ملامح النظام السياسي الجديد في ليبيا

Share
Share
ملامح النظام السياسي الجديد في ليبيا
ملامح النظام السياسي الجديد في ليبيا



اقترب الشعب الليبي كثيراً من حسم ثورته التي بدأت في منتصف فبراير الماضي، وباتت ليبيا على أعتاب نظام سياسي جديد قد يكون الأكثر تغيراً وتجدداً في البلدان العربية التي شهدت ثورات وانتفاضات منذ بداية هذا العام. وعلى الرغم من الأوضاع غير الإنسانية التي مرَّ بها الشعب الليبي في غِمَار ثورته؛ إلا أن هذه الأوضاع شكلت نقطة النهاية للنظام السياسي الذي عاشت ليبيا تحت ظله منذ سبعينيات القرن الماضي. لقد عانت ليبيا كثيراً تحت حكم القذافي من غياب الدولة بمفهومها المؤسسي المتعارف عليه في علم السياسية، وانعكس غياب الحد الأدنى من المأسسة سلباً على عدة أصعدة في ليبيا: كالبنية الأساسية للدولة، ومعدل النمو الاقتصادي، والثقل السياسي للدولة، ولكن في الوقت نفسه كان لغياب مؤسسات الدولة عن ليبيا دور في سرعة الانهيار السياسي للنظام؛ وهو ما شكل اليوم مدخلاً لبناء نظام سياسي جديد يعيد إنتاج قوام الدولة بدلاً من أن يحاول إصلاح الكيان السابق. ولهذا تُعَد فرص ليبيا أوفر من مصر وتونس في بناء نظام سياسي جديد يختلف في هيكله وقوامه ونخبته عن النظام السياسي الذي كان قائماً قبل الثورة.

بدأت معالم النظام السياسي الجديد في ليبيا تتبلور مع إعلان تأسيس المجلس الوطني الانتقالي حين طرح رؤيته السياسية لمعالم ليبيا ما بعد القذافي، وهي الرؤية التي اتسمت بروح الليبرالية ممزوجة بقيم العدالة الاجتماعية في طرح يقترب كثيراً من فكرة دولة الرفاه الاجتماعي. تضمنت هذه الرؤية الأولية ضرورة صياغة دستور يحدد اختصاصات مؤسسات الدولة المختلفة ويفصل بين سلطاتها الثلاث، كما تبنت مبادئ الانتخاب الحر والمباشر، وحرية الرأي والتعبير، وحق تكوين التنظيمات السياسية، وضرورة مدنية الدولة. وبنظرة تحليلية للرؤية السياسية المطروحة من قِبَل المجلس الوطني الانتقالي، نتوصل لملاحظتين رئيسيتين:

الأولى: أن هذه الرؤية يعوزها كثير من الهيكلة السياسية؛ فهي رؤية أولية ومبدئية تطرح توجهات عامة ومبادئ أساسية دون التطرق لسياسات تفعيلية أو آليات تنفيذية؛ فهذه الرؤية توضح أن النظام المقترح هو نظام جمهوري، ولكن الطرح لا يتطرق لصلاحيات رئيس الجمهورية أو دوره في النظام السياسي، كما أنه لا يتعرض لآلية محاسبة رئيس الجمهورية ولا يوضح حدود الرقابة البرلمانية المنوط بالمجالس النيابية المنتخبة ممارستها، ناهيك عن عدم تناول طبيعة الجمهورية المقترحة وماهيتها؛ سواء كانت رئاسية أم برلمانية. وعلى الرغم من القصور الذي شاب الطرح السياسي لطبيعة النظام المقترَح، فإن هناك ما يكفي من أعذار وتبريرات منطقية تفسر هذا القصور؛ فالرؤية السياسية للمجلس طُرحَت بعد أيام قليلة من إنشائه، وتبلورت أثناء محاربة المجلس الانتقالي على أكثر من جبهة (عسكرياً وسياسياً واقتصادياً). وفي اعتقادي أنها رؤية أولية استرشادية أكثر منها نهائية، كان الهدف الأساسي منها طرح توجُّه عام لكيان يسعى لاكتساب أرضية سياسية وشرعية محلية وإقليمية ودولية.

الملاحظة الثانية: هي تمسك هذه الرؤية بمدنية الدولة والتأكيد على إتاحة حق المشاركة السياسية الفاعلة لكل عناصر الطيف الوطني، وهو ما يعكـس مراعاة للواقع المجتمعي في ليبيا الذي يهدده البعد القبلي بالتشرذم، ويهدده الاتساع الجغرافي بالتقسيم، كما يهدده غياب المأسسة السياسية بفرز تيارات وقوى على أسس تفريقية. وبشكل عام فإن الرؤية السياسية الأولية التي طرحها المجلس بدولة مدنية ديمقراطية، تنبئ وتشير للكثير من التشابهات بينها وبين الرؤى السياسية التي طرحتها القوى السياسية المدنية في كلٍّ من تونس ومصر في أعقاب ثورتيهما.

وفي اعتقادي أن عدم الخوض في كثير من تفاصيل النظام السياسي في الرؤية المطروحة من قِبَل المجلس الوطني الانتقالي كان له عدد من الفوائد: فمن خلال طرح مبادئ عامة للنظام السياسي، أكد المجلس الانتقالي على كونه سلطة مؤقتة لا تنتوي فرض إرادتها أو رؤيتها المفصلة على الشعب الليبي، فتركت ثنايا النظام السياسي لكي توضع من قِبَل البرلمان المنتخَب. وبالرغم من عدم تفصيل الرؤية السياسية المطروحة؛ إلا أن هناك بعض المؤشرات التي تتسق مع بعضها بعضاً لتعطي شكلاً محتملاً للنظام السياسي الجديد في ليبيا.

إن أُولَى المؤشرات هو النجاح الذي حققه المجلس الوطني الانتقالي في إدارة المعركة مع القذافي، وتسيير شؤون الشرق الليبي الخاضع لسيطرة المجلس، وهو ما أسفر عن شرعية جديدة اكتسبها المجلس ليس فقط على أنه كيان مناهض لحكم القذافي، ولكن على أنه كيان قادر على إدارة شؤون ليبيا في مرحلة من أكثر المراحل حرجاً. وسيكون لهذه الشرعية التي انعكست عملياً في صورة تأييد شعبي للمجلس الانتقالي دور في الترويج للرؤية السياسية التي طرحها المجلس.

وثاني المؤشرات: هو حجم الدعم الذي أظهره الغرب للمجلس الانتقالي وهو الدعم الذي بدا واضحاً أنه مرهون برؤية سياسية تفرز نظاماً ديمقراطياً في ليبيا.

وثالث المؤشرات: هو توافق القوى السياسية داخل ليبيا على المبادئ الأولية للنظام السياسي الجديد؛ وإن كان لنا أن نتوقع ظهور اختلافات حول التفاصيل. ولهذا فإن النظام السياسي الجديد في ليبيا يتجه نحو النظام الجمهوري في ظل دستور ديمقراطي يكفل حقوق المواطنين ويحدد دور الدولة وحيز سلطاتها. كما لنا أن نتوقع دولة ذات نظام اقتصادي حر يقوم أساساً على تصدير النفط، وهو ما يتطلب قوانين تؤكد على حرية التجارة وتساعد على تهيئة المناخ للاستثمار. وسيتعين على النظام السياسي الجديد في ليبيا مراجعة السياسية الخارجية الليبية التي ألحق معمر القذافي بها كثيراً من الضرر، ويجب أن يتم تناول محاور السياسية الخارجية بما يتفق مع المصالح الإستراتيجية لليبيا دون النظر لتصفية الحسابات السياسية.

كما طور المجلس الانتقالي من أدائه السياسي كثيراً عندما طرح خريطة طريق واضحة المعالم ومؤرِّخة للمرحلة المقبلة في ليبيا. وتقضي هذه الخريطة بتنصيب المجلس الوطني الانتقالي أعلى سلطة في الدولة لمدة لا تتجاوز ثمانية أشهر يتم خلالها إجراء انتخابات بإشراف دولي لاختيار مؤتمر وطني يكون بمثابة برلمان مؤقت، ويتخلى المجلس الوطني الانتقالي عن السلطة فور انعقاد أُولَى جلسات المؤتمر الوطني، ويقوم المؤتمر الوطني بتسمية رئيس وزراء يشكل حكومة تُطرَح للثقة داخل البرلمان وتتولى شؤون البلاد إلى حين انتهاء المؤتمر الوطني من كتابة الدستور، ثم تخضع ليبيا بعد ذلك لإجراءات العملية السياسية التي حددها الدستور لكي تفرز النظام السياسي لليبيا ما بعد الثورة. والوقت المتوقع أن تستغرقه هذه العملية السياسية يتراوح بين الستة عشر والثمانية عشر شهراً حسب تصريحات المسؤولين بالمجلس الانتقالي، وإن كنتُ اعتقد أن هذا التقدير فيه كثير من التفاؤل وعدم الأخذ في الحسبان عدداً من المعوقات التي من شأنها أن تؤثر سلباً على الجدول الزمني المطروح من قِبَل المجلس الانتقالي.

 أُولَى هذه المعوقات التي قد تواجه هذه الخريطة: هي الأبعاد القبلية داخل المجتمع الليبي؛ فبالرغم من نجاح المجلس الانتقالي إلى الآن في كبح جماح المسألة القبلية داخل ليبيا؛ إلا أنه من المتوقع أن يتحول الصراع في المرحلة المقبلة إلى صراع بين الثوار وبين قبائل بعينها تناصر القذافي، وهو ما حدث في بني وليد وسرت وسبها، وهو التحول الذي سيقتلع الخلاف من أرضيته الوطنية ليضعه على أرضية قبلية تفتح المجال للتمييز والتفضيل على أساس الانتماء القبلي والعشائري، وإذا ما استُدرِجَت ليبيا لمستنقع القبلية فمن المتوقع أن تتعارض مصالح قبائل وعشائر ليبيا المختلفة مع المصلحة الوطنية المشتركة التي تعد حجر الزاوية لخريطة الطريق المطروحة. 

وثاني المعوقات التي قد تحول دون الالتزام بخريطة الطريق المعلنة: هي التدخل الغربي في الشأن الوطني الليبي: فمن دون شك تحتاج ليبيا لكل المساعدات الأجنبية؛ سواء كانت عربية أم غربية، ولكن التحدي الأساسي في مسألة المساعدات هو التوازن بين تلقِّي المساعدات المطلوبة لبناء الدولة، وحجم التدخل في الشؤون السياسية الذي قد ترتبط به تلك المساعدات، والذي من شأنه أن يشتت الطيف الوطني الليبي ويهدد شرعية المجلس الانتقالي سلطةً مؤقتةً.

ويبقى السؤال الأكثر أهمية هو: هل من الممكن الالتزام بالجدول الزمني المعلَن، ومن ثَمَّ المضي قدماً في تنفيذ خريطة الطريق المطروحة؟ في اعتقادي أن الإجابة هي نعم، ولكن ذلك يتطلب وضع الدعائم المركزية للبنية الأساسسية للنظام السياسي الجديد، ولن يتم ذلك إلا من خلال تطبيق خطوات أربع؛ تتمثل في إطلاق حرية إنشاء الأحزاب والحركات السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وإطلاق حرية إنشاء النقابات المهنية والاتحادات الطلابية، وضمان حرية الصحافة والإعلام، وكفالة استقلالية القضاء. وبالرغم من أن المجلس الانتقالي أكد في تصريحات متعددة على نواياه الحسنه تجاه اتخاذ هذه الخطوات؛ إلا أنه من الضروري أن تصدر قوانين مؤقتة من المجلس الانتقالي بضمان هذه الحقوق حتى يتم التنسيق بين إعادة بناء النظام السياسي وإطلاق حرية العمل والتنظيم السياسي داخل المجتمع الليبي.

وفي النهاية، فإن علينا أن ندرك أنه من غير الممكن أن ننتظر ظهور نظام سياسي جديد من دون فرز نخبة سياسية جديدة تقود هذا النظام وتترقى في عناصره. ونتوقع أن تستند النخبة السياسية الجديدة في ليبيا إلى خمس خلفيات:

الخلفية الأولى: هي المجلس الوطني الانتقالي وما يحتويه من عناصر منشقة عن نظام القذافي وبعض المعارضين الناشطين تحت حكم معمر القذافي.

والخلفية الثانية: هي الخلفية العسكرية التي أفرزت قادة ميدانيين خلال الثورة من المتوقع أن يكون لهم دور سياسي بارز في المرحلة المقبلة: كعبد الكريم بلحاج وأحمد باني.

ثالث خلفية هي الخلفية الإسلامية التي ستنشط في ليبيا بحكم وجود تنظيمات لها منذ ثمانينيات القرن الماضي وبحكم ارتباط الهوية الليبية ارتباطاً وثيقاً بالإسلام، وإن كان لنا أن نتوقع نموذجاً مختلفاً لتنظيمات الإسلام السياسي داخل ليبيا.

رابع الخلفيات: هي خلفية معارضة المهجر التي تتميز عن غيرها من النخب بامتلاكها رؤية سياسية أكثر تفصيلاً بالرغم من بعض القصور الذي يشوب رؤاها في ما يتعلق بالمستقبل؛ إذ إن أغلب برامج المعارضة الليبية في المهجر تمحور منذ سنوات حول التخلص من القذافي دون تناول ما يأتي بعده سوى بمبادئ عامة؛ ولكنها في النهاية معارضة مسيَّسة، وعلى درجة من التنظيم. وأخيراً لنا أن نتوقع ظهور نخبة سياسية ذات خلفية قبَلية تسعى لإثبات وجودها على الساحة السياسية.

وفي الختام، ليس منطقياً أن نتصور أن ليبيا ستتخلص من الدمار الذي خلفه بها معمر القذافي بلداً وشعباً بين ليلة وضحاها؛ بل ستحتاج لعملية بناء دولة وبناء مجتمع تتطلب تكاتف الشعب الليبي ليكمل ما بدأه في منتصف فبراير الماضي، ويصنع نموذجاً ديمقراطياً يحتاجه العالم العربي بشدة.



التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة