المظاهرات العراقية حراك سياسي في مواجهة الاحتلال الأمريكي وحكوماته

Share
Share
المظاهرات العراقية حراك سياسي في مواجهة الاحتلال الأمريكي وحكوماته
المظاهرات العراقية حراك سياسي في مواجهة الاحتلال الأمريكي وحكوماته



شهد العراق حَراكاً شعبياً بمطالب سياسية وخدمية وأمنية ومجتمعية لخَّصه شعار: (الشعب يريد التغيير)، وذلك بالتزامن مع ثورات عربية اجتاحت المنطقة، سقطت فيها أنظمة ولا تزال أخرى على الطريق؛ ولكن الأسئلة المثارة: من هو الشعب؟ وما هي الإرادة؟ وما هي ماهية التغيير المطلوب؟

إن طوفان التغيير الذي عم بلدان المنطقة يمكن قراءته من وجهين لا ثالث لهما:

الأول: هو ازدياد الكم المتراكم من النقمة والغضب لدى شعوب المنطقة بعد تغوُّل حكَّامها، وتمترسهم خلف أجهزة أمنية أحكمت الخناق على الشعوب، ومارست أبشع طرق التعذيب مع معارضيها فجاءت لحظة الانقلاب التاريخية ضد هذا الطغيان .

أما الثاني: فإن الجو العام العالمي وتعامله بإيجابية تجاه هذه الثورات لأمور سوف نتطرق إليها في ثنايا هذا المقال؛ تتماشى مع دفع الدول الكبرى بدماء جديدة لتستبدل الوجوه القديمة بوجوه أخرى شبابية ربما تعد بولاء وانقياد أكثر من السابقين.

هذا العاملان هما المحركان لجميع الثورات التي تجتاح المنطقة وهي قد بدأت بدول المحور قبل دول الممانعة؛ كما قسمها المشروع الأمريكي الاحتلالي للمنطقة إبَّان غزو العراق، فدول محور الخير - وَفْقَ التسمية الأمريكية - هي تلك الدول التي اختارت الترحيب بمشاريع الاحتلال في المنطقة للتخلص من أنظمة الممانعة سعياً منها للإبقاء على نفسها حاكمة لشعوبها مدى الحياة.

لقد بدأت التظاهرات بحرق البوعزيزي نفسه اعتراضاً على لطمة وُجِّهَت له من شرطية حاسبته على عربة الخضار غير المرخصة ومنعتها عنه، ومن هنا اندلعت الشرارة لتنقلب الموازين وتصبح الأنظمة الحاكمة المستبدة مطارَدة من شعوبها؛ فيطلب رئيس الدولة من الجيش إطلاق النار تجاه الصدور العارية للشباب فيرفض قادة هذا الجيش: إما لضمان بطاقة التأهل للمرحلة اللاحقة، أو أنهم أدركوا انتهاء عهد القمع تصديقاً منهم لرياح التغيير القادمة؛ فاليوم وقد تخلت دول الغرب عن عملائها وسحبت يدها من إسنادهم صار القرار إلى الشارع يُسقِط من يشاء منهم، ثم يحتكم إلى انتخابات تشمل جميع الحركات والأحزاب المجتمعية والسـياسـية؛ ولكن من المؤكد أنه لن يصـل إلى السـلطة من لا ترضى عنه هذه الدول الغربية المساندة للحَراك الشعبي، وإذا حدث ذلك فبالتوقيع على المعاهدات والاتفاقيات الضامنة لمصالحهم.

تبعت تونسَ مصرُ بحَراك صار أعجوبة للمتابعين وملهماً لشعوب أخرى بسلوك الطريق نفسه للوصول إلى الغاية المنشودة، ولا شك أن رئيس تونس لم تشفع له بطاقاته الممغنطة للدخول إلى المساجد، ومنعه الأذان، ومحاربته للحجاب، وتصدُّره للدفاع عن المصالح الغربية؛ بل تصاعدت نبرة الشجب الغربي له حد المطالبة بالتنحي وإعطائه فرصة البحث عن مكان يؤويه من غضب شعبه.

ومثل ذلك وأكثر فعل شعب مصر، في تلاحم وإصرار وثبات تاريخي سلب من حاكميه الشرعية فاضطرهم إلى التنحي وهم كارهون؛ بل زاد بأن حاكمَهم وأودَعهم السجن على ما اقترفوه بحق شعوبهم من موبقات وآلآم ومآسٍ على مدى عقود من الزمن ولم ينفعه كذلك تجهيز الغاز لإسرائيل ولا محاصرة غزة.

كانت مصر وتونس من دول محور التحالف الغربي، بينما تغير الحدث والمسار في ثورتي (اليمن وليبيا)؛ ففي الأولى تنتظر الحل الخليجي بمبادرة تنحي الرئيس، بينما الثانية سمحت بعض الأنظمة العربية بالتدخل الغربي بحدوث مجزرة بطائرات وقنابل وقتال ضار بين طرفي المعادلة المؤيدين للسلطة والثوار عليها، فدخلت ليبيا منعطفاً خطيراً لا يمكن رسم نهاياته على ضوء المعطيات المتشابكة: من تسخير المرتزقة، ومساندة غربية سترهق كاهل الليبيين.

إن تغير التعاطي مع الثورات في المرحلة الأخيرة لينبئ عن تحكُّم المصالح الغربية في المنطقة، وحرصها الشديد على أن عملية التغيير لن تأتي بمن يهدد مصالحها؛ وهي نتيجة لا يمكن أن يقبلها أي متابع للحدث ما دام التعاطي الغربي بالإيجاب مع هكذا تغييرات؛ إن لم يأخذ القائمون على هذه الثورات حذرهم من الاختراقات والتدخلات والمساعدات التي تبدو مجانية؛ لكن وراءها ما وراءها من التحكم بمصير الشعوب.

نأتي إلى الحدث العراقي في الحَراك الشعبي بنمطه السياسي الذي شمل كل فئات المجتمع لتقول قولتها: (الشعب يريد التغيير). نعم، فالشعب كل الشعب العراقي: من كرد وعرب في الشمال من أقصاه إلى أبعد نقطة في الجنوب، وتحركت جموع الشعب من بساتين الشرق في ديالى إلى أقصى بادية الرمادي في  الأنبار، فهذا هو الشعب بكل مكوناته. أما الإرادة فهي انصهار العراقيين ببوتقة مطالبهم الحقة لتكون إرادة حرة، وأما التغيير فهو الخلاص من المحتل وأعوانه ونبذ التبعية للأجنبي... بهذا الفهم بدأ العراقيون حَراكهم الحرُّ يوم الخامس والعشرين من شباط فبراير، واتخذوا من الجُمَع والأيام زماناً للإعلان عن الرفض الشعبي العارم، وكان لساحة التحرير في وسط بغداد مكاناً لانطلاق الثورة الشعبية ضد الاحتلال ومن جاء معه. إن جميع من شارك في التظاهرة يطالب بالتغيير؛ فهم على دراية تامة ببواطن الأمور وكيفية سرقة وطن بحجة الادِّعاء بالتمثل لمكوِّن معيَّن، ورفع المظالم عن مكوِّن آخر، وتحقيق حلم بعيد المنال بالكذب والخداع لمكوِّن ثالث. تلك القسمة البريمرية[1]. فتقسيم العراق إلى مكونات وفئات بغية تسهيل الانقياد مضاف إليه التخويف من عدو وهمي وملاحقة المخلصين من أبناء العراق بتهمة ما يسمى الإرهاب، فكل العراقيين الرافضين للمحتل مدرَجون تحت طائلة المادة (4 إرهاب) التي يقبع تحت بندها آلاف العراقيين في السجون والمعتقلات السرية منها والعلنية عبر منظومة المخبر السري مدفوع الأجر غير المسؤول عن أي تهمة ينسبها إلى هذا الشخص أو ذاك... هذا الحال الأمني المتدهور، والاعتقالات العشوائية، والتغييب القسري، والتهجير، وتفشي الأمية (تسعة ملايين أمِّي في العراق وَفْقَ آخر إحصائية)، وانعدام الخدمات والمتطلبات الأساسية، وتلاشي الحصة التموينية، كل ذلك - ناهيك عن وجود المحتل السبب الأول والرئيسي - دفع العراقيين إلى الخروج إلى الشوراع معلنين رفضهم لوجوده أو التمديد له من الحكومة الاحتلالية الخامسة، وفي المقابل تهيأت الحكومة بكامل استعدادها وجاهزيتها القمعية لقمع التظاهرات بتقطيع الطرق ومنع الناس من المشاركة في التظاهرة الكبرى؛ ومع ذلك فالحضور كان لافتاً للنظر في إشارة إلى إصرار العراقيين على طرد المحتل ومحاصرة عملائه وسقط في هذه التظاهرة كثير من المتظاهرين بين قتيل وجريح في عموم المناطق التي اجتاحتها التظاهرات نتيجة تصدي قوات المالكي لمطالب المتظاهرين بالعصي والهراوات وقاذفات المياه، وحتى الرصاص الحي، وحاصروا المتظاهرين، وطاردوهم من شارع لآخر بدءاً من ساحة التحرير في بغداد ومروراً بمظاهرات الفلوجة وكركوك والسليمانية وديالى وغيرها من المناطق. المثير في الأمر أن إدارة الاحتلال الأمريكي (وحتى الدول الغربية) سكتت عن هذه الانتهاكات ضد المتظاهرين؛ على الرغم من وجود شهادات حية تناقلتها قنوات فضائية عراقية، مثل: (الرافدين والشرقية والبغدادية)، بل التزمت إدارة الاحتلال ومعها عواصم الدعم الغربية للتغيير في المنطقة الصمتَ تجاه انتهاكات حكومة المالكي ضد المتظاهرين في العراق؛ فهل هذا يعني أن العراق غير مشمول بالتغييـر الحاصل في المنطقـة؟ أم أن حكومة المنطقـة الخضـراء المسـتندة إلـى الاحتـلال الأمريكـي لا تزال ضمن حيِّز الصلاحية الاحتلالية في البقاء وغير مشمولة بالتغيير؟ أم أن احتلال العراق - وهو ما يطلِق عليه العملاء تحريراً - يمثل حجر الزاوية في الفوضى التي يريد الغرب تعميمها على المنطقة؟ فإذا كانت الثورات ستنتج دولاً مسخاً كما حدث في العراق طيلة السنوات الثماني الأخيرة، فإن المنطقة ستشتعل تمزيقاً ونزاعات وابتعاثاً للأقليات المفرِّقة لجسد هذه الأمة، وإذا كان الحَراك سينتج تحرراً لإرادة الشعوب وخلاصها من ربقة الفاسدين الدائرين في فلك الاستعمار فحي هلاً.

إن الإصرار على التحرير يدفع العراقيين إلى أن تكون ثورتهم التغييرية كمقاومتهم: نابعة من داخلهم وإيمانهم بقضيتهم؛ فالمقاومة العراقية أطلق عليها المتابعون أنها مقاومة يتيمة؛ لا لفقرها ولا لتواضعها في مواجهة المحتل؛ فهي التي حازت قصب السبق في اندلاعها كأسرع مقاومة يشهدها العالم في العصر الحديث، أطلقوا عليها اليتمة ليتمها من مساندة خارجية تعينها على مواجهة المحتل ومع هذا فقد استطاعت المقاومة العراقية أن تكون ندّاً مكافئاً لقوات الاحتلال فضلاً عن ابتكارها لأساليب جديدة كبَّدت المحتل الخسائر الكبرى وألجأته إلى الانسحاب تحت جنح الظلام؛ وبهذا تكون المقاومة قد قطعت الشوط الأصعب في تحرير العراق. غير أن مشـروع الاحتلال لا يزال قائماً بهذه العملية السياسية؛ فلا بد من حَرَاك شعبي يستثمر انتصارات المقاومة وإنجازاتها ويسير على ثوابتها بحراك شعبي سياسي كاشف لترهات المحتل وفساد عملائه، فكانت جمعة البداية (جمعة الغضب العراق) في 25/2/2011م، تلتها جمعة الشهداء يوم 4/3/2011م التي خرج العراقيون فيها وفاء لمن نالتهم أيادي الغدر في جمعة البداية، واختار المتظاهرون يوماً غير الجمعة أطلقوا عليه يوم الندم 7/3/2011م بمناسبة مرور عام على الانتخابات الأخيرة؛ ليعلنوا ندمهم على المشاركة فيها، وكان يوماً له أثره في الحراك السياسي الشعبي العراقي فقد أعلن من خُدع بهؤلاء عن ندمه على ما فعل بانتخابه الفاسدين المستقوين بالمحتل على أبناء العراق، بعد يوم الندم هذا وما صاحبه من فعاليات تعبِّر عن مكنون أبناء العراق تجاه شراذم المحتل اختار العراقيون اسماً لجمعتهم فكانت (جمعة الحق) 11/3/2011م، وتوالت بعدها جُمُعَات العراقيين بإصرار وثبات فكانت جمعة (المعتقل العراقي) 18/3/2011م، وجمعة (الرباط)  25/3/2011م، وجمعة ربيع الكرامة 1/4/ 2011م، وستتواصل تظاهرات الجُمَع بتسميات ذات دلالة ومعنى كجمعة الوحدة الوطنية، وجمعة الرحيل، وجمعة الثبات؛ حتى تحقيق مطالب العراقيين .

هذه الجُمَع وتلك الأيام أثبت العراقيون فيها انتماءهم لقضيتهم في التخلص من الاحتلال ومَن جاء معه، وأثبتت كذلك كسرهم للطوق الأمني المفروض عليهم في التعبير وحرية الرأي؛ فظهرت ائتلافات وتجمُّعات تولَّت التحضير للمظاهرات وتكفَّلت بديمومتها واستمراريتها برصد الانتهاكات والمواجهات مع القوات القمعية الحكومية؛ فكان ائتلاف ثورة الخامس والعشرين من شباط والثورة العراقية الكبرى، وثورة الغضب العراقي، ورابطة شهداء ثورة الخامس والعشرين من شباط.. وغيرها كثير؛ تولَّت الدفاع عن العراقيين وإدامة زخم الحراك الشعبي وَفْقَ منظور سياسي واضح جليٍّ؛ اتَّخذ من ثوابت القوى المناهضة للاحتلال نبراساً له في الحَراك؛ وهو ما أدى إلى التفاف كثير من شرائح المجتمع حول هذا الحَراك الشبابي: من أمهات المعتقلين وضحايا الاحتلال والعاطلين عن العمل والمتضررين من الممارسات الاحتلالية والحكومية، ولم يقتصر الأمر على هؤلاء؛ فقد انضم إليهم المحامون والمثقفون وشيوخ العشائر، فصار ميدان حَراكهم لا يقتصر على بغداد وبعض المحافظات؛ بل بادر العراقيون في الموصل إلى تحويل اسم ساحة السجن القديم في الموصول إلى ساحة الأحرار لتشهد اعتصاماً مفتوحاً لحين تحقيق مطالب الثائرين، وانتقلت حمَّى إيجاد الساحات إلى الأنبار لتكون ساحة التحرير في الرمادي شاهدة على  تدفُّق العشائر العراقية بكامل أبنائها، يتقدمهم شيوخهم معلنين تأييدهم المطلق لمطالب العراقيين.

كل هذا حدث وما يزال في العراق، وليس هناك أحد يعير اهتماماً لمعاناة العراقيين؛ لأنهم يتصدَّون للمشروع الأمريكي الداعي إلى تقسيم المقسَّم وتجزئة المجزَّأ فتُرِك حَراكهم من دون تغطية إعلامية، ومن دون تفاعل غربي أو حتى عربي، ولكنَّ الإصرار العراقي على مواصلة التصدي لتحقيق أهداف ثورتهم ضد الاحتلال ومن جاء معه، وثباتَهم على موقفهم عدمَ الاعتراف بما نتج عن الاحتلال يبقى هو الداعم الأساسي للحَراك السياسي العراقي بمنطلقات شعبية تشمل الجميع .

بقي أن نقول: إن النخب السياسية المناهضة للمحتل العاملة على الساحة العراقية، لا بد لها أن تجد الرابط والإطار للتحرك من دون الاستناد إلى قوى لاحتلال الأمريكي أو الغربي أو من يدور في فلكهما، وأن تديم زخم الحَراك بكشف الفساد الذي نخر العراق ووضعه في مصاف الدول الأشد فقراً في العالم؛ بل احتل العراق المراتب الأولى في الفساد الإداري في العالم.

وعليها أن تضع تحت الضوء انتهاكات المحتل النفسية والجسدية والإدارية والمالية، وكذلك من خَلَفَه في إدارة مشروعه في الصفحة السياسية، ومثلما تخطَّى العراقيون بكل عزم وثبات صفحات الاحتلال بالتقتيل والاعتقالات والتصفية الجسدية والشحن الطائفي والتقسيم على أسس العرقية والمذهبية، فسيتخطى العراقيون - بإذن الله - مرحلتهم هذه نحو الإمساك بزمام أمور البلد وطرد المحتل ومحاسبة العملاء والفاسدين، وما ذلك على الله ببعيد.



[1] نسبة إلى بريمر سيئ الصيت، الحاكم المدني السابق للعراق بعد الاحتلال.

 

 

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة