المستجدات الفقهية المعاصرة في الأطعمة والأشربة

Share
Share
المستجدات الفقهية المعاصرة في الأطعمة والأشربة
المستجدات الفقهية المعاصرة في الأطعمة والأشربة




مقدمة:

يعدُّ الغذاء المتضمن المطعومات والمشروبات من متطلبات الجسد الأساسية التي لا غنى له عنها، وهو يمثل الشق الأول لضرورة حفظ النفس من جانب الوجود؛ حيث إنه المصدر الأساسي للطاقة والحيوية والنمو، وقد ذكره الله سبحانه وتعالى في باب الامتنان على الإنسان فقال على لسان إبراهيم عليه السلام: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} [الشعراء: 79].

والامتناع عن تناول الطعام إقدام على إفناء الجسد بطريقة غير مباشرة؛ لأنه لا يستقيم من دونه، وقد جاء النهي عن الوصال في الصيام؛ لأنه يترتب عليه إضعاف الجسد وإنهاك قوته بالرغم من أن الصيام في حد ذاته من أعظم العبادات التي يتقرب بها الإنسان إلى الله تعالى، لكنه لما تعارض في صورة الوصال مع حفظ النفس جاء النهي عنه، وذلك تأكيد من الشريعة على ضرورة حفظ النفس بتغذيتها والعناية بها.

وكما أن على الإنسان العناية بتغذية جسده، كذلك على الإنسان أن يتجنب كل مطعوم أو مشروب يؤدي تناوله إلى الإضرار به، وقد تكفلت الشريعة الإسلامية ببيانه، ووضعت من الأصول ما يتعرف من خلالها على حكم ما يستجد منه؛ ليكون الإنسان على بينة من أمره في مطعومه ومشروبه، وقد عبَّر القرآن عما ينفع الإنسان في مطعوماته ومشروباته بالطيبات[1]، وعبَّر عما يضره حسياً أو معنوياً بالخبائث[2].

وقد استجدت بعض المسائل في المطعومات والمشروبات ويتطلب الأمر بيان حكم الشرع فيها؛ لكي يكون المسلم على بينة من أمره فيما يتناول من طعام وشراب؛ لأن القول بأن كل مطعوم ما خبيث يقتضي اعتبار تناوله مخلاً بالنفس البشرية من جانب الوجود بوجه عام، حسب طبيعة هذا الخبيث، وأضراره، وقد تناولت هذه المستجدات وأحكامها الفقهية في أربعة مباحث:

المبحث الأول: حكم بعض الطرق المعاصرة في ذبح الحيوان المأكول:

يلحظ في عصرنا ظهور بعض طرق الذبح واكبت التطور العلمي، وهي مما لم يعهد من قبل، وهذه الطرق يمكن تقسيمها إلى قسمين، هما:

القسم الأول: طرق ذبح جائزة:

أ – صعق الحيوان المأكول بتيار كهربائي لإضعاف صولته، وتدويخه، ولتخفيف آلام الذبح، ثم بعد ذلك يتم ذبحه أو نحره وفيه حياة، ففي هذه الحالة يحل أكله؛ لأنه توافرت في ذبحه شروط الذكاة التي تبيح أكله، وقد اشترط الفقهاء عدة شروط في فنية استخدام الصعق الكهربائي تتضمن عدم موت الذبيحة من الصعق، وقيدوا استخدام الصعق الكهربائي مع الحيوانات التي تحتمل الصعق، أما مع الدواجن فلا يحل استخدام الصعق الكهربائي؛ لأنه ثبت أن استخدامه معها يفضي إلى قتل الكثير منها قبل تذكيتها[3].

وهذه الطريقة أكد مجمع الفقه جوازها، حيث جاء «إن الحيوانات التي تذكى بعد التدويخ ذكاة شرعية يحل أكلها إذا توافرت الشروط الفنية التي يتأكد بها عدم موت الذبيحة قبل تذكيتها»[4].

ب – قطع رقبة الحيوان المأكول بسرعة من خلال منشار كهربائي، وهذه الطريقة جائزة في الراجح من أقوال الفقهاء[5]؛ لأن الحكمة المرجوة من التذكية الشرعية، وهي إنهار دم الحيوان، قد حصلت.

القسم الثاني: طرق ذبح مختلف فيها إذا كان القائم بها من أهل الكتاب:

هناك بعض الطرق لذبح الحيوان المأكول تأخذ حكم الميتة، إذا كان القائم بها مسلماً؛ لأنها تتنافى مع شروط التذكية المشروعة المبيحة لأكل الحيوان، أما إذا كان القائم بذبحها من أهل الكتاب، فقد ورد عن بعض علمائنا المعاصرين الاختلاف في حكمها لاعتبارات أخرى، ومن هذه الطرق:

1- طريقة الصعق الكهربائي:

وهي أن يعمد إلى إماتة الحيوان من خلال صعقه بتيار كهربائي عالي الضغط، يموت من جرائه الحيوان، دون أن يسيل دمه[6].

2- طريقة الإماتة بغاز ثاني أكسيد الكربون:

وهي أن يسلط على الحيوان غاز ثاني أكسيد الكربون، فيموت بسببه خنقاً، وهذه الطريقة لا يحل الذبح بها، وتأخذ الذبيحة حكم الميتة، أو المنخنقة، وكذلك يلحظ أنها تتنافى مع شرعنا الحنيف الذي يأمر بالإحسان للحيوان عند ذبحه بإحداد الشفرة حتى لا يطول عليه الذبح، أو يعاني آلامه[7].

3- الطريقة الإنجليزية:

وهي خرق جدار الصدر بآلة حادة بين الضلعين الرابع والخامس، ومن خلال هذا الخرق يتم نفخ الهواء إلى الرئتين، فيموت الحيوان نتيجة ضغط الهواء بمنفاخ في رئتيه، دون أن ينزف دمه، والذبح بهذه الطريقة يأخذ حكم الميتة؛ لأن موت الحيوان مضاف إلى الاختناق لا إلى الذبح والتذكية وانفصال الدم وإنهاره[8].

4- ضرب رأس الحيوان بمسدس:

ويعمد إلى هذه الطريقة لقتل الحيوان من خلال ضرب رأسه بمسدس، ثم بعد ذلك يتم قطع رأسه، وهذه الطريقة أيضاً محرمة لا تحل من خلالها الذبيحة، وتأخذ حكم الموقوذة؛ لأنه لم تتحقق فيها شروط التذكية الشرعية[9].

هذه أبرز طرق الذبح المعاصرة غير الطريقة المعهودة، والملاحظ عليها كلها أنها تأخذ حكم الميتة بأشكالها المتعددة كالمنخنقة أو الموقوذة إذا قام بها المسلم، أما إذا قام بها كتابي، فإنه اختلف فيها العلماء إلى رأيين:

الرأي الأول: جواز أكل هذه الذبائح، وبه قال الدكتور يوسف القرضاوي، وبه أخذ بعض العلماء المعاصرين[10].

الرأي الثاني: حرمة أكل هذه الذبائح، وبه قال الشيخ عبدالعزيز بن باز، وغيره من الفقهاء المعاصرين، وبه أخذ مجمع الفقه الإسلامي بجدة[11].

الأدلـــــــة:

أدلة الرأي الأول:

استدل الدكتور يوسف القرضاوي على حل هذه الذبائح بعموم أدلة الكتاب الدالة على حل طعام الذين أوتوا الكتاب، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ...} [المائدة: ٥].

وجه الاستدلال: الآية صريحة في حل ذبائح أهل الكتاب، وهي عامة تشمل كل ذبيحة لهم، حتى لو كان ذبحها يخالف شروط التذكية عند المسلمين، ما داموا يعتقدون أن طريقة تذكيتهم تحل فيها الذبيحة[12].

وهذا ما أفتى به جماعة من المالكية، حيث لم يشترطوا في تحليل ذبائح أهل الكتاب أن تتوافر في ذبحهم شروط التذكية الخاصة بذبائح المسلم، يقول ابن العربي عند تفسيره للآية إنها: «دليل قاطع على أن الصيد وطعام أهل الكتاب من الطيبات التي أباحها الله سبحانه وتعالى، وهو الحلال المطلق، وإنما كرره الله سبحانه وتعالى ليرفع الشكوك ويزيل الاعتراضات.. ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يخنقها ثم يطبخها، هل يؤكل معه؟ أو تؤخذ طعاماً منه؟ فقلت تؤكل؛ لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله سبحانه وتعالى أباح ذبائحهم مطلقاً، وكل ما يرونه في دينهم حلال لنا في ديننا إلا ما كذبهم الله سبحانه وتعالى فيه»[13].

فاستناداً لعموم الآية، ولما أفتى به جماعة من المالكية، يمكن اعتبار اللحوم المستوردة من عند أهل الكتاب مما ذكي عندهم بالصعق الكهربائي ونحوه حلال لنا، ما داموا يعتقدون حله لهم[14].

أدلة أصحاب الرأي الثاني:

استدل الشيخ بن باز - رحمه الله - وغيره على حرمة الذبائح التي ذبحت بالصعق الكهربائي ونحوه مما يعتبر في حكم الميتة عندنا بقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْـمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَـحْمُ الْـخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْـمُنْخَنِقَةُ وَالْـمَوْقُوذَةُ وَالْـمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: ٣].

وجه الدلالة:

الآية صريحة في تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة، والحيوان الذي يموت بالصعق الكهربائي أو الخنق ونحوه يعتبر من المنخنقة والموقوذة حسب الواقع، سواء كان من عمل أهل الكتاب أو كان من عمل المسلمين، وعليه يحرم أكل هذه الذبائح.

أما كون النصارى واليهود يستجيزون المقتولة بالخنق أو الصعق، فليس ذلك يجيز لنا أكلها، كما لو استجازه بعض المسلمين.

كذلك لا يستدل هنا بالإجماع الوارد في الآية الدالة على إباحة ذبائح أهل الكتاب؛ لأن الإجمال فيها لا يجوز أن يؤخذ منه حل ما نصت الآية الأخرى على تحريمه من المنخنقة والموقوذة، بل يجب حمل المجمل على المبين كما هو مقرر في علم الأصول[15].

الراجح في المسألة:

يرى الباحث أن الرأي الراجح في المسألة هو الرأي القائل بحرمة الذبائح المقتولة بالصعق الكهربائي ونحوه، وأنها في حكم الميتة عندنا، وذلك للأسباب التالية:

أ – قوة دليلهم، وسلامة استدلالهم، وضعف استدلال صاحب الرأي الأول، ومعارضته آية صريحة تحرم على المسلمين كل ما قتل ضرباً أو خنقاً، ونص الآية عام يشمل المسلم والكتابي.

ب – الآية التي استدل بها الدكتور يوسف القرضاوي إنما جاءت لبيان حل الذبائح من عند أهل الكتاب أسوة بالمسلمين؛ أي للدلالة على حل تذكيتهم، بينما الآية التي تضمنت حكم بعض المحرمات كالمنخنقة والموقوذة، إنما جاءت لبيان حرمتها دون النظر لجهة المذكي أو اعتقاده؛ أي حرمتها ذاتية متعلقة بطريقة موتها، وليس لذلك علاقة بجهة المذكي أو اعتقاده، وهي بذلك تكون في مقام البيان فيما أجملت حكمه آية إباحة طعام أهل الكتاب.

ج – هذا الرأي يتفق وأصول الشريعة ومنهجها، وبه أخذ غالبية العلماء المعاصرين عبر لجان الفتوى المتعددة، فقد نصت عليه الفتوى رقم 1216 الصادرة عن اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في الرياض بتاريخ 20/3/1396هـ، ومثله جاء في الفتوى رقم 56/72 الصادرة عن لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف الكويتية بتاريخ 17 جمادى الآخرة 1402هـ، وبه أخذ مجمع الفقه الإسلامي بجدة، حيث جاء في قراره بخصوص اللحوم المستوردة من عند أهل الكتاب: «لا يجوز تدويخ الحيوان المراد تذكيته باستعمال المسدس.. أو بالمطرقة.. ولا بالنفخ على الطريقة الإنجليزية».

وعقب على ذلك بأن شروط التذكية الشرعية يجب أن تراعى في ذبائح أهل الكتاب حتى تحل للمسلمين؛ حيث جاء في القرار: «إذا كان استيراد اللحوم من بلاد غالبية سكانها من أهل الكتاب، وتذبح حيواناتها في المجازر الحديثة بمراعاة شروط التذكية الشرعية.. فهي لحوم حلال»[16].

المبحث الثاني: حكم اللحوم المستوردة من عند غير أهل الكتاب:

إذا كانت اللحوم المستوردة من عند غير أهل الكتاب كالشيوعيين والبوذيين والسيخ والوثنيين ونحوهم، فلا تحل لنا لعموم قوله سبحانه وتعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: ١٢١]، ولمفهوم المخالفة[17] في قوله سبحانه وتعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} [المائدة: ٥]، فالآية نصت على حل طعام الكتاب، فدلت بمفهوم المخالفة على أن طعام غيرهم ليس حلاً لنا.

وعليه، فإذا كتب على بعض اللحوم المستوردة من بلاد البوذيين ونحوهم أنها ذبحت على الطريقة الإسلامية، فلا عبرة بذلك؛ لأن علة التحريم هنا ليست في طريقة الذبح، وإنما المذكي نفسه[18].

وكذلك الحكم في البلاد يكون غالبية أهلها من غير أهل الكتاب، وهذا ما نص عليه مجمع الفقه الإسلامي؛ حيث جاء في قراره بشأن الذبائح: «اللحوم المستوردة من بلاد غالبية سكانها من غير أهل الكتاب، محرمة، لغلبة الظن بأن إزهاق روحها وقع ممن لا تحل تذكيته»[19].

المبحث الثالث: المطعومات أو المشروبات التي دخل في تصنيعها بعض المحرمات والخبائث، والحيوانات المهجنة من مأكول وغير مأكول:

وهذه المسألة محصلتها واحدة، وتتضمن نوعين، هما:

1- المطعومات والمشروبات التي دخل في تصنيعها بعض الخبائث:

إذا دخل في تصنيع المطعومات أو المشروبات المباحة بعض الخبائث كدهن خنزير أو لحمه أو الخمر وغير ذلك من الخبائث، فإنها تحرم لذلك؛ لأنه إذا خلط الحرام والحلال غلب فيه جانب الحرام إعمالاً للقاعدة الفقهية: «إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام»[20].

وهذه القاعدة يمكن إعمالها في جميع المطعومات أو المشروبات، لما ذكره الفقهاء من صحتها وعمومها؛ حيث لم يخرج عنها إلا ما ندر[21].

2- تهجين بعض الحيوانات المأكولة مع غير المأكولة:

إذا حصل تهجين بين حيوان مأكول وآخر غير مأكول، كتهجين الغنم مع الخنزير ونحوه، أو إدخال بعض الخبائث «المورثات» من خنزير في خلية مأكول، ثم استنساخ فصيلة جديدة؛ فإن الحيوان الناتج من هذا التهجين يحرم تغليباً لجانب الحرام فيه، وإعمالاً للقاعدة السابقة.

وقد نص الفقهاء على حكم مسألة شبيهة وهي: إذا كان أحد أبوي الحيوان مأكولاً، والآخر غير مأكول؛ فإنه لا يحل أكله[22].

المبحث الرابع: الإضافات الغذائية في ميزان الفقه الإسلامي:

لقد وجد بعض ضعاف النفوس أقوات الناس وأغذيتهم الوسيلة المثلى لجمع المال، إما لأن الناس لا يستغنون عن القوت، وإما لأن هذا الغذاء تتوق النفس البشرية إليه، والتي قد يجذبها فيه أمور بعيدة كل البعد عن مواطن النفع، فتنجر لإشباع حاجاتها منه، دون اعتبار لأمر آخر، ولهذا فقد تفتقت قرائح صانعي الغذاء في جعل المواد الغذائية أكثر إغراءً للنفس البشرية من ذي قبل، واتبعوا في ذلك وسائل شتى، منها خلط هذه المواد بإضافات كيميائية وغيرها، إما لإكسابها طعماً مستساغاً محبباً للنفس، أو نكهة طيبة تستريح إليها وتشتهيها، أو لوناً مبهراً يجذب الناظر إلى هذه المواد ويدعوه إلى التزود منها، أو نحو ذلك من إضافات قد يكون لها أثر في زيادة استهلاك الناس لهذه الأغذية.

ولهذا كان لا بد من إماطة اللثام عن هذه الإضافات في عجالة سريعة، وبيان موقف الشريعة الإسلامية منها في ضوء ما تخلفه من آثار على أجزاء الجسم البشري.

المطلب الأول: تعريف الإضافات الغذائية:

صدر التعريف الدولي الأول للمواد المضافة عام 1956م بأنها: «أي مادة ليست لها قيمة غذائية تضاف بقصد إلى الغذاء، وبكميات قليلة، لتحسين مظهره أو طعمه أو قوامه أو قابليته للتخزين»[23].

إلا أن هذا التعريف أغفل المواد التي تضاف لرفع القيمة الغذائية، كالفيتامين والمعادن والملونات، في الوقت الذي اعتبر فيه بقايا المبيدات والمواد الكيماوية التي تتسرب إلى الأغذية عند تعبئتها مواد مضافة.

وقد صدر تعريف دولي حديث يعرف المواد المضافة بأنها: «مادة لا تستهلك بذاتها كغذاء، ولا تستعمل عادة كمكون غذائي، سواء كان لها قيمة غذائية أو لا، وتضاف لتحقيق أغراض تكنولوجية، سواء أثناء التصنيع أو التحضير أو التعبئة والتغليف أو النقل، ويتوقع أن تصبح هذه المواد جزءاً من الغذاء وتؤثر على خواصه»[24].

المطلب الثاني: أسباب استخدام الإضافات الغذائية:

يمكن إجمال الدوافع لاستخدام الإضافات الغذائية في: رفع جودة الغذاء أو نوعيته، وتحسين القيمة الغذائية له، والمحافظة عليه من الفساد أو التلف، وزيادة تقبل المستهلك للغذاء وتيسير تحضيره، وتوفيره بصورة أفضل وأسرع، وتقليل الفاقد أو التالف منه بقدر الاستطاعة، هذا إضافة إلى العامل الاقتصادي المتمثل في زيادة تصريف المنتج من المواد الغذائية وتحقيق زيادة في عائد تسويقه[25].

المطلب الثالث: الأضرار الناجمة عن هذه الإضافات:

لقد ثبت أن الإضافات الغذائية بمختلف أنواعها تسبب الإصابة بالتسمم وأنواع السرطانات والفشل الكبدي أو الكلوي وتلف الأعضاء، والذي قد ينتهي المصاب به إلى الوفاة[26].

المطلب الرابع: موقف الشريعة من تناول الأغذية المشتملة على هذه الإضافات:

بيّنت من قبل مدى الضرر الذي يصيب الإنسان من تناول المواد الغذائية التي أضيفت إليها مكسبات الطعم واللون والرائحة، والمواد الحافظة، ومن ثم فإنه يحرم تناول المنتجات الغذائية التي أضيفت إليها هذه المواد التي ثبت بالتحاليل العلمية أو غيرها إضرارها بالإنسان، سواء على سبيل القطع والظن، وسواء كان هذا الإضرار متمثلاً في مجرد اعتلال الصحة، أو الإخلال بوظائف الجسم البشري، أو إحداث أمراض ولو في المستقبل، أو كان هذا الإضرار يصل حد الإصابة بالأمراض المزمنة، أو التي لا يرجى البرء منها، أو مؤدياً إلى ذهاب منفعة عضو أو أكثر من أعضاء البدن، أو الإخلال بأدائه لهذه المنفعة، أو يؤدي إلى هلاك متناول الأغذية المشتملة على هذه الإضافة.

ومما يستدل به على حرمة تناول هذه المنتجات إن ترتب عليها ذلك ما يلي:

أولاً: من الكتاب:

1 – قال تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195].

2 - قال تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29].

وجه الدلالة: نهى الحق سبحانه وتعالى في الآيتين عن قتل النفس والإلقاء بها إلى ما فيه هلاكها، والنهي يفيد التحريم عند إطلاقه، ولما كان تناول الأغذية المشتملة على إضافات قد يؤدي إلى الهلاك ولو على المدى البعيد، فإنه يكون محرماً.

3 – قال تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْـخَبَائِثَ} [الأعراف: 157].

وجه الدلالة من الآية: حرَّم الله سبحانه وتعالى كل ضار وخبيث ولما كان من شأن هذه الإضافات الإضرار بصحة من يتناول الغذاء المشتمل عليها، فإنها تكون خبيثة منهياً عنها.

ثانياً: من السنة النبوية:

روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار»[27].

وجه الدلالة منه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ما يشتمل على ضرر، وإذا كان في الإضافات الغذائية السابقة إضرار ببدن الآدميين، حرم استعمالها، وحرم تناول المنتجات الغذائية التي أضيفت إليها إن كانت تؤدي إلى الإضرار بمتناولها، سواء اقتصر الضرر على اعتلال صحة أو بلغ حد إهلاكه.

ثالثاً: من القواعد الشرعية:

من هذه القواعد قاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»[28].

وإذا كانت المحافظة على النفس أحد المقاصد الضرورية للشارع، فإن الحفاظ عليها يكون واجباً، ولا يتأتى الحفاظ عليها في حال الغذاء المشتمل على الإضافات الضارة، إلا بالكف عن تناوله، فيكون الكف عن تناوله واجباً؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ومن ثم فإن ما يتيقن أو يغلب على الظن اشتماله على إضرار بأعضاء البدن في الحال أو في المآل، أو يؤدي إلى الإصابة بأمراض مزمنة أو لا يرجى البرء منها، أو يودي بحياة متناوله؛ فإنه لا يباح في حال الاختيار، ولا في حال الضرورة كذلك؛ لأنه لا نفع فيه أصلاً، أو هو مما يغلب ضرره على النفع الذي يرجى منه. ولهذا؛ فإنه ينبغي منع استخدام ما ثبت ضرره من هذه الإضافات في الصناعات الغذائية، وعدم التوسع في استخدام ما لم يتم الكشف عن آثاره منها، لدرء المفسدة التي قد تنجم عنها بقدر الاستطاعة إذا تبيَّن مستقبلاً أن لها آثاراً ضارة بالجسم؛ إذ درء المفسدة معتبر في الشرع[29].

وإذا كان هذا هو حكم تناول هذه الأغذية، فإن حكم إضافة المواد السابق ذكرها يتبع هذا الحكم؛ بحيث يحرم إضافة ما ثبت ضرره من هذه المواد، وعدم التوسع في إضافة ما لم يكتشف ضرره منها بعد؛ بغية تقليل المفسدة التي قد تنجم عنه، إذا اكتشف أن به ضرراً. يضاف إلى هذا أن من يتولى إنتاج الأغذية فيضيف عند تصنيعها هذه الإضافات التي ثبت ضررها أو يقوم باستيراد الأغذية التي تشتمل على هذه الإضافات الضارة؛ يكون آثماً لتعمده الإضرار بغيره، ويكون ضامناً ما يترتب على هذه الإضافات من أضرار، وفقاً لقواعد الضمان في الشريعة الإسلامية، إذا قامت العلاقة السببية بين تناول هذه الأغذية الضارة وبين الضرر الناجم عن التناول، سواء كان اضطراباً معوياً أو تسمماً، أو إتلاف عضو، أو ذهاب منفعته، أو إتلاف النفس، أو نحو ذلك من وجوه الضرر التي قد تصيب الآدميين[30].

ومما يدل على حرمة قيامه بذلك:

1 – حديث ابن عباس السابق: «لا ضرر ولا ضرار»[31].

2 – روي عن تميم الداري – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة. قلنا لمن هي يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»[32].

وجه الدلالة منه: أفاد هذا الحديث بأن عماد الدين الإسلامي هو النصيحة، ومن صنع للمسلمين أغذية فأضاف إليها مواد ضارة بهم، أو استورد هذه الأغذية؛ فلم ينصح لهم، ويكون بهذا هدم دعامة من دعامات الإسلام.

3 – روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من غشنا فليس منا»[33].

وجه الدلالة منه: أفاد هذا الحديث وغيره بأن من غش المسلمين فلا يكون متخلقاً بأخلاقهم، ولا يكون على طريقتهم وعاداتهم، ومن يتولى إنتاج أو استيراد أغذية مشتملة على إضافات ضارة بالناس، فإنه يكون غاشاً لهم ولغيرهم من الناس[34].

الخاتــمة:

لقد توصلت من خلال هذا البحث إلى النتائج التالية:

1 – يقصد بتقسيم الشريعة المطعومات والمشروبات إلى طيبات وخبائث، حفظ النفس البشرية من كل ما يخل بها، والخبائث يحظر أكلها أو شربها إلا عند الضرورة التي يترتب عليها هلاك النفس البشرية، أو خوف هلاكها إذا لم يتناول المحظور.

2 – كثير من ذبائح أهل الكتاب تحظر شرعاً؛ إذا لم تتوافر فيها شروط التذكية الشرعية.

3 – ذبائح غير أهل الكتاب من الأمم الأخرى لا تحل لنا، ولو كتب عليها: «ذبح على الطريقة الإسلامية»؛ لأن العبرة هنا في المذكي، وغير أهل الكتاب لا تحل ذبيحته.

4 – من طرق الذبح المعاصرة الجائزة: صعق الحيوان المأكول بتيار كهربائي لإضعاف صولته وتدويخه، ولتخفيف آلام الذبح، ثم يتم ذبحه أو نحره وفيه حياة؛ وكذلك قطع رقبة الحيوان المأكول بسرعة من خلال منشار كهربائي لما فيها من سيلان للدم.. أما إذا أدى الصعق الكهربائي إلى موت الذبيحة أو إماتتها بغاز ثاني أكسيد الكربون أو ضرب رأس الحيوان بمسدس فأدى إلى إماتته؛ فيأخذ ذلك كله حكم الميتة، وبالتالي يحرم أكلها.

5 – يحرم تناول المطعومات أو المشروبات التي دخل في تصنيعها بعض المحرمات، والحيوانات المهجنة من مأكول وغير مأكول لا يجوز أكلها.

6 – يحرم تناول المنتجات الغذائية التي أضيفت إليها مكسبات الطعم واللون والرائحة والمواد الحافظة ومساعِدات التصنيع؛ لأنها تلحق ضرراً بجسد الإنسان قد يصل إلى حد إصابته بالتسمم والسرطان والفشل الكلوي والكبدي وتلف الأعضاء، وقد تنتهي بالمصاب إلى الوفاة.

7 – يحرم إضافة ما ثبت ضرره من الإضافات الغذائية لأي طعام أو مشروب، ويحرم كذلك استيراد الأغذية التي تشتمل على الإضافات الغذائية الضارة، والمتعمِّد لاستيرادها يكون ضامناً لما يترتب عليها من الأضرار، كما يأثم على فعله ذلك.

 

:: مجلة البيان العدد 310 جمادى الآخرة 1434هـ، إبريل - مايو 2013م.


 [1] الطيبات جمع طيب، والطيب من الناحية اللغوية: كل ما تستلذه النفوس السليمة، أما من الناحية الشرعية فقد عبر عنه ابن العربي بقوله: «الطيب يطلق على معنيين: ما يلائم النفس ويلذها، وما أحل الله، والخبيث ضده». انظر أحكام القرآن، ابن العربي، ج2/ ص544، دار الفكر.

[2] المراد بالخبائث: ضد الطيبات، وهو شرعاً يتضمن أمرين: ما حرمه الشرع وما استقبحته أو عافته النفوس السليمة. انظر أحكام القرآن، ابن العربي، ج2/ ص544.

[3] انظر مصلحة حفظ النفس في الشريعة الإسلامية، محمد أحمد المبيض، ص250، ط1/ 2005م، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة.

[4] مجلة مجمع الفقه الإسلامي، جدة، سنة 1997م، ع10، ج1، ص 654.

[5] أجاز ذلك جمهور الفقهاء، ومنعه الإمام مالك وبعض السلف. انظر بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد، ج1/ ص 456.

[6] مصلحة حفظ النفس في الشريعة الإسلامية، محمد أحمد المبيض، ص 251.

[7] المرجع نفسه، ص 251.

[8] المرجع نفسه، ص 251.

[9] انظر أحكام الأطعمة والذبائح في الفقه الإسلامي، عبد الهادي أبو سريع محمد، ص 208-211، ط 2/ 1986م، دار الجيل، بيروت - لبنان.

[10] انظر الحلال والحرام، الدكتور يوسف القرضاوي، ص62، ط 10 - 1976، مكتبة وهبة، القاهرة.

[11] انظر فتاوى وتنبيهات ونصائح، ابن باز، ص 552، ط1 - 1989م، مكتبة السنة، القاهرة.

[12] انظر الحلال والحرام، القرضاوي، ص62 وما بعدها.

[13] أحكام القرآن، ابن العربي، ج2/ ص554.

[14] مصلحة حفظ النفس في الشريعة الإسلامية، محمد أحمد المبيض، ص 253.

[15] انظر فتاوى وتنبيهات ونصائح، ابن باز، ص 251-252.

[16] مجلة مجمع الفقه الإسلامي، ع 10، ج1/ ص 654-655.

[17] مفهوم المخالفة: هو دلالة المنطوق على ثبوت خلاف حكمه المقيد يقيد لغير المنطوق عند انتفاء ذلك القيد المعتبر في تشريعه، وهو حجة عند جمهور الفقهاء إلا الحنفية، انظر المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي، فتحي الدريني، ص324.

[18] انظر المسؤولية الجسدية، كامل موسى، ص 69.

[19] مجلة مجمع الفقه الإسلامي، ع10، ج1/ 655 وما بعدها.

[20] الأشباه والنظائر، السيوطي، ص 105.

[21] انظر المرجع نفسه، ص 106.

[22] انظر غمز عيون البصائر، الحموي، ج1/ ص337؛ والأشباه والنظائر، السيوطي، ص 106.

[23] انظر المواد المضافة، علي كامل الساعد، ص 7-15.

[24] المرجع نفسه، ص 15.

[25]المرجع نفسه، ص 16.

[26] المرجع نفسه، ص 17.

[27] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ج 6/ ص 69، وابن ماجه في سننه ج 2/ ص 384، والإمام أحمد في سننه ج 1/ 313، والدارقطني في سننه ج 3/ 77.

[28] الأشباه والنظائر، السيوطي، ص 286.

[29] الأشباه والنظائر، السيوطي، ص 287.

[30] إضافات الطعم واللون والرائحة وموقف الشريعة منها، ص12، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة؛ وانظر مجلة البيان، نفس البحث، عدد 25، ص 14.

[31] المراجع نفسها.

[32] سبق تخريجه.

[33] أخرجه مسلم في صحيحه، سبل السلام، الصنعاني، ج4/210.

[34] أخرجه الترمذي في سننه وقال: حديث حسن صحيح، سنن الترمذي، ج3/1315.

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة