بعيداً في إزدراءه لصاحبة رسول الله عليه الصلاة والسلام حينما وصف الخلفاء الراشدين بــ"جواسيس قريش" في حلقة البرنامج الأخيرة.



أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
نص التعليق :  
كود الصورة :
Captcha