منهج القاضي عياض في الاختيار بين أحداث السيرة النبوية

Share
Share
منهج القاضي عياض في الاختيار بين أحداث السيرة النبوية
منهج القاضي عياض في الاختيار بين أحداث السيرة النبوية



الدارس لأحداث السيرة النبوية يجد نصوصاً متعارضة في الظاهر: إما من حيث معارضتُها للعقيدة السليمة، وإما من حيث استحالةُ وقوعها تاريخياً، وإما من حيث انعدامُ وقوعها لتنافيها مع المسلَّمات والأسس الدينية الإسلامية، وقد سخَّر العلماء جهودهم لفك معضلها، وتخريج مشكلها، والقاضي عياض واحد من الأعلام الذين وقفوا على حدود سيرة المصطفى للذود عنها، ودفع الاختلاف عن التطبيق العملي لأخلاق الإسلام، لذلك حاولت في هذا البحث أن أُسهم في وضع ملمح تأصيلي يبين منهجه في الاختيار بين أحداث السيرة النبوية التي ظاهرها التعارض، وينبه على قيمة وأهمية دراسة اختيارات العلماء في السيرة النبوية.

المطلب الأول: تعريف الاختيارات السيرية:

(الاختيارات السيرية) لفظ مركب من صفة وموصوف، ولكل جزء منه دلالة خاصة به إذا أُفرد، والبحث لا يتعلق بدلالة كل منهما على انفراد، وإنما يتعلق بدلالة المصطلح باعتباره لقباً وعَلَماً على هذا المبحث من علوم السيرة النبوية، وهذا يتطلب منا أن نعرف كلاً من لفظي (الاختيارات) و (السيرية) بغية الوصول إلى معنى اللفظ المركب، ومنه إلى مفهوم الاختيار السيري.

 أولاً: تعريف الاختيار:

التعريف اللغوي: الاختيارات من حيث اللغة: جمع اختيار، والمعاني التي يؤول إليها مصطلح (الاختيار) هي: العطف والميل، والانتقاء، والتفضيل.

قال ابن فارس: الخاء، والياء، والراء أصله العطف والميل، ثم يحمل عليه. فالخير: خلاف الشر؛ لأن كل واحد يميل إليه ويعطف على صاحبه[1]. وقال ابن منظور: وخار الشيء واختاره: انتقاه واصطفاه[2].

التعـريف الاصطلاحي: يعرَّف الاختيار في الاصطلاح بأنه: ترجيح الشيء، وتخصيصه، وتقديمه على غيره [3]، وقال بعضهم: الاختيار، الإرادة مع ملاحظة ما للطرف الآخر، كأن المختار ينظر إلى الطرفين، ويميل إلى أحدهما[4]. وقال الطاهر بن عاشور: والاختيار تمييز المرغوب من بين ما هـو مخلوط؛ من مرغوب وضده[5].

ثانياً: تعريف السيرة النبوية:

أسندت الاختيارات إلى السيرة النبوية، فوصفت بها، فهي «اختيارات سيرية»، وهو ما يجعلنا نتعرض لتعريفها.

التعريف اللغوي: مصطلح (السيرة) من حيث اللغة له عدة استعمالات: فقد وردت السيرة في اللغة بمعنى (السُّنة)، (الطريقة)، يقال سار بهم سيرة حسنة. ويراد بها (الهيئة)، ومنه قوله تعالى في محكم تنزيله: {قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى} [طه: 21]. وتطلق على (الضرب) من السير[6].

ويلاحظ من معاني السيرة اللغوية أنها تنطبق على سيرة رسول، فهي تمثل الجانب العملي من سنته، كما أن السنة الإسلامية أول من سنها رسول، وهي طريقته ومنهجه في تطبيق تعاليم الإسلام، كما أنها هي وصف لحاله وهيئته ومنهج حياته مع أزواجه وأصحابه وأعدائه والمحايدين.

التعريف الاصطلاحي: أما تعريف السيرة النبوية في الاصطلاح، فقد اختـرت تعريف العـلَّامة محمد الطالب بن الحاج[7] في (الأزهار الطيبة النشر فيما يتعلق ببعض العلوم من المبادئ العشر)، حيث عرَّف السيرة النبوية بقوله: «العلم الباحث عن أيام النبي وأحواله من أول مبعثه إلى أن توفاه الله تعالى»[8]. إذ المراد بلفظ (أيامه) حياة النبي صلى الله عليه وسلم  من وقائع وأخبار، ولفظ (أحواله) بيان لأخلاقه وصفـاته وخصائصه ودلائل نبوته وأحوال عصره.

ثالثاً: مفهوم الاختيار السيري:

يمكن أن نعبِّر عن مفهوم الاختيار السيري بأنه: دراسة قضايا السيرة النبوية، التي وقع فيها خلاف بين العلماء، ومحاولة انتقاء أقوى الآراء.

 فيُدخل في دراسة الاختيارات أحداث السيرة النبوية، وباقي المسائل المتعلقة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فكلٌّ من (الشمائل، الخصائص، الدلائل، المغازي) فإنه يندرج ضمن الدراسة والبحث، أما الاقتصار على دراسة الأحداث البارزة المشهورة فقط، فقد يعد خرماً في المنهج العلمي، و إبعاداً لمباحث أصيلة في علم السيرة النبوية.

والتعبير بلفظ (السـيرة النبوية) يُخرِج الاختيـار الفقهي أو العقدي أو التفسيري أو الأصولي، أما لفظ (الخلاف) فيُدخل المسائل التي وقع فيها خلاف، ويُخرج المسائل المتفق عليها بين العلماء؛ إذْ مقتضى الاختيار أن يكون هناك تعدد فيما يُختَار منه، فهو علم خلاف وليس بعلم وِفاق.

المطلب الثاني: مسالك الاختيار عند القاضي عياض:

نَهَجَ القاضي عياض منهجاً علمياً في رفع الاختلاف عن أحداث السيرة النبوية. ويمكن أن ألخص مسالكه في الآتي:

أولاً: الجمع بين الأدلة.

ثانياً: الترجيح بين الأدلة.

ثالثاً: التوقف إذا تعذر الترجيح.

وفيما يلي بيان لهذه المسالك مع التمثيل لها بنموذج أو أكثر، وهي على الترتيب التالي:

الجمع بين الأدلة: يعتبر مسلك الجمع بين الأدلة أول مسلك يجب على المجتهد سلوكه، فيحاول الجمع بين الوقائع السيرية المختلفة في الظاهر، وقد اختار القاضي عياض هذا المسلك واعتمد عليه في عدد من الوقائع، نذكر منها حادثة تردي النبي صلى الله عليه وسلم  من شواهق الجبـال عندما جمع بين إجماع الأمة على عصمته من قتل نفسه والتسليم بصحة الواقعة، بأن ذلك كان قبل مبعثه، أو قبل تشريع حكم ينهى عن قتل النفس، قال في الشفا: «فقد بيَّن لك في هذا أن قوله لما قال، وقصده لما قصد، إنما كان قبل لقاء جبريل عليهمـا السلام، وقبل إعلام الله تعالى له بالنبوة وإظهاره واصطفائه له بالرسالة... أو أنه فعل ذلك... ولم يَرد بعدُ شرعٌ بالنهي عن ذلك فيعترض به».

الترجيح بين الأدلة: هذا هو المسلك الثاني الذي اعتمده القاضي عياض في كتابه (الشفا)، فإذا تعذر الجمع فإنه يعمل بالراجح ويترك المرجوح، والعمل بالراجح محل إجماع بين أهل العلم، يقول ابن تيمية: «فالواجب على المجتهد أن يعمل بما يعلم أنه أرجح من غيره، وهو العمل بأرجح الدليلين المتعارضين» [9]، واتبع القاضي هذا المسلك في قصة الغرانيق، وطهارة فضلاته، وحادثة شق الصدر، والصلاة على غير النبي، وكيفية الإسراء، وتاريخ الإسراء وغيرها.

التوقف إن تعذر الترجيح: إذا تعذر الجمع والترجيح فإن القاضي يتوقف في المسألة حتى يتبين وجه الحق فيها، ومثاله ما أورده في حادثة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم  لربه جل وعلا في ليلة المعراج، يقول في الشفا: «والقول بأنه رآه بعينه فليس فيه قاطع أيضاً ولا نص... فإن ورد حديث نص بيِّن في الباب اعتقد ووجب المصير إليه»[10].

فهذا هو مجموع المسالك التي اعتمدها القاضي عياض في دفع الاختلاف عن أحداث السيرة النبوية وهي لا تخرج عن الجمع والترجيح ثم التوقف.

 المطلب الثالث: مجالات الاختلاف في السيرة النبوية عند القاضي عياض:

بعد تتبع أهم المجالات التي أولاها القاضي عياض اهتماماً بالمناقشة والبحث، نجدها ترجع إلى خمسة مجالات رئيسة:

المجال الأول: الاختلاف في تحديد تواريخ وقائع السيرة النبوية: وهذا المجال من أكبر المجالات التي وقع فيها الخلاف، ويضم أصنافاً شتى؛ كالاختلاف في تحديد تواريخ موالـد الأعـلام ووفيـاتهم، وتواريخ البعـوث والسرايا، وزمن تنزُّل الأحكام، وتاريخ الأحداث الكبرى، كتاريخ حادثة الإسراء والمعراج؛ إذ نجد القاضي توقف عند تاريخ الواقعـة، وأشار إلى الخـلاف الوارد في المسألة، ثم رجَّح ما ثبت رجحانه عنده[11].

المجال الثاني: الاختلاف في أصل وقوع الحدث: اعتنى القاضي عياض بهذا المجال عناية كبيرة، ولعل سبب هذا الاهتمام من القاضي عياض بهذا الصنف من الأحداث، يرجع إلى كثرة الوضع فيه من قِبَل الرواة الذين اختلقوا الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولذلك عنـدما تطرَّق أبو الفضل إلى قصة الغرانيق، وحادثة التردي من شاهق، وتأثير السحر في رسول الله صلى الله عليه وسلم  - خاصة فيما يتعلق بتبليغ الوحي - نجده قد خصص لها حيزاً مهماً من كتابه الشفا يتعدى الصفحات، بل قد يصل إلى فصل كامل كحادثة السحر مثلاً.

المجال الثالث: الاختلاف في تكرر وقوع حدث بعينه: ورد هذا الضرب من الخلاف في كتاب الشفا في مسألة شق صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم  وسبب الخلاف في هذا الصنف يرجع إلى الجمع بين الروايات الواردة في الموضوع أو الأدلة المحتفَّة بالخبر؛ إذ يحمل بعض العلماء تعدد الروايات على تعدد الواقعة.

المجال الرابع: الاختلاف في بعض ما احتف بالخبر من ملابسات: قد لا يقع الخلاف في أصل وقوع الحدث إثباتاً ونفياً، وإنما يقع في الوقائع المقترنة بالخبر نفسه، وكيفية الحدث وملابساته، ومثاله ما أورد القاضي عياض في كتابه (الشفا) حول كيفية الإسراء والمعراج؛ هل أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم  يقظة أو مناماً؟ وهل كان بالروح والجسد معاً، أم بالروح فقط؟

المجال الخامس: الاختلاف في تحديد الخصائص النبوية: الخصائص النبوية شُعبة من شُعَب التصنيف في السيرة النبوية، وإغفال الخصائص النبـوية أثناء عملية البحث قد يُخِل بالمنهج العلمي في دراسة السيرة النبوية؛ وذلك لِـمَا له من أهمية كبرى في تمييز الأحكام الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولِـمَا يترتب عليه من الاقتداء بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، أضف إلى ذلك أن بعضهم ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  من الخصائص ما لا يليق بمقام النبوة، والقاضي عياض تنبَّه إلى قيمة العناية بهـذا الموضوع الجلل، وصنيعُه في الشفا يعبِّر عن ذلك، حيث تطرق لبعض الخصائص النبوية في غير ما موضع، كحديثه عن حكم الجمع بين اسمه وكنيته، وطهارة فضلاته.

المطلب الرابع: صيغ الاختيار عند القاضي عياض:

عند النظر والتأمل في اختيارات القاضي عياض؛ يتضح تنوع الصيغ عنده إلى قسمين: القسم الأول الاختيار بلفظ صريح، والقسم الثاني الاختيار بلفظ غير صريح.

القسم الأول: التعبير بلفظ صريح في بيان الاختيار:

وصورته أن القاضي عياض في أغلب المسائل يذكر اختياره بصيغة صريحة، وهذه الصيغة هي الأشهر في الاختيار عند أهل العلم، وله في ذلك عدة صيغ، منها:

التنصيص على تصحيح القول أو تصويبه كقوله: «والصحيح»[12]، «والحق الذي لا امتراء فيه»[13]، و «الصواب إن شاء الله»[14]، وهذه الصيغ تنص على تقدم قول على آخر، وظاهرة في دلالتها على الاختيار.

الاختيار بالتنصيص على صحة الرواية: قال في حادثة شق الصدر: «إذ شق البطن في الأحاديث الصحيحة إنما كان في صغـره»[15]. والتصريح بصحة الرواية من الصيغ الصريحة، التي تدل على تقوية القول وتقديمه على غيره وإن لم يصرح المصنف بلفظ صريح، كقـوله: «والصحيح»، «والصواب». وهي طريقة معتبرة عند أهل العلم.

الاختيار بتضعيف القول الآخر: يورد القاضي عياض في بعض المسائل قولين أو أكثر، ثم يعقب على بعض تلك الأقـوال بما يدل على تضعيفه له، كأن ينص على ضعف الحديث وبطلانه، ومثاله: ما أورده في قصة الغرانيق وتضعيف أحد القولين في المسألة يدل على ترجيح مقابله، وإن لم ينص على اختياره، وهذا المنهج مقرر عند العلماء؛ قال ابن عبـدالبر: «ولا خلاف بين أهل العلم والنظر أن المسألة إذا كان فيها وجهان، فقام الدليل على بطلان الوجه الواحد منهما أن الحق في الوجه الآخر، وأنه مستغنٍ عن قيام الدليل على صحته، بقيام الدليل على بطلان ضده»[16].

الاختيار بتنصيصه على الميل لقول من الأقوال، مع التصريح باسم من يقتدي به من الصحابة والتابعين وتابعيهم: من معاني الاختيار في اللغة الميل إلى الشيء كما بيَّناه آنفاً، ومِن ثَمَّ نجد القاضي عياض يعبِّر عن اختياره بلفظ: «وأميل إليه» ومثاله ما أورده في مسألة الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم  فأفصح عن اختياره في المسألة بقوله: «والذي ذهب إليه المحققون، وأميل إليه، ما قاله مالك وسفيان رحمهما الله»[17].

الاختيار بصيغة أفعل التفضيل: ومن صيغ التفضيل لفظ «أشبه» أوردها القاضي في تاريخ الإسراء والمعراج، قال: «وقد قيل: كان قبل الإسراء لخمس قبل الهجرة، وقيل: قبل الهجرة بعام، والأشبه أنه لخمْس»[18]، وتفضيل قول من الأقوال على غيره يدل على تقـديم القول المختار، والله تعالى أعلم.

القسم الثاني: التعبير بصيغة غير صريحة في بيان اختياره:

 وصورته أن القاضي يذكر المسألة ويورد قولين أو أكثر، ثم يأتي بالأدلة التي تقوي وترجح اختياره لذلك القول، وتارة يقدم الروايات، ثم يعبِّر عن رأيه فيها.

مثال الأول: قوله في مبحث اختصاصه بنظافة فضلاته: «فقد قال قوم من أهل العلم بطهارة هذين الحَدَثين منه... وشاهد هذا أنه لم يكن منه شيء غير طيب»[19].

 ومثال الثاني: بعد أن ذكر الروايات التي تثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  تأثر بالسحر، قال معقباً: «فقد استبان لك من مضمون هذه الروايات أن السحر إنما تسلط على ظاهره وجوارحه، لا على قلبه واعتقاده وعقله»[20].

ومما يلاحظ هنا أن القاضي في الصيغتين كليهما لا يصرح بتصحيح أو تضعيف، ولعل هذا هو الفرق بين القسم الأول والثاني؛ فالاختيار في القسم الأول ظاهر، بينما الاختيار في القسم الثاني يُعقل مع التأمل، وإعمال الفكر في القراءة، ولذلك صنفتُ الاختيار إلى صريح وغير صريح، والله تعالى أعلم.

المطلب الخامس: وجوه الاختيار عند القاضي عياض:

أسس القاضي اختياراته في نقد روايات السيرة النبـوية على القواعد والأصول المعتبرة، ومعلوم أنها تتفاضل في الدرجة والرتبة، لهذا سأذكرها مرتبة حسب ترتيبها المتفق عليه بين العلماء:

الاختيار باعتبار دلالة القرآن: القرآن الكريم صلى الله عليه وسلم  هو أقوى الأصول وأصحها في معرفة السيرة النبوية الشريفة، فقد ذكر وقائع من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم  قبل بعثته وبعدها، وأحوال دعـوته، وأخلاقه، وصفاته، وعلاقته بغيره في السلم والحرب، بل القـرآن الكريم تفرَّد عن باقي المصادر بوصف الحالة النفسية التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم [21]؛ لذلك نجد القاضي غالباً ما يزن أحداث السيرة النبوية بميزان القرآن، فيعمل ما وافقه، ويهمـل ما خالفه؛ إذ عندما ناقش كيفية الإسراء والمعراج، استدل على أنه كان يقظة بقوله تعالى: {وَإذْ قُلْنَا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْـمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا} [الإسراء: 60]، وقال: «مثل هذا من المنامات لا ينكر، بل لم يكن ذلك منهم، إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن جسمه، وحال يقظته»[22].

الاختيار باعتبار السنة النبوية: من وجوه الاختيار المعتبرة عند علماء السيرة النبوية تقديم ما جاء في مصادر السنة المسلَّم لها بالصحة والقبول، فلا يقدم على ما فيها - إن صح - شيء من الأخبار في المصادر الأخرى من كتب المغازي والتاريخ... إلا إذا أيَّدها القرآن، وهذا ما درج عليه القاضي عياض في جل المسائل، ومن أمثلـة ذلك: ما ذكـره في حادثة التردي من شاهق[23]، واختصاصه بطهارة فضلاته[24].

الاختيار باعتبار إجماع الأمة: الاستدلال بالإجماع من أقوى وجوه الاختيار، وهو حجة قوية لاختيـار بعض الأقـوال دون بعض، وكيف لا يكون كذلك والنبـي صلى الله عليه وسلم  أخبـر أن أمتـه لا تجتمع على ضلالة؟ وإدراكاً من القاضي عياض لأهمية هذا الوجه في الاختيار، فقد أعمله في مسألة السحر الذي أثَّر في جوارح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا على قلبه واعتقاده وعقله، واستدل على اختياره بإجماع الأمة على عصمته فيما يتعلق بالتبليغ والرسالة، قال رحمه الله: «وأما ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا»[25].

الاختيار باعتبار عمل الصحابة: القول أو الفعل المروي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  حجة شرعية عند مالك، يقول الباجي: «وإذا قال الصحابي قولاً وحكم بحكم فظهر ذلك، وانتشر انتشاراً لا يخفي مثله ولم يعلم له مخالف، ولا سمع له منكر، فإنه إجماع وحجة قاطعة، وبه قال جمهور أصحـابنا وأصحاب أبي حنيفة والشافعي»[26]. وقد اعتمد القاضي على هذا الأصل في مسألة الجمع بين اسمه وكنيته إذ اختار جواز الجمع بينهما بعد وفاته، واستدل بما كان عليه عدد من الصحابة في الجمع بين الاسم والكنية ولم يعلم أن واحداً منهم قد أنكر هذا العمل[27].

الاختيار باعتبار اللغة: الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم  نشأ في بيئة عربية أصيلة، والقرآن الكريم صور الحياة النبوية في معظم أجزائها، ولما اختصت السيرة النبوية بهذه الخصيصة، كان لزاماً على الدارس لأخبارها، أن يتمكن من قدرٍ مهمٍّ من علوم هذه اللغة، من ثَمَّ اهتم القاضي باللغة العربية في مناقشاته، واحتكم إليها عند اختيار بعض الأقوال دون بعض، ومن أمثلة ذلك: مبحث كيفية الإسراء والمعراج، حيث استدل القاضي بقول ربنا{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْـمَسْجِدِ الْـحَرَامِ إلَى الْـمَسْجِدِ الأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: ١]. على أن الإسراء والمعراج كانا يقظة لا مناماً، انطلاقاً من قوله تعالى «بعبده» و «لو كان مناماً لقال بروح عبده ولم يقل بعبده»[28]، فالقاضي عياض قد اعتمد في اختياره على المفهوم اللغوي لكلمة «العبد»، لأن لفظ «عبد» يطلق على الجسد والروح معاً[29]، ولو فصل الجسد عن الروح لما جاء التعبير القرآني بهذا اللفظ، فتبين من خلال قرينة لغوية أن الإسراء كان بالروح والجسد معاً.

الاختيار باعتبار القرائن التاريخية (الثابتة) المحتفة بالخبر: الأحداث السيرية التي عُرف تاريخها، واشتهر أمرها، واتفق عليها، تعد من القرائن التاريخية التي يمكن اعتمادها في ترجيح ما وافقها من الأقوال، وردِّ ما خالفها، وقد اعتمد القاضي عياض هذه القاعدة في اختيار تاريخ الإسراء، واعتبر تاريخ وفاة خديجة رضي الله عنها قرينة تاريخية تقوي ما ذهب إليه، من أن الإسراء كان قبل الهجرة بخمس سنوات، لأن خديجة أقامت الصلاة مع النبي، ومعلوم أن خديجة ماتت قبل الهجـرة بثلاث سنين أو خمس، والصلاة فرضت ليلة الإسراء.

وفي ختام هذه الورقة أقول:

على غرار مشكل الحديث النبوي الشريف الذي أرهق العلماء، وبذلوا فيه جهودهم قصد الإجابة عن تعارضه الظاهر، فإن السيرة النبوية تحتاج إلى الجهود نفسها لحل مشكلها؛ إذ حري أن تفرد أبحاث الماجستير والدكتوراه في هذا الصنف من الدراسات والأبحاث، حتى نتمكن من جمع أراء العلماء المبثوثة في بطون المصادر، وتصنيفها تصنيفاً علمياً يسهل معه الرجوع إلى أقوال المحققين من سلف الأمة، وتنزيلها على مجتمعاتنا المعاصرة في مختلف المجالات اقتصـادياً واجتماعياً وحضارياً... حتى تبقى بين أيدينا سيرة شاملة كاملة صحيحة موثقة، وهذا ما ندعو الباحثين للقيام به.

 وتبقى دراسة (اختيارات العلماء في السيرة النبوية) آلية من الآليات الكفيلة لتحقيق ما ذكرناه، من ثَمَّ تستحق العناية والبحث من طرف الباحثين المتخصصين في سيرة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ؛ لما يترتب عليه من إلمام بآراء علماء السيرة النبـوية، وتمييز لصحيح الأحداث من ضعيفها، وصحة ترتيب الأحداث، ودفع التناقض عن سيرة المصطفى، ونبعث روح السيرة النبوية من جديد في شتى صنوف الحياة.


 


[1] معجم مقاييس اللغة: مادة (خ ي ر).

[2] لسان العرب: مادة (خ ي ر).

[3] كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي: (1/119).

[4] الكليات للكفوي: (ص 62).

[5] التحرير والتنوير: (9/ 123).

[6] لسان العرب: مادة (س ي ر)، والقاموس المحيط: مادة (س ي ر).

[7] ترجمته في سلوة الأنفاس: (1/166).

[8] أبحاث المؤتمر الثالث للباحثين في السيرة النبوية:(ص 347).

[9] مجموع الفتاوى: (13/ 115).

[10] الشفا: (1/ 235 - 138). تحقيق كوشك، ط جائزة دبي.

[11] ينظر: الشفا: (1/232).

[12] الشفا: (1/227).

[13] المصدر نفسه: (1 / 235، 238).

[14] المصدر نفسه: (2/ 189).

[15] المصدر نفسه: (1/ 132).

[16] التمهيد: (20 / 199).

[17] الشفا: (2/81).

[18] المصدر نفسه: (1 / 232).

[19] الشفا: (1 / 148).

[20] المصدر نفسه: (2 / 168).

[21] مصادر السيرة النبوية وتقويمها:(ص 39).

[22] الشفا: (1/229).

[23] الشفا:(2/ 103، 104).

[24] المصدر نفسه:(1/ 148).

[25] المصدر نفسه: (2/168).

[26] الإشارة في أصول الفقه: (ص 73).

[27] الشفا: (2/189).

[28] الشفا: (1/ 229).

[29] سبل الهدى والرشاد: (3/23).

 

  


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة