هل نستيقظ على فاجعة؟!


أ. أحمد الفقي



في الانتخابات البريطانية الأخيرة التي هزم فيها حزب العمال بزعامة جيرمي كوربن وصعد إلى سدة السلطة بوريس جونسون بدعم وزعامة حزب المحافظين قدمت الديمقراطية البريطانية درساً غاية في الجمال لظاهرة الفوضى السياسية العربية تتعلق بأولويات المجتمعات وكيفية صنع الأهداف الإستراتيجية للكيانات السياسية في بلاد تتنوع في أعراقها وهويتها السياسية التي غالباً ما يحدد مسارها المنافع المتبادلة بين الناخب والمنتخب. كانت تدور الشعارات التي سبقت يوم الانتخابات حول هوية يمينية يقودها حزب المحافظين تؤيد الإنفصال عن أوروبا واستعادة بريطانيا العظمى مرة أخرى لكن دون الحديث بصراحة عن الإرث المسيحية لدولة لها تاريخ طويل من الاستعمار والحروب، وبين هوية أخرى يمثلها اليسار الذي يقود حزب العمال ممثلاً بجيرمي كوربن الذي رفض الإعتذار لليهود قبيل الانتخابات على خلفية رفض الحزب إعلان رفضه لكل أشكال "معاداة السامية".. رغم إنحسار أولويات الناخبين البريطانيين في المنفعة الاقتصادية المتعلقة بالخدمات العامة وتجويد البنية التحتية إلا أن الأحزاب الكبرى في بريطانيا لا تزال تقاتل من أجل هويتها الفكرية والإعتقادية التي قامت لأجلها. وأكدت الانتخابات الأخيرة صحية هذه الحالة، فقد نجح الأهوج بوريس جونسون في جمع أصوات الناخبين على خيارات اقتصادية تعد حاضنتها الأساسية دينية بحته مرتبطة بطرد اللاجئين وتقويض تمدد الإسلام في بريطانيا على اعتبار أن الخروج من "البريكيست" سيؤدي إلى إغلاق الحدود البريطانية في وجه اللاجئين القادمين من البلدان الأوروبية.

ما يبرهن على سابق القول نشرته صحيفة الغارديان في تقرير صحفي أشارت خلاله إلى انضمام 5 آلاف عنصر من أعضاء حزب "بريطانيا فيريست" إلى حزب المحافظين، والحزب المذكور هو نسخة سياسية من اليمين المسيحي البريطاني وصرحوا أكثر من مرة بأن دعمهم لجونسون جاء لشدة عداءه للإسلام.

وقال الحزب إن ثلثي أعضائها المسجلين التحقوا بحزب المحافظين خلال الانتخابات الأخيرة، وتعد هذه لحظة تاريخية بالنسبة للحزب لترجمة شعاراته على المستوى السياسي وأبرزها المحافظة على الإرث المسيحي لبريطانيا ووقف موجات هجرة المسلمين. وشدد الميثاق السياسي للحزب على رفض وترحيل جميع "طالبي اللجوء" الذين لا ينتمون لبلدان أوروبية. ونص أيضاً على رفض المحاكم الشرعية الإسلامية ومنع استخدام النقاب في الأماكن العامة وإغلاق المساجد ودور العبادة المرتبطة بالمسلمين وإغلاق وتفتيش جميع المؤسسات الإسلامية.

وقالت الناطقة باسم "بريطانيا فيرست"، آشلي سيمون، إن نهج رئيس الوزراء الحالي ضد الإسلام شجع على دعمه، وكانت الشرطة البريطانية قد حققت مع عدد من قادة الحزب بتهم تتعلق بالإرهاب،

وقالت سيمون إن حزبها سيدعم تشكيل حركة يمينية متشددة داخل حزب المحافظين يمكنها السيطرة على الحزب ودعم جونسون في قراراته السياسية، وقدم الحزب احتجاجات على بناء المساجد وتوسيعها في بريطانيا وكذلك انتشار بيع اللحوم الحلال في بريطانيا.

بيت القصيد هنا هو ما يتعلق بكيفية تلاحم البريطانيين حول منظومتهم القيمية ومحاولاتهم المتعددة لتوجيه السياسيين خلف أهداف يراد تحقيقها عبر مساحة الحرية الممنوحة لمثل هذه الأحزاب للتحرك في فضاء الديمقراطية الغربية، وتجاهلنا نحن المسلمين العرب إرث تاريخي طويل من النسق القيمي والديني والأخلاقي ومحاولتنا تمزيقه بالتشبث بصراعات صنعها خصوم هذا الإرث الحضاري الضخم، ولغاية تتعلق بتمزيق الصف واتساع دائرة الفوضى واستمرارية الهيمنة على الهوية السياسية التي نستظل بها. 

 



أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
نص التعليق :  
كود الصورة :
Captcha