التَنْوير... مَقْبولٌ أم مَرفوض؟

Share
Share
التَنْوير... مَقْبولٌ أم مَرفوض؟
التَنْوير... مَقْبولٌ أم مَرفوض؟


كثر في الآونة الأخيرة ترديد مصطلح (التنوير)؛ وأكثر ما يردده بعـض الكتَّـاب حينما يتحدثــون عــن (التجديد) و(التطوير)، وتنشــر الصحــف من ذلك كمّاً هائلاً من المقالات والتحقيقات. وتعليقاً على ما قرأت في ذلك أقول: لكل مصطلَح في اللغة العربية معنىً جميل مشرق تألفه النفس ويرضاه العقل وَيُقرُّه الدِّين، (إذا كان متعلقاً بأمر شرعي)؛ فالتجديد أمر مطلوب ولا زال الناس على اختلاف أجناسهم ومستوياتهم العلمية يُلِحُّون في طلبه والبحث عنه. والجديد له لذَّة وقَبول كبير، ولكنَّ العقلاء لا يمكن أن يقبلوا جديداً يُفقدهم غالياً على نفوسهم؛ فليس حُبَّ الولد (وهو جديد) ماحياً وملغياً حُبَّ الأب والأم، وليس حُبُّ الحاسب الآلي وهو عِلْم جديد مُلغياً أو مُنْسياً علوم القرآن والسُّنة، وليس حُبُّ ما جَدَّ من المآكل والمشارب ملغياً حُبَّ اللبن والتمر، وهما قديمان. ثم إن مصطلح التطوير في أساسه غير مرفوض؛ إلا إذا صادم أو عارض حقيقة شرعية، أو حقائق علمية متَّفَق عليها. أما التنوير فقد خرج علينا دعاته بمطالب غريبة وعجيبة، وكانت (صيحاتهم) تؤكد على أنَّ (التنوير) بديل لما يسمونه: (الموروث). ويدخل في ذلك الموروث: بعض أحكام الفقه والمعاملات والأخلاق والشيم؛ فيرون أن من التنوير التنازل عن بعض الأمور و (أَخْذَ) ما جدَّ عن الآخرين بدلاً منها، والغرض من ذلك كما يقولون: مسايرة الركب، ولا أدري أيَّ ركب يريدون؟ يقول أحد الكتاب: (التناقض بين القوالب الفكرية الموروثة وبين واقع الحياة العصرية يقود - حتماً - إلى حالة من اثنتين: إما إنكار المنجَز الحضاري الحديث بحكم أنه مناقض للموروث الفكري، وتكون نتيجته التوقُّف عن مسايرة الركب بما يعنيه ذلك من تخلُّف وجمود... أو الخروج على الموروث بما يترتب على ذلك من تمرُّد على المجتمع الذي تدين له بفضل التربية، وخروج على فكر أهلك وعشيرتك التي لن تلبث أن تنعتك بأقذع صفات التمرد والجنوح، وربما الكفر). إن الأخ الكاتب هنا يرى أن من يريد ( مسايرة الركب) لا بد أن يتمـرد على المجتمــع ويخالف مـا عليــه الأهل والعشيرة، وتكون النتيجة: صراعاً مريراً تُفقَد فيه الثقة ويطول الخلاف. ومن أراد توقِّي مثل هذه النتيجة وُصِف بالتخلف والجمود! ولكن أليس من سبيل إلى نتيجة أفضل من هذه وتلك؟ أوَليس خالقنا - سبحانه وتعالى - قد أخبرنا في القرآن الكريم بما يضمن لنا تجديداً آمناً وتطويراً صحيحاً و (تنويراً) صالحاً. قال - تعالى -: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: ٢٣]؛ فكل جديد لا يخالف ديننا وأخلاقنا فهو مقبول وستكون نتيجة الأخذ به آمنة مقبولة لدى كل المسلمين على اختلاف مستوياتهم العلمية وغيرها، ولكن الذي يُرفَضُ، والذي يثير المشكلات ويُشِيع الفرقة، هو ما كان بديلاً لفضيلـة أو داعياً إلى رذيلـة أو مزهِّداً في معروف. والسؤال الذي لن يُختلَف على جوابه، هو: هل من التنوير أن يصبح الحرام حلالاً بحجة مرور السنين و (تطوُّر) العالم و (المتغيرات الدولية)؟ وهل من التنوير أن يصبح المكروه مسنوناً بالحجة نفسها؟ وهل من التنوير أن تصبح الرذيلة والطرُق الموصلة إليها عُرفاً ومزاجاً حراً وحرية شخصية؟ هل من التنوير أن نقبل ذلك على حد قول الشاعر عن شهر رمضان وشرب الخمر: رمضان وَلَّى هاتِها يا سَاقِي مُشتاقةً تسعى إلى مُشتاقِ ومن الطريف أن يتمنى بعض الكتَّاب أو يؤمِّل أن يأتي علماء ينعتهم بـ: (التنويريين) وتكون مهمة أولئك العلماء النظر في بعض ما يسمى: (التراث) ومراجعة (ما كان عليه السابقون) والوصول إلى فتاوى وقرارات تتماشى مع الركب وتسايره. ومن أعجب ما قرأت في هذا ما قاله أحد الكتَّاب من أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان يقرر الفتاوى والآراء الفقهية والعقدية التي تناسب عصره فقط، من غير أن يضرب الكاتب لذلك مثالاً! وهذه مشكلة يعاني منها بعض حَمَلة الأقلام وروَّاد الصحافة في عصرنا؛ فالشيخ محمد بن عبد الوهاب وأحفاده من بَعدِه وعلماء السُّنة السابقون - رحمهم الله - كانوا ينطلقون من كتاب الله وسنَّة رسوله #. وقضايا العقيدة وأحكام الفقه وقواعد التفسير التي قرروها ليست من آرائهم الشخصية، ولم يقرروها لعصرهم وحده، ولم تكن علاجاً لأحوال فردية، ولم يكن عندهم ما يسميه كتَّابنا: (الانغلاق) و (الجمود)، وإنما أخذوا في (المباحات) بما جدَّ في عصورهم من علوم وصناعات مختلفة، وتعاملوا مع غير المسلمين بما يقتضيه الشرع. وكان في عصورهم منكرات ومخالفات ناصحوا أهلها وأنكروا عليهـــم، ولم يكن هناك حل (وسط) معهم. وجاءت السُّنة بأخبار وأقوال تؤكد قِدم دعوات الفتنة وضغوط (حضارة الآخر)، ومع ذلك بقيت أحكام المسلمين وسعد بها الناس وبَنَوا (حضارتهم)، وما عاقهم جمود وتخلُّف. وخذ على ذلك أمثلة مختصرة: 1 - جاء رجل إلى النبي #، فقال له: يا رسول الله! أَبِح لي الزنا. فكان ردُّ النبي عليه حكيماً لطيفاً هادئاً؛ قال له: هل ترضاه لأمك... لأختك... لبنتك...؟ ثم قال: كذلك الناس لا يرضونه، فهدى الله ذلك الرجل حتى قال: جئت إليه وليس شيءٌ أحب إليَّ من الزنا وذهبت من عنده وليس شيء أبغض إليَّ من الزنا. 2 - وجد الزنـا والربـا والغــش، فلم يُبِح شيئاً من ذلك أو ينظر في حِلِّه. 3 - تكرر في السُّنة النبوية عبارة: (خالفوا اليهود)؛ فجاءت في صيام عاشوراء، وفي إعفاء اللحية، وفي غيرهما، ولم يكن هناك سبيل إلى (مسايرة الركب). وإذا عدنا إلى مصطلح (التنوير) وجدناه جميلاً مشرقاً، ولكنه يكون كذلك إذا عالج مشكلات مجتمعنا: من فقر وجهل وظُلم وغيرها. جميل إذا نقل التقنية إلى بلادنا واستغنينا بها عن (منَّة) شعوب الشرق والغرب علينا، جميل هو (التنوير) إذا كان فيه استعمال الآلة لنشر العلم وتقوية صِلات الناس وروابطهم، وجميل هو (التنوير) إذا اقتضى تخفيف الرتابة التعسف في الأنظمة وإرهاق الناس بكثرة المراجعات وقَطْع المسافات لأتفه الأمور. ذلك تنوير نحن بأمس الحاجة إليه وسيرحب به مجتمعنا كله. أما أن يأتي (التَّنوير) ليقول بأن دراسة البنت إلى جانب الشاب مقبولة أو بأن تُولَّى المرأة منصباً قيادياً لرجل أو بأن الفوائد الربوية شيء مقبول لمسايرة الركب ومواكبة (العالم)... وقل مثل ذلك في متابعة الركب في تحريم تعدد الزوجات، وتزويج المرأة لنفسها، وخلوتها مع الأجنبي، وإلغاء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فذلك تنوير يرفضه المجتمع المسلم كما رفضه نبينا محمد # وأصحابه من بعده ورفضه الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - ولم يأت علماؤنا اليوم - وفَّقَهم الله - بجديد حينما تأتي فتاواهم وَفْقاً لما تَقَرَّر في شريعة الإسلام التي هي خاتمة الرسالات السماوية والتي رضيها لنا ربنا إلى قيام الساعة.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة