الحكم بما أنزل الله

Share
Share
الحكم بما أنزل الله
الحكم بما أنزل الله



الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن الله - تعالى - أرسل رسله، وأنزل عليهم الكتاب بالحق ليكون حاكماً بين الناس؛ ولذا أمر الله بطاعة رسله واتباع كتبه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59]. وجعل ذلك علامة للإيمان ودليلاً عليه: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّـمُوا تَسْلِيمًا}. [النساء: 65]

وبيَّن أنه لا يجتمع الإيمان بالله ورسله مع التحاكم لغير شرع الله: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا}. [النساء: 60]

وأخبر أن رغبات الناس وأهواءهم بخلاف ما جاء في شرعه: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْـحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ} [المؤمنون: 71].

{أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 41].

وجعل اتباع الهوى مضاداً للحق وعدَّه قسيماً له: {يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْـحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26].

فلا يكون عبد مؤمناً حتى يحكم بشريعة الله - تعالى - راضياً بها مطمئناً إليها.

ونحن في هذه الوريقات نعرض لهذا الأصل العظيم من أصول الإيمان، وهو تحكيم الشرع ضمن محاور نعرضها تباعاً.

تحكيم الشريعة من أصول الإيمان وأهم الواجبات:

الحكم بما أنزل الله - تعالى - فرض من فروض الدين العظيمة، فقد جعله الله غاية إنزال الكتب كما قال - تعالى -: {إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105].

ومن أصول العقيدة الإسلامية أن الحكم والتشريع حق لله وحده كما قال - تعالى -: {إنِ الْـحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْـحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57].

وقال - تعالى -: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّـمُوا تَسْلِيمًا}. [النساء: 65]

(وفي هذا الوعيد الشديد ما تقشعرُّ له الجلود وترجف له الأفئدة؛ فإنَّه أولاً أقسم بنفسه مؤكداً لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون، فنفى عنهم الإيمان، الذي هو رأس مال صالحي عباد الله حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ضم إلى التحكيم أمراً آخر وهو عدم وجود حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافياً حتى يكون من صميم القلب عن رضاً واطمئنان وانثلاج صدر وطيب نفس، ثم ضم إليه قوله: (ويسلِّموا)؛ أي: يذعنوا، وينقادوا ظاهراً وباطناً فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم، ولا يجد الحرج في صدره بما قضـى عليه، ويسلم لحكم اللـه وشـرعه تسـليماً لا يخالطه ردٌّ، ولا تشوبه مخالفة)[1].

والتحاكم إلى غير ما أنزل الله من صفات المنافقين؛ كما قال - تعالى -: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْـمُؤْمِنِينَ} [النور: 47].

وقال: {وَإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْـمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} [النساء: 61].

فهذه الآيات وأمثالها (ناطقةٌ بأنَّ من صَدَّ وأعرض عن حكم الله ورسوله عمداً، ولا سيما بعد دعوته إليه وتذكيره به، فإنه يكون منافقاً لا يُعتَدُّ بما يزعمه من الإيمان وما يدعيه من الإسلام)[2].

فمن كان يعتقد أن الحكم بما أنزل الله ليس من فروض الدين ولا من واجباته، أو أن للناس خيرةً في اتباع الشرع أو تركه فقد ناقض النصوص الشرعية القطعيَّة، بل قال ابن تيمية: (ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر؛ فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر؛ فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرها، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله: كسواليف البادية وأوامر الـمُطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر)[3].

والمقصود أن الحكم بالشرع أحد واجبات الدين الظاهرة التي لا تخفى؛ وإلا فإذا كان للناس اختيار الحكم بالشرع أو بغيره، فَلِمَ أنزل الله كتبه المشتملة على شرائعه وأمر فيها بطاعته وأمر رُسُله بتعليمها للناس؟ وهذا كله من مقرر عقائد المسلمين الذي لا ينكره إلا مكابر.

من مقاصد الكفار ألا يطبق المسلمون شريعتهم:

وهذا الأمر وضَّحه الله - تعالى - بأجلى صورة؛ فإن أهل الكفر لا يرضون عن قيام المسلمين بدينهم: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120].

{وَإذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15].

{وَإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} [الإسراء: 73].

وقد جاء وفد ثقيف للنبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا أن يعفيهم من بعض تشريعات الإسلام: (قالوا: أفرأيت الزنا فإنا قوم نغترب ولا بد منه. قال: هو عليكم حرام؛ إن الله يقول: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} [الإسراء: 32]. قالوا: أفرأيت الربا، فإنه أموالنا كلها. قال لكم رؤوس أموالكم؛ إن الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} [البقرة: 278]. قالوا: أفرأيت الخمر فإنه لا بد لنا منها. قال: إن الله - تعالى - قد حرَّمها. ثم سألوه أن يعفيهم من الصلاة فقال: لا خير في دين لا صلاة فيه، فسألوه أن يدع لهم اللات ثلاث سنوات، فأبى أن يدعها لهم[4].

وكذلك فعل المشركون في مجادلتهم للنبي صلى الله عليه وسلم في مسألة أكل الميتة، وأكل ما لم يُذكَر اسم الله عليه، فقد أنزل الله فيهم: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإنَّهُ لَفِسْقٌ وَإنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَـمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121].

فبين أنهم مشركون بطاعتهم، وهذا الإشراك في الطاعة واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله - تعالى - هو المراد بعبادة الشيطان المذكورة في القرآن[5].

ومقصود المشركين ترك تسمية الله تحايلاً على المسلمين للتمويه عليهم، فإذا توصَّلوا منهم إلى تخطئة أحكام الإسلام أو الشك في صحتها، بأن لا فرق بين ما سُميَ عليه اللهُ وما لم يذكًَر عليه اسمُه، وقعوا في الشرك، وإن لم يدَّعوا لله شركاء[6].

ويدل على هذا أيضاً قوله - تعالى -: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ} [المائدة: 49].

فمن مرادات أعداء الإسلام أن يترك المسلمون الحكم بما أنزل الله، وهذا سبب لضعفهم وتخاذلهم ووقوع بأسهم بينهم. قال ابن تيمية: (وإذا خرج ولاة الأمر عن هذا، فقد حكموا بغير ما أنزل الله ووقع بأسهم بينهم. قال صلى الله عليه وسلم: «ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم»[7]. وفي رواية: «إلا فشا فيهم الفقر»[8]. وهذا من أعظم أسباب تغيُّر الدول، كما جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا، ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره فيسلك مسلك من أيَّده الله ونصره)[9].

وقد جاء في تقرير مؤسسة راند (RAND Corporation). الصادر عام 2007م وهي التي تحاول رسم خطة السياسة الأمريكية في التعامل مع الأحداث، والدعاء لبناء شبكات مسلمة معتدلة، وجعلت معيار المسلم المعتدل هو الذي لا يرغب تطبيق الشريعة، وأما المتطرِّف فهو الذي يطبق الشريعة.

ومَن كان مِن رعايا هذه المؤسسة وفروعها في العالم العربي[10] لا عجب أن يسعى في إبعاد المسلمين عن تطبيق الشرع، والله متمُّ نوره ولو كره المشركون.

الشرع مع تضمُّنه مصالح العباد فهو على خلاف كثير من أهوائهم:

فلا إشكال أن الشريعة الإسلامية وُضِعَت لمصالح العباد في العاجل والآجل، وأن كلَّ ما أمرت به فهو خير ومصلحة، وكلَّ ما نهت عنه فهو شر وفساد، لكن هذه المصالح قد تخفى على بعض الناس لارتباطها بالآجل، أو لتداخلها مع مفاسد أخرى هي أرجح منها، أو لفساد القلوب، أو ضعف العلم أو غير ذلك، ولذا قد لا تدرك هذه المصالح.

كما أن الهوى غالب على الإنسان؛ ولذا فقد يدرك المصلحة، ولكنه لا يراعها لغلبة الهوى عليه (فمخالفة ما تهوى الأنفس شاق عليها، وصعب خروجها عنه؛ ولذلك بلغ أهل الهوى في مساعدته مبالغ لا يبلغها غيرهم، وكفى شاهداً على ذلك حال المحبين، وحال من بُعِثَ إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين وأهل الكتاب، وغيرهم ممن صَمَّم على ما هو عليه، حتى رضوا بإهلاك النفوس والأموال، ولم يرضوا بمخالفه الهوى، حتى قال - تعالى -: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} [الجاثية: 23]. والشرع قصد بوضعه للشريعة إخراج المكلَّف عن اتباع هواه، حتى يكون عبداً لله)[11].

ولا شك أن اتباع الهوى مضاد للحق؛ ولذا قال - تعالى -: {يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْـحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26]، و (عُلِمَ بالتجارب والعادات أن المصالح الدينية والدنيويه لا تحصل مع الاسترسال في اتباع الهوى والمشي مع الأغراض، حتى أن من سبقنا من الأمم ممن ليس لهم شريعة يتبعونها كانوا يكفُّون من اتبع هواه؛ علماً أن ذلك يضاد المصلحة وهذا أظهر من أن يستدل عليه.

ولذا ليس لأحد أن يدَّعي أن الشريعة توافق تشهيات العبادة وأغراضهم، بل هي تصادمها، فسبحان الذي أنزل في كتابه: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْـحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ}. [المؤمنون: 71]

وما سبق ينبني عليه قواعد منها: أن كل عمل كان المتَّبَع فيه الهوى فهو باطل؛ لأنه خلاف الحق، ومنها: أن اتباع الهوى طريق إلى المذموم، وسببٌ لتعطيل الأوامر والنواهي الشرعية)[12].

ومن هنا امتنع إحالة الناس في تطبيق الشريعة إلى رغبتهم وأهوائهم؛ فإن ذلك إبطال - أولاً - لاختصاص الله بالحكم والتشريع، ثم هو تعطيل للشرع؛ إذ لا توافق بين الشرع والهوى، وهما إن اتفقا فالعمل باطل؛ إذ لم يكن اتباعاً للتشريع بل للهوى العاجل.

تقنين الشريعة الإسلامية - عند من يجيزه - تيسير لأسلوب عرض الحكم الشرعي:

فالمراد بالتقنين عند من يدعو إليه أن تكون الأحكام الواجبـة التطبيـق محـدَّدة مبينة للقـاضـي والمتقـاضي، وهـو ما يكون أدعى لتحقيق العدالة والتيسير على الناس، مع أن هذه الأحكام مستنبَطة من الكتاب والسنة، مأخذوة من كتب فقهاء الإسلام، فليست تحكُّماً أو تحكيماً لغير الشريعة.

وملحظُ من يمنعه أن في الإلزام بالحكم بالشرع المقنَّن إلجاءً للقاضي أن يحكم أحياناً بخلاف ما يعتقده صواباً، واحتمال إدخال التعديل على القانون، أو اختيار بعض الآراء فيه بناءً على الهوى وحظوظ النفس لا باعتباره طُرُق الترجيح الشرعية، وهو ما يؤدي للحكم بغير ما أنزل الله[13].

فليس الخلاف الدائر بين الداعي لتقنين الأحكام الشرعية، أو تدوينها، وبين الممانع، خلافاً في أصل تحيكم الشرع من عدمه، بل في اختيار ترجيحات معينة يُلْزِم بها القضاة في المسائل الخلافية، مع اتفاق الجميع على أن المرجع في الترجيح هو الاستنباط من الشرع.

فالخلاف في هذه المسألة خلاف بين المقرِّين بوجوب تطبيق الشريعة.

 ارتكاب بعض المخالفات اضطراراً أو عجراً أو لمعارض راجح ليس من عدم تطبيق الشريعة.

معلوم أن المصالح والمفاسد قد تتقابل فلا يمكن تحصيل مصلحة إلا بارتكاب مفسدة، وكذلك العكس، وقاعدة الشرع في هذا التعارض: ترجيح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرة السيئة.

ويفصِّل ابن تيمية هذه القاعدة بأمثلة واقعية طويلة نجتزئ منها ما يلي: (إذا كان القائم بالـمُلك أو الإمارة يفعل من الحسنات المأمور بها ويترك من السيئات المنهي عنها ما يزيد ثوابه على عقوبة ما يتركه من واجب أو يفعله من محظور، فهذا قد ترجَّحت حسناته على سـيئاته. ويتفرع من هنا ما إذا كان لا يتأتَّى له فعل الحسنة الراجحة إلا بسيئة دونها في العقاب ولم يمكنه إلا ذلك فهنا لا يبقى سيئة، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وكثير من الناس يستشعر سوء الفعل ولا ينظر إلى الحاجة المعارضة له التي يحصـل بها من ثواب الحسنة ما يربو على ذلك. وعلى هذا ينبني جواز العدول أحياناً عن بعض سنة الخلفاء، كما يجوز ترك بعض واجبات الشريعة وارتكاب بعض محظوراتها للضرورة؛ وذلك في ما إذا وقع العجز عن بعض سنتهم أو وقعت الضرورة إلى بعض ما نهوا عنه، بأن تكون الواجبات المقصودة بالإمارة لا تقوم إلا بما مضرته أقل.

وإذا كان يمكن فعل الحسنات بلا سيئة لكن بمشقة لا تطيعه نفسه عليها، أو بكراهة من طبعه؛ بحيث لا يفعل إلا بأن يبذل لنفسه بعض المنهيات... فهؤلاء خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فليس حظ النفس عذراً لهم في فعلهم، لكن يؤمرون بما فعلوه من الحسنات ولو علم أنهم لا يفعلونه إلا بالسيئات المرجوحة. ويكون الحال حينئذٍ مثل ترك الإنكار إذا ترتب عليه مفسدة أكبر...)[14].

ويقول أيضاً: (العالم قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكُّن كما أخَّر الله - سبحانه - إنزال وبيان أحكام إلى وقت التمكُّن من بيانها، فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء والأمراء كان بيانه لما جاء به الرسول شيئاً فشيئاً بمنزلة بيان الرسول لما بُعِث به شيئاً فشيئاً، ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأتِ الشريعة جملة، كما يقال: إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع.

فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبلِّغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، وكذلك التائب من الذنوب لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين، فإنه لا يطيقه، وإذا لم يطقه لم يكن واجباً عليه، وإذا لم يكن واجباً لم يكن للعالم أو الأمير أن يوجبه جميعه، بل يعفو عنه إلى وقت الإمكان، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات؛ لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط)[15].

ومثل ذلك يقال حال الاضطرار وقد قال - تعالى -: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ} [الأنعام: 199]، والعجز عن فعل الواجبات: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].

ولذا يقول الطاهر بن عاشور: إن من الأمور التي ينبغي أن لا يُغفَل عنها عند النظر في الأحوال العامة: الضرورة العامة المؤقتة، حين يعرض الاضطرار للأمة أو لطائفة عظيمة منها، تستدعي إباحة الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي، مثل: سلامة الأمة، واعتبار هذه الضرورة أَوْلَى وأجدر من اعتبار الضرورة الخاصَّة[16].

ويقرر ذلك الشيخ ابن سعدي في ذكره لفوائد قصة شعيب من سورة هود: (ومنها: أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة، قد يعلمون بعضها، وقد لا يعلمون شيئاً منها، وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم، وأهل وطنهم الكفار، كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين، لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعيَّن ذلك لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان.

فعلى هذا، لو سعى المسلمون الذين تحت ولاية الكفار، وعملوا على جعل الولاية جمهورية، يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والمدنية، لكان أَوْلى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية وتحرص على إبادتها، نعم، إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام فهو المتعين. ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة، فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة)[17].

وفَّق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه.

 


[1] فتح القدير للشوكاني: (1/484).

 [2] تفسير المنار لمحمد رشيد رضا: (5/227).

[3] منهاج السنة النبوية: (5/230).

[4] سبيل الهدى والرشاد: (6/298)، زاد المعاد: (3/598)، ابن سعد في الطبقات: (5/370). قال الدكتور أكرم ضياء العمري: إن أكثر تفصيلات أخبار الوفود بدون أسانيد أو أسانيدها واهية. السيرة النبوية الصحيحة: (2/544).

[5] أضواء البيان: (4/83).

[6] التحرير والتنوير للطاهر بين عاشور: (4/42).

[7] سنن البيهقي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: (1/321).

[8] معجم الطبراني الكبير، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: (1/321).

[9] مجموع الفتاوى (35/387).

[10] مركز كارنيجي للسلام الدولي تأسست عام 2006م في بيروت، ويسعى لرصد ودراسة التغيرات في الشرق الأوسط ومواكبة الأحداث، وقد يجري أبحاثاً بواسطة مراكز شريكة له، وباحثين متعاونين في القضايا الفكرية، وهو من فروع مؤسسة كارنيجي في واشنطن.

[11] الموافقات: (2/153).

[12] الموافقات: (2/167).

[13] التقنين والإلزام، بكر أبو زيد، ضمن فقه النوازل: (1/31 فما بعدها).

[14] مجموع الفتاوى (35/28). بتصرف قليل واختصار.

[15] مجموع الفتاوى: (20/59 - 60).

[16] مقاصد الشريعة، ص 381.

[17] التفسير، ص 345.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة