(الإسلام السياسي)... مغالطةٌ مبدئية تُعرقِل الحوار

Share
Share
(الإسلام السياسي)... مغالطةٌ مبدئية تُعرقِل الحوار
(الإسلام السياسي)... مغالطةٌ مبدئية تُعرقِل الحوار




 من أبجديات أيِّ حوار يُراد له أن يكون بنَّاءً، ومدخلاً لخطوات عملية تقرِّب المسافات الفاصلة بين أطراف الحوار، أن ينطلق أصحابه في رؤية كلٍّ منهم للآخر من الصورة التي يرسمها كلُّ طرف لنفسه، لا من الصورة التي يرسمها كل طرف عن الآخر، فضلاً عن الانطلاق من صورة متخيَّلة لا صلة لها بالواقع أساساً.

بمعنى إذا أردتُ أن أجري حواراً - أو حتى نقداً - مع أي فكرة من الأفكار أو مذهب من المذاهب، فلا بد أن أبدأ بكل دقة وأمانة من الصورة والحقيقة التي يرسمها هذا المذهب أو ذاك عن نفسه، ثم بعد ذلك أعرض ما أتفق وأختلف فيه معه. ولا يجوز بحال من الأحوال أن أنسب إليه ما لم يزعمه لنفسه؛ لأنني حينئذٍ سأكون منطلِقاً من صورة متخيَّلة افتراضية لا تمتُّ للواقع بصِلَة، أو على الأقل: من صورة مشوَّهة تغاير الواقع الفعلي. ومن ثَمَّ لن يتحقق الهدف المنشود من الحوار أو النقد.

لكننا - للأسف - لا نرى التزاماً بتلك الحقيقة (البديهية) من جانب عدد كبير من المثقفين والسياسيين في عالمنا العربي وهم يتحدثون عن التيارات والأحزاب التي تنطلق في ممارستها للعمل السياسي من المرجعية الإسلامية.

بل نراهم يبدؤون حديثهم عن هذه التيارات والأحزاب الإسلامية بمجموعة من التصورات والأفكار التي ينسبونها لها، ثم يُجْهدون أنفسَهم - والمشاهدين والمتلقِّين بطبيعة الحال - في الرد على تلك المزاعم والترهات، التي لم يقل بها أصلاً أحدٌ من التيارات والأحزاب الإسلامية. والهدف من ذلك واضح وجَلِي، وهو إثارة الشبهات والأقاويل حول تلك التيارات والأحزاب، وحول المنهج الإسلامي عموماً، إضافة إلى محاولة زعزعة المشاهِد والمتلقي في الثقة التي يوليها لهذه التيارات، التي يرى أنها تنسجم مع فكره وعقيدته وتاريخه ومبادئه.

وإذا كان هؤلاء السياسيون والمثقفون الذين ينطلقون من قاعدةٍ مخالفةٍ (بل عدائيةٍ) للحل الإسلامي، مثل اليسارية والليبرالية وغيرهما... يمارسون هذا التشويه طوال الوقت، فإنهم يُكثِّفون جهدهم في هذه الأوقات التي تُجرى فيها انتخابات في بعض بلدان العالم العربي (مثل: تونس ومصر) بعد (ربيع الثورات العربية) الذي يعد - بإذن الله تعالى- نقطة انطلاق لتصحيح مسار شعوبنا بعد عقود من الاستبداد المرتكز على طمس الهوية الإسلامية، بالتحالف مع المشروع الغربي، سواء على المستوى السياسي أو الثقافي.

 

تشويه وافتراء:

وأُولَى الأغاليط التي يرتكبها هؤلاء بحق التيارات والأحزاب الإسلامية، هي أن يصفوها بـ «تيارات الإسلام السياسي» أو «جماعات الإسلام السياسي»، أو «المتأسلمون» أو «التيارات الدينية»[1].

وهم يريدون أن يحققوا من وراء تلك الأوصاف وغيرها أكثر من هدف:

1 - أن يرسخوا في وعي المتلقي أن الإسلام يتجزأ؛ فمنه الإسلام السياسي، والإسلام الاجتماعي، والإسلام الاقتصادي... ومن ثَمَّ - كما يزعمون - هناك جماعات تركز على جانب من الإسلام لتحقيق أهدافها الخاصة.

2 - أن يحرموا الجماعات الإسلامية من شرف الانتساب للإسلام في شموله ومجموعه.

3 - أن يُوحوا للمتلقي أن هؤلاء يمارسون السياسة باسم الإسلام لأغراضهم الخاصة وليس للإسلام نفسه.

4 - أن يستحضروا التجربة الغربية الكَنَسيَّة الفاشلة في تسلُّطها على الناس باسم الدين، فينشروا بين المسلمين مصطلحات، مثل: «التيارات الدينية» و «الأحزاب الدينية». وهي المصطلحات التي ترتبط بصورة سلبية بالوعي العام نتيجةً للممارسات الغربية.

الإسلام لا يتجزأ:

لكن لو أراد هؤلاء أن يُنصِفوا الإسلام والذين يدعون إليه، وأن يكونوا موضوعيين - كما يزعمون - لالتزموا عند الحديث عن التيارات والأحزاب الإسلامية بما تصف هي نفسَها به، لا بما يقال عنها من افتراءات وأكاذيب.

فهذه التيارات والأحزاب تؤمن بأن الإسلام كلٌّ لا يتجزأ، فيه جانب سياسي وجانب اقتصادي وجانب اجتماعي، كما أن فيه جانباً عقديّاً وجانباً شعائريّاً. لكن كل هذا في إطار من «الوحدة» و «التكامل»، وليس من «التجزئة» و «التناقض» كما يزعمون.

هو «إسلامٌ» واحد بجوانب متعددة، كما أن «الإنسان» كيان واحد بأعضاء متعددة من الروح والعقل والقلب والجوارح. فلا يُتصوَّر أبداً أن ينفصل عضو من هذه الأعضاء ليصبح كياناً قائماً بنفسه، ويُطلَق عليه اسم «إنسان»!

وكذلك الإسلام؛ توجد «سياسة في الإسلام»، لكن لا يوجد «إسلام سياسي». فهذا المصطلح الأخير مصطلح وافد من الثقافة الغربية، لا يمتُّ للإسلام بصِلَة، إلا عند الذين يريدون تشويهَ الإسلام والطعنَ على أتباعه المتمسكين به والداعين إليه.

لقد شرع الله - سبحانه - الإسلام لعباده ليقوِّم به اعوجاج حياتهم في جميع مجالات الحياة (الاعتقادية والتعبدية والسلوكية والاقتصادية والسياسية والثقافية) على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، فقال - تعالى -: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، وأمر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم أن يجعل شعاره في الحياة قولاً وعملاً قولَه - تعالى -: {قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 261 لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْـمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162-163].

وإذا كان بعض الفلاسفة يقولون: إن الله خلق الكون ثم تركه يمضي إلى حال سبيله له حرية التصرف في أحواله وشؤونه، فإن القرآن الكريم قاطع الدلالة في نفي ذلك؛ حيث يقول وهو يُعرِّف الناس بالله - سبحانه -: {إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْـخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54].

فقد ربط القرآن الكريم بين (الخَلْق) و (الأمر)؛ ليؤكد أن الله - الذي خلق الناس وسخَّر لهم ما في السماوات والأرض - لم يخلق الناس عبثاً ولم يتركهم سُدى، بل خلقهم ليعبدوه ويقيموا شرعه ومنهجه. ولذلك أرسل إليهم الأنبياء والرسل، وأنزل معهم الكُتبَ المشتَمِلةَ على المنهاج الواضح القيِّم الذي به سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة.

كما يؤكد القرآن أن الغاية من إنزاله هي «الاتباع» و «التحكيم» وليس التلاوة والتماس البركة فحسب كما يزعم بعض الناس. قال - تعالى -: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 18]. ويقول أيضاً: {إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً} [النساء: 105].

طائفة من المسلمين:

إضافة لذلك تؤكد الجماعات والأحزاب الإسلامية في أدبياتها وبرامجها على أنها «جماعة من المسلمين» لا «جماعة المسلمين»، والفرق كبير وشاسع بينهما. هم طائفة يمثلون بعض المسلمين السَّاعِين لإزالة الانحرافات والتشوهات التي حدثت في حياة المسلمين وسلوكهم؛ لكنهم لا يزعمون لأنفسهم أنهم هم المسلمون وحدَهم ومَن عداهم لا يدخل في الإسلام كما يفتري العلمانيون والشيوعيون عليهم. وفرق كبير بين من يقول عن نفسه إنه «جماعة من المسلمين»، وبين من يزعم أنه «جماعة المسلمين».

وهذه النقطة تستلزم أن نشير إلى أنه لا يوجد في الإسلام «رجال دين» أو «طبقة كهنوت» يحتكرون البلاغ عن الله سبحانه، ويتحدثون باسم «السماء» كما فعل البابوات في أوروبا؛ إنما في الإسلام «علماء دين»، لهم الاحترام والإجلال والتبجيل، لا العصمة والقداسة. وأيُّ مسلم يستطيع أن يكون من «العلماء» بعد أن يستوفي شروط ذلك، حسبما هو مقرر في شروط من يتصدَّى للدعوة أو الإفتاء أو الاجتهاد، مع الأخذ في الاعتبار ما بين هذه الوظائف الثلاث من فروق علمية دقيقة مبيَّنة ومعروفة لدى الدارسين.

لقد شاءت حكمة الله - سبحانه - أن تقوم «طائفة» من المسلمين على مدى تاريخهم الطويل بتنبيه الغافلين، وتعليم الجاهلين، وإقامة الحجة على غيرهم؛ حتى لا يقول قائل يوم القيامة: لم نجد - يا رب - من ينصحنا ويأخذ بأيدينا إلى طريقك!

وهذا النهـوض بمهمة الإبلاغ والـدعـوة هو من مقتضى قوله - تعالى -: {فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، وقوله - تعالى -: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].

تساؤلات مشروعة:

كثيراً ما نسمع من التيارات غير الإسلامية والنخبة المثقفة على اختلاف توجهاتها - خاصة بعد «الربيع العربي» - عن ضرورةَ دمج «الإسلاميين» في الحياة السياسية، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع وترسيخ الديمقراطية؛ ليتعاون الجميع في مرحلة البناء والتنمية والإصلاح. حتى إن هؤلاء لَيَظهَرون بمظهر الحريص على التعاون ومدِّ اليد نحو الاتفاق والائتلاف؛ وكأنهم يُلقُون بالكرة في ملعب الإسلاميين.

وهذا كلام لا غباره عليه في ظاهره، لكن بعد أن رأينا - مثلاً - حملات التخويف والترويع الشرسة في مصر بعد الجولة الأولى من الانتخابات[2] التي أظهرت تقدماً كبيراً للإسلاميين مثَّل مفاجأة للكثيرين. يصبح من الضروري أن نطرح بعض الأسئلة:

إذا كان هؤلاء يرفضون ابتداءً أن يصِفُوا تلك الجماعات والتيارات بـ «الجماعات الإسلامية» أو «الأحزاب الإسلامية»، ويحاولون تشويهها بأسماء لها دلالات سلبية في الوعي العام؛ فهل يمكن أن يقوم حوار جاد نزيه يسعى لتقريب وجهات النظر وتحقيق مصلحة الأوطان التي يزعم الليبراليون واليساريون أنهم حريصون عليها؟

وإذا كانوا يضعون العراقيل والعقبات في بداية الحوار ومع «مجرد التسمية»؛ فكيف يكون الحال عند التطرق لما بعد الاسم و «العنوان» من قضايا وأطروحات شائكة؟

هل هم جادُّون حقّاً - كما يزعمون - في إيجاد أرضية مشتركة للحوار والنهوض ببلادنا بعدما انزاحت عنها الديكتاتوريات؟ أم أنهم يسعون لإعادة إنتاج الديكتاتورية والقهر والتسلط تحت مسميات برَّاقة مثل «الخوف على الديمقراطية»، ويستخدمون «الفزَّاعات» نفسَها التي كانت تستخدمها الأنظمةُ السابقة حتى آخر أنفاسها؟

 


[1] قال أحدهم للمذيع في حوار عن الانتخابات المصرية: أنا لا أتقف مع «جماعة البنّا»، فرد عليه: تقصد «الإخوان المسلمين»؟ قال له: أنا لا أسميهم بهذا الاسم، وإنما أنسبهم لمؤسِّسهم.. فقلتُ: سبحان الله! إذا كان لا يريد أن يسميهم بالاسم الذي اختاروه لأنفسهم، فكيف يمكن أن توجد أرضية مشتركة للحوار بينهما؟ على الأقل: لمصلحة مصر، التي يزعم لنفسه أنه حريص عليها؟!

[2] طالب نجيب ساويرس رئيس حزب «المصريون الأحرار» وأحد الأحزاب الثلاثة المكونة لـ «الكتلة المصرية»، في حواره مع قناة cbc، الغربَ بالتدخل صراحة في الشأن الداخلي المصري، وتقديم الدعم اللازم للأحزاب الليبرالية، والقيام بما أسماه «الدور الاستباقي» للسيطرة على الربيع العربي؛ لوقف تقدم الإسلاميين! فأين احترم قواعد الديمقراطية التي يتشدقون بها؟

 

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة