السنن الإلهية في سورة (آل عمران)

Share
Share
السنن الإلهية في سورة (آل عمران)
السنن الإلهية في سورة (آل عمران)



تعريف السنن: جاء في لسان العرب: (سنن): «سنَّ للقوم سنة، وسُنة الله: أحكامه وأمره ونهيه، وسنَّ الله تعالى سنَّة؛ أي بيَّن طريقاً قويماً. والسنة: السيرة؛ حسنة كانت أو قبيحة، وفي الحديث:  (من سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سنَّ سنَّة سيئة...)؛ يريد من عملها ليُقتدى به فيها. والسنَّة: الطريقة والسيرة، وإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم  ونهى عنه وندب إليه قولاً وفعلاً مما لم ينطق به الكتاب العزيز؛ ولهذا يقال في أدلة الشرع الكتاب والسنة».

وفي التنزيل: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْـمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137]، قال القرطبي: «وَالسُّنَنُ جَمْعُ سُنَّةٍ وَهِيَ الطَّرِيقُ المسْتَقِيمُ. وَفُلَانٌ عَلَى السُّنَّةِ أَيْ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِوَاءِ لَا يَمِيلُ إِلَى شيء مِنَ الْأَهْوَاءِ، وَالسُّنَّةُ: الْإِمَامُ المتَّبَعُ المؤْتَمُّ بِهِ، يُقَالُ: سَنَّ فُلَانٌ سُنَّةً حَسَنَةً وَسَيِّئَةً إِذَا عَمِلَ عَمَلاً اقْتُدِيَ بِهِ فِيهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. والْمَعْنَى {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} يُعْنَي بِالْهَلَاكِ فِيمَنْ كَذَّبَ قَبْلَكُمْ كَعَادٍ وَثَمُودَ».

 اشتملت سورة (آل عمران) على عدة سنن إلهية منها: سنة الأخذ بالذنوب، وسنة إيتاء الملك ونزعه (التداول الأممي أو الحضاري)، وسنة الابتلاء بالشبهات والشهوات وبالجهاد... وإلى البيان:

أولاً: سنة الأخذ بالذنوب:

فالذنوب سبب العقاب والانتقام، ومن هذه الذنوب الاغترار بكثرة الأموال والأولاد، وكفر النعم والتكذيب بآيات الله سواء كانت آيات كونية أو معجزات حسية مادية مرئية، أو آيات كلامية ربانية؛ فإن ذلك يستجلب العذاب والنقم؛ قال تعالى: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ 10 كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [آل عمران: 10 - 11]؛ أي صاروا عند نزول العذاب كالمأخوذ المأسور الذي لا يقدر على الخلاص؛ فأهل الكفر من الأمم السالفة أطغاهم كثرة المال والبنين، واغتروا بما هم فيه من قدرة وقوة؛ فلما أُنذِروا، وجاءتهم الرسل والآيات، وقابلوا ذلك بالإعراض والتكـذيب؛ أُخذوا وعوقبوا، وساعتها ما أغنت عنهم الأموال ولا البنون شيئاً. قال ابن كثير: «وقوله تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} قال ابْنِ عَبَّاسٍ: كَصَنِيعِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كَسُنَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَكَفِعْلِ آلِ فِرْعَوْنَ وَكَشَبَهِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَالْأَلْفَاظُ مُتَقَارِبَةٌ والدَّأب - بِالتَّسْكِينِ وَالتَّحْرِيكِ أَيْضاً كنَهَر ونَهْر - هو الصنيع والحال والشأن وَالْأَمْرُ وَالْعَادَةُ، كَمَا يُقَالُ: لَا يَزَالُ هَذَا دأبي ودأبك...». غير أن عذاب «الأخذ» والانتقام الشامل قد انتهى بنزول التوراة وفرض الجهاد وسُنة المدافعة، قال تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]، وبقيت سُنة العذاب النوعي الجزئي، قال تعالى:{وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْـمِيعَادَ} [الرعد: 31]، وهي السُّنة الفاعلة المستمرة في الكافرين إلى يوم القيـامة؛ إذ جاءت الأفعال: «يزال»، «تصيبهم»، «تحل» بصيغة المضارع. أما المسلمون فسنة العذاب الجزئي النوعي الفاعلة فيهم إن خالفوا أمر دينهم ونبيهم هي سنة تسليط بعضهم على بعض؛ قال تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 65].

ثانياً: سنة إيتاء الملك ونزعه أو (سنة التداول الأممي):

 فالـمُلك مُلك اللـه؛ يؤتي الملـك من يشاء وينـزعه ممن يشاء، يمكِّن لمن يشاء وقتما يشاء، يرفع ويخفض، يعطي ويمنع، يُعز ويُذل، ينصر ويخذل، يعافي ويبتلي؛ كل شيء عنده بقدر وبمقدار، وكل شيء بإرادته وبقضائه وحكمه حسب ما سنَّ من سنن، ووضع من موازين، قال تعالى:{وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْـمِيزَانَ 7 أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْـمِيزَانِ 8 وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْـمِيزَانَ} [الرحمن: ٧ - ٩]، وقال سبحانه: {اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْـحَقِّ وَالْـمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى: 17]. وسُنة (التدول الأممي) تحدثت عنها السورة في قوله تعالى: {قُلِ اللّ›هُمَّ مَالِكَ الْـمُلْكِ تُؤْتِي الْـمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْـمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْـخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26]، والملك هو النبوة وقيل: الغلبة[1]. وقوله تعالى: {إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِـمِينَ} [آل عمران: 140]، فقوله تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ}: نزلت في غزوة أحد؛ فقد انتصر المسلمون في بدر وهُزموا في أحد ويشير إلى ذلك قوله تعالى: {إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} [آل عمران: 140]؛ فالـمَس الأول جاء بصيغة الحال أو المضارع فانصرف إلى القـريب وهو مس الجراح ومن قُتل في أُحد، والـمَس الثاني جاء بصيغة الماضي فانصرف إلى البعيد وهو ما أصاب المشركين في بدر، وقوله: {مِّثْلُهُ}؛ يشير إلى أنه كما قُتل من المشركين سبعون في بدر، فقد قُتل من المسلمين أيضاً سبعون في أحد... ولما قُتل من قُتل وجُرح من جُرح وقف أبو سفيان ليظهر الشماتة؛ فقد أخرج البخاري رحمه الله تعالى: «وَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ: لاَ تُجِيبُوهُ. فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ قَالَ: لاَ تُجِيبُوهُ. فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطَّابِ؟ فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلاَءِ قُتِلُوا، فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لَأَجَابُوا، فَلَـمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِيكَ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : أَجِيبُوهُ. قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا العُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : أَجِيبُوهُ. قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالحَرْبُ سِجَالٌ، وَتَجِدُونَ مُثْلَةً، لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أَعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : أَلا تُجِيبُوهُ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُ مَوْلانَا وَلا مَوْلًى لَكُمْ...». وأخرج أيضاً: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّ الحَرْبَ سِجَالٌ وَدُوَلٌ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ»[2].

والمراد بـ (الأيام): أعمار الدول. وقيل: الدول والولايات. وقيل: أوقات مقرونة بحوادث. وقيل: مطلق الأوقات. ومعنى (نداولها): نصرفها وننقلها ونقلبها، من الفعل: «دال» أي تحول، و (الدولة): الكَرَّة. وجاء قبل هذه الآية (140) قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْـمُكَذِّبِينَ 137 هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 137 - 138]؛ فتلك سُنة ماضية وبيان لمصير المكذبين وعِبرة للمتأخرين وموعظـة للمتقين: يقول صاحب التحرير والتنوير: «وَالْمَعْنَى: قَدْ مَضَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ أَحْوَالٌ لِلْأُمَمِ، جَارِيَةٌ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِـدَةٍ، هِيَ عَادَةُ اللَّهِ فِي الْخَلْقِ، وَهِيَ أَنَّ قُوَّةَ الظَّالِمِينَ وَعُتُوَّهُمْ عَلَى الضُّعَفَاءِ أَمْرٌ زَائِلٌ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ المحِقِّينَ، وَلِذَلِكَ قَالَ: {فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْـمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137]؛ أَيِ المكَذِّبِينَ بِرُسُلِ رَبِّهِمْ وَأُرِيدَ النَّظَرُ فِي آثَارِهِمْ لِيَحْصُلَ مِنْهُ تَحَقُّقُ مَا بَلَغَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ، أَوِ السُّؤَالُ عَنْ أَسْبَابِ هَلَاكِهِمْ، وَكَيْفَ كَانُوا أُولِي قُوَّةٍ، وَكَيْفَ طَغَوْا عَلَى المسْتَضْعَفِينَ، فاستأصلهم الله أَو لِتَطْمَئِنَّ نُفُوسُ الْمُؤْمِنِينَ... وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَهَمِّيَّةِ عِلْمِ التَّارِيخِ لِأَنَّ فِيهِ فَائِدَةَ السَّيْرِ فِي الْأَرْضِ، وَهِيَ مَعْرِفَةُ أَخْبَارِ الْأَوَائِلِ، وَأَسْبَابِ صَلَاحِ الْأُمَمِ وَفَسَادِهَا. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: (السَّيْرُ فِي الْأَرْضِ حِسِّيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ، وَالْمَعْنَوِيُّ هُوَ النَّظَرُ فِي كُتُبِ التَّارِيخِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لِلنَّاظِرِ الْعِلْمُ بِأَحْوَالِ الْأُمَمِ، وَمَا يَقْرُبُ مِنَ الْعِلْمِ، وَقَدْ يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يَحْصُلُ بِالسَّيْرِ فِي الْأَرْضِ لِعَجْزِ الْإِنْسَانِ وَقُصُورِهِ). وقوله تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِين} [آل عمران: 138] تَذْيِيلٌ يَعُمُّ المخَاطَبِينَ الْحَاضِرِينَ وَمَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأَجْيَالِ، وَالْإِشَارَةُ إِمَّا إِلَى مَا تَقَدَّمَ بِتَأْوِيلِ الْمَذْكُـورِ، وَإِمَّا إِلَى حَاضِرٍ فِي الذِّهْنِ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْآيَةِ وَهُوَ الْقُرْآنُ».

ثالثاً: سنة الابتلاء:

إن الحديث عن سنة الابتلاء ليس مقصوراً على سورة (آل عمران)؛ وإنما الحديث عن تلك السنة مذكور في سور كثيرة كسورة البقرة والعنكبوت ومحمد وغيرها من السور؛ سواء كان الابتلاء للأنبياء وهم أشد الناس ابتلاء أو كان للمؤمنين أو للناس عامة. وتصف سورة (آل عمران) أحداث غزوة أحد وما كان فيها من البلاء الشديد؛ فقد قُتل سبعون من الصحابة وجُرح النبي صلى الله عليه وسلم  وأُشيع أنه قتل، فنزلت الآيات لتواسي المسلمين وتبين لهم سنن الله تعالى، وأن التمكين في الأرض لا يأتي جزافاً من غير تضحيات؛ فلا بد من تمحيصات، ولا بد من شهداء ليتحقق التمكين للدين ومحق الكافرين، قال تعالى: {إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِـمِينَ 140 وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ142أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْـجَنَّةَ وَلَـمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 140 - 142]؛ فلا بد للجنة من ثمن هو الجهاد والصبر عليه. 

ومن أنواع الابتلاء المذكورة في السورة: الابتلاء بالشبهات وتزيين الشهوات: فالابتلاء بالشبهات في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [آل عمران: ٧]، فالراسخون في العلم والمؤمنون أهل التقى والنهى يتقون الوقوع في الشبهات ويفوضون أمرها إلى الله عز وجل، ولا يُؤوِّلون ولا يُشبِّهون ولا يُعطِّلون صفات الله سبحانه، ويؤمنون بالكتاب كله، وأما الذين في قلوبهم زيغ ومرض فيسلكون مسالك التشكيك والتأويل؛ فكان ابتلاء الناس بالشبهات اختباراً لتقوى قلوبهم. وأما تزيين الشهوات ففي قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْـمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْـخَيْلِ الْـمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْـحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْـمَآبِ} [آل عمران: 14]، فالدنيا وما عليها وما فيها من زينة ومغريات ابتلاء؛ ومن الناس من يلهث وراء الدنيا ويرتع فيها ويجري وراء ملذاته غير عابئ بما عند الله من الأجر والثواب، ومنهم من يكون همُّه الآخرة؛ وهو الامتحان؛ فإما الفوز وإما الهوان، قال القرطبي: «{زُيِّنَ لِلنَّاسِ} زين من التزيين، واختلف الناس مَن المزَيِّن؟ فقالت فرقة: الله عز وجل زَيَّن ذلك، وهو ظاهر قول عمر. وفي التنزيل: {إنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: ٧]، ولما قال عمر: الآن يا رب حين زينتها لنا! نزلت: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 15]. وقالت فرقة: المُزَيِّن هو الشيطان، وتزيين الشيطان إنما هو بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها. والآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس».      

الابتلاء بالجهاد: إن الجنة لا ينالها إلا من يدفع الثمن، والجنة ثمنها غالٍ؛ فسلعة الله غالية وسلعة الله الجنة. والناس ليسوا في الإيمان ولا في الصدق سواء؛ وإنما تظهر الحقائق وتنجلي عند فرض الجهاد أو ذكره؛ فلا يتخلف عنه ولا يقعد إلا الجبناء المتخاذلون: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْـجَنَّةَ وَلَـمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142]. والناس يخافون من الجهاد لأنه مظنة القتل أو الموت والقرح والجرح، والسورة الكريمة تناقش هذه القضية من عدة محاور:

المحور الأول: أن النجاة أو الفرار من الموت ليس في القعود أو في التخلف عن الجهاد؛ فمن لم يمت بالسيف مات بغيره، ولكن المثبطين من المنافقين هم الذين يروجون لذلك وهـم الذين ترتعـد فرائصـهم ويرتجفون عند سماع آيات الجهاد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإخْوَانِهِمْ إذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران: 156].

المحور الثاني: أن لكل أجل كتاباً، والموت مقدر وبإذن الله، وهو حق واقع لا مفر منه: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إلَّا بِإذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 145].

المحور الثالث: ليس شرطاً أن كل من جاهد قُتل؛ وإنما يكون الموت في الجهاد أو بغيره. فطريقة الموت مكتوبة ومقدرة، وكذا مكان وموضع الموت أو القتل فضلاً عن زمانه: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُل لَّوْ كُنتُـمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154]، {ومَضَاجِعِهِمْ} مواضع مصارعهم.

المحور الرابع: الترغيب في طلب الموت في الجهاد وهو الشهادة في سبيل الله: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ 169 فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْـحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ 170 يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْـمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 - 171].

المحور الخامس: كل مخلوق سوف يموت، والدنيا دار عمل وابتلاء، وحساب الجميع يوم القيامة؛ وساعتها من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْـمَوْتِ وَإنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْـجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْـحَيَاةُ الدُّنْيَا إلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185].


 


[1] تفسير القرطبي.

[2] برقم (2804).

 

  


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة