سيناريوهات النظام الدولي ما بعد كورونا

Share
Share
سيناريوهات النظام الدولي ما بعد كورونا
سيناريوهات النظام الدولي ما بعد كورونا



«الأمور لن تعود إلى ما كانت عليه، لأن وضعها السابق كان هو المشكلة بالأساس».

هذه كتابة وجدت على جدران مدينة هونغ كونغ الصينية بعد أزمة تفشي وباء كورونا، ويمكـن تلخيصها في قولنا: إن العالم ما بعد كورونا غير ما قبله؛ فهل ستؤثر تلك الأزمة الناتجة عن تفشي الوباء على هيكل النظام الدولي؟

هذا السؤال بات هاجس الخبـراء الإستراتيجيين في العالم؛ بل كل من يراقب الأوضاع العالمية وتأثيراتها المستقبلية على صعود وهبوط القوى العالمية والإقليمية خاصة في الدول والأمم التي لديها حلم الهيمنة والزعامة العالمية سواء كان بدافع التجبر في الأرض أم بدافع كونها خير الأمم باعتبار أن الرسالة المنوطة بها هي تعبيد الناس لربهم وإقامة شرعه ومنهجه.

ولكن ثمة سؤال أكثر واقعية، وهو: إذا لم يؤثر هذا الوباء مباشرة على تغيير النظام الدولي؛ فهل سيكون شرارة لتغيير كان منتظراً وأتت كورونا لتسرع هذه التغييرات؟

وللإجابة عن هذه التساؤلات يجب علينا معرفة وضع النظام الدولي قبل انتشار هذا الوباء ثم معرفة ما أحدثه الوباء في العالم وما يزال، ثم نعرِّج على توقُّع السيناريو أو المسار الذي يؤول إليه النظام الدولي بعد هذه الأزمة.

النظام الدولي قبل كورونا:

تؤرخ بعض أدبيـات علم السياسة في الغرب لبداية النظام الدولي بمؤتمر فيينا عام 1815م عندما أبرمت إنجلترا وألمانيا وروسيا والنمسا حلفاً يتيح لهم التدخل في شؤون الدول الأخرى، بينما تقول أدبيات أخرى إن تداول المفهوم كان قبل ذلك في ظل اتفاقيات ويستفاليا (1644 - 1648م) التي أنهت حرب الثلاثين سنة التي مزقت أوروبا وتصارعت فيها دولها.

وتتعدد مفاهيم مصطلح النظام الدولي، ولكن أدقها ما يعرِّفه بأنه نمـط أو شكل التفاعلات بين الفاعلين الدوليين في كافة المجالات في وقت محدد، باعتبار أن الفاعلين الدوليين هم أصحاب القوة والنفوذ، ومع تغيُّر أصحاب القوة يتغير شكل النظام.

وبعد انتهاء الحرب الباردة مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي، اتسم النظام الدولي بالفوضى مع تعدد المعايير التي يمكن بها تصنيف القوى العالمية؛ فبعضهم وصف النظام الدولي بأنه أحادي القطبية، في حين ذهب آخرون إلى القول بأنه أصبح متعـدد الأقطـاب، بينما يرفض رأي ثالث تحديد شكل للنظام الدولي الراهن ويقول إنه لا يعدو أن يكون مرحلة انتقالية تسبق ظهور ترتيب جديد للقوى العالمية لم يُعرَف بعد.

وسبب هذا الاختلاف هو الخلاف على نوعية القوة التي يعتمد على أساسها ترتيب القوى داخل النظام الدولي: فمن اعتمد على أن القوة العسكرية هي المعيار الأكبر في التصنيف جعل النظامَ أحاديَّ القطبية بتربع الولايات المتحـدة الأمريكية على قمة النظـام. أما من اعتبر القوة الاقتصادية فهو يقول بتعدد الأقطاب خاصة في السنوات القليلة الماضية لأنه يُدخِل الصين والاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة في هيكل النظام فيجعله بهذا المقياس متعدد الأقطاب.

وفي الحقيقة فإن النظام الدولي في هيكلته لم يعد فقط مقتصراً على الدول؛ بل دخل في تصنيف هذا النظام الشركات متعددة الجنسيات، وكذلك المؤسسات الاقتصادية العالمية كصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرهما.

وبالرغم من أن الولايات المتحدة قد تمكنت من اتباع إستراتيجية نجحت من خلالها في إسقاط الاتحاد السوفييتي وأطلق عليها الرئيس الأسبق نيكسون «نصر بلا حرب»، وكان الظن عندها أنها انفردت بالنظام الدولي الذي أصبح قطباً واحداً وحاولت فرض الهمينة أو العرف السائد دائماً في أي نظام دولي وهو سيطرة قوة أحادية في المجال العسكري واستخدام هذه القوة لإخضاع الدول التي لا تتفق معها في توجهاتها السياسية، ولكن ترددها بعد ذلك أصاب إستراتيجيتها بالخلل الأمر الذي جعل الكثيرين يشككون في المكانة التي وصلت إليها!

ففي مرحلة بوش الأب - وهي المرحلة التي تلت سقوط الاتحاد السوفييتي - فقد استغل الرجل احتلال صدام للكويت ليحشد العالم خلفه لتحـرير الكويت وتقـرير مبدأ قيادة أمريكا للنظام الدولي، ولكن حالة أمريكا الاقتصادية تدهورت في عهده.

ثم جاءت مرحلة بيل كلينتون الذين نجح في رفع كفاءة الاقتصاد الأمريكي وحاول إثبات المنطق العسكري للقوة الأحادية في حرب البوسنة عندما نجح في ضرب صربيا وإسقاط رئيسها.

وفي مرحلة بوش الابن، استغل هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2011م ليواصل استخدام إستراتيجية القوة العسكرية في فرض الولايات المتحـدة هيمنتها على النظام الدولي في احتلالها لأفغانستان ثم العراق، ولكن عندما تراجع الجيش الأمريكي أمام المقاومة الأفغانية والعراقية وثبت أن القوة العسكرية الأمريكية عاجزة أمام مقاومة الشعوب عندئذٍ حدث أول زلزال في النظام الدولي وهو عدم قدرة القوة المهيمنة على النظام الدولي على فرض إرادتها العسكرية على الشعوب وإن نجحت في تغيير النظم.

ثم كانت مرحلة أوباما: الذي أدركت أمريكا في عهده أنها لن تستطيع فرض هيمنتها على الشعوب بقدرتها العسكرية المباشرة فتراجعت لتستعين بالقوى الإقليمية فيما يُعرَف بإدارة الصراعات من الخلف بواسطة آخرين.

وانتهى الأمر بترامب، هذا التاجر الذي أراد إدخال منطق التجارة في تعاملاته الإستراتيجية والسياسية فحاول استعادة الهيبة الأمريكية بالممارسة الابتزازية وفرض منطق البلطجة الصريحة على الدول والقوى ومنها الاتحاد الأوروبي والصين، الأمر الذي عزز من عزلة الولايات المتحدة مع التقدم المذهل للصين.

هذا العرض السريع لمحاولات أمريكا التربع على عرش النظام الدولي ثم التراجع الذي لحق بهيمنتها، هو الذي جعل خبراء الإستراتيجية يحارون في تحليل مدى هيمنة أمريكا على النظـام الدولي بالرغم من أن أمريكا لديها 1.3 مليون فرد في الخدمة العسكرية الفعلية، ويتجاوز العدد الإجمالي للعسكريين إذا أضفنا الاحتياطَ المليونين، وتنفق واشنطن أكثر من 600 مليار دولار على الدفاع؛ أي أكثر مما تنفقه الصين وروسيا مجتمعتين، كما تتمتع الولايات المتحدة أيضاً بالسيطرة على الجو والبحر ولديها أكثر من 13 ألف مقاتلة عسكرية و 11 حاملة للطائرات، كما أنها ما تزال قوة اقتصادية هائلة، والدليل على ذلك أن العملة العالمية التي يتم التعامل بها ما تزال بالدولار.

أما الصين فقد بَنَت إستراتيجيتها للمنافسة في ترتيب النظام الدولي على أساس نظري فيما أطلقت عليه (إستراتيجية الصعود السلمي) وهي في جوهرها تعني الانتقال تدريجياً إلى مرتبة لاعب أساسي في العلاقات الدولية ولكن دون تهديد أمن واستقرار النظام الدولي، أو هي التسلل الناعم لأحشاء النظام الدولي. وبدأت بتفعيل هذه الإستراتيجية على صعيد السياسة الخارجية الصينية منذ أكتوبر عام 2003م، وعبر خطـابين مزدوجين تواصل الصين الصعود: خطابٍ موجَّه للخارج يصور الصين قوةً تريد المشاركة مع القوى الأخرى ولا تريد الاستفراد بالنظام الدولي، ثم خطابٍ موجَّه للداخل يدعو الشباب إلى عدم التخلي عن حلم الوصول إلى القوة الأولى في العالم... فبينما يتبنى الخطابَ الأولَ الناعمَ الساسةُ الرسميون فإن الخطاب الحقيقي يتبناه الأكاديميون القوميون خاصة الذين يخاطبون الشباب الصيني؛ وبذلك يسهل التنصل من الخطاب الأصلي أمام الخارج الذي يراقب بعناية الخطاب الرسمي الصيني.

وارتكزت إستراتيجية الصين عبر عدة محاور أهمها: بناء البيت الداخلي بطريقة مُحْكمة، وصياغة جغرافيا سياسية خاصة بالصين، والقوة العسكرية، والأخطبوط الاقتصادي، وعدم التدخل في الشأن السياسي للدول.

نجحت الصين في أن تصبح عملاقاً اقتصادياً عالمياً؛ إذ إن الناتج المحلي الكلي للصين سيفوق الناتج المحلي الكلي الأمريكي خلال بضع سنوات، وبعد عشرين عاماً قد يصل ضعفَ نظيره الأمريكي. أما المجال الأبرز صينياً الذي يقلـق صانعي القرار في أمريكا؛ فهو التطور في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات، والتفوق في عدد البراءات العلمية المسجلة في المنظمة العالمية لحقوق الملكية الفكرية.

ولكن هناك عوامل ضعف كامنة قد تعيق أو تمنع هذا الصعود وأهمها ضعف النظام السياسي الصيني بسبب عدم وصوله إلى صيغة تعايش للقوميات والديانات - خاصة الإسلامية - في داخله، كما يوجد تفاوت اجتماعي وتدنٍّ في متوسط دخل الفرد؛ ففي حين يزداد المليـارديرات الصينيين فإن دخل الفرد ضعيف مقارناً بأقرانه في بلدان العالم المتقدم.

وبدا الاتحاد الأوروبي مع نهاية القرن العشرين قوة صاعدة في النظام الدولي مع انهيار الاتحاد السوفييتي سابقاً ودخول دول أوروبا الشرقية إلى الاتحاد ليصل عدد دوله إلى ثمان وعشرين دولة ويبلغ عدد سكان الاتحاد الأوروبي 515 مليون نسمة؛ أي ما يقرب من 7% من سكان العالم، وهو ثالث كتلة بشرية في العالم بعد الصين والهند، ويتفوق على الولايات المتحدة. ويُعَد الاقتصاد الأوروبي ثاني أكبر اقتصاد في العالم من حيث القيمةُ الاسميَّة (بعد الولايات المتحدة)، ومن حيث معادلة القوة الشرائيَّة حيث قُدِّر الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي بنحو 18.8 تريليون دولار في عام 2018م، ممثلاً نحو 22 ٪ من الاقتصاد العالمي. وتُعَدُّ عملة الاتحاد (اليورو) ثاني أكبر عملة احتياطيَّة وكذلك ثاني أكثـر العملات المتـداولة في العالم بعد الدولار الأمريكي.

ونجح هذا الاتحاد في ثلاثة أمور هامة، هي: تنسيق السياسات الزراعية والعلاقات التجارية البينية داخل الاتحاد الأوروبي، وتوحيد السياسات النقدية الأوروبية، كما نجح في تنسيق السياسات على المستويين السياسي والأمني.

ولكن واجه الاتحاد الأوروبي عدة أزمات خطيرة، منها: أكبرها وهي العجز عن إيجاد دور مستقل لأوروبا في العالم؛ فقد أنفقت معظم طاقتها على التجاوب مع إستراتيجيَّات قوى أخرى؛ بل فشلت في بلورة رؤية سياسية عملية تخصها، ترمي إلى التعامل مع هذه الصراعات، ونتيجة لذلك فبدلاً من أن تشغل الموقع القيادي نجد أنها تراجعت إلى الخلف في تلك الأزمات، كما تواجه أزمة ديموغرافية تتمثل في قلة السكان وتزايد أعداد المهاجرين، وكان تأثير انسحاب بريطانيا على الاتحاد كبيراً، ومن المنتظر أن يتراجع إجمالي الناتج المحلي للاتحاد عقب خروج المملكة المتحدة، بمقدار 2.76 ترليون دولار، وبالاستناد إلى بيانات صندوق النقد الدولي، فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، التي تعتبر ثاني أكبر قوة اقتصادية فيه بعد ألمانيا، سيؤثر عليه بشكل كبير.

أما روسيا فقد حاول بوتين إعادةَ بناء الإمبراطورية الروسية من جديد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي من خلال عدَّة إستراتيجيات جديدة، منها عدم الدخول في مواجهات مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، والسعي إلى عالم مُتعدِّد الأقطاب، وتكوين تحالفات إقليمية ودولية جديدة. ومن ناحية القوة العسكرية نجد أن روسيا تصنَّف ثاني قوة في العالم وإن احتلت المرتبة الأولى في أضـخم قـوة دبابات في العـالم، إضافة إلى امتلاكها 7 آلاف قنبلة نووية و 4 آلاف طائرة حربية، ونجحت في التمدد إلى البحر المتوسط حيث مكَّنها التدخل في سوريا من أن تصبح إحدى القوى الدولية التي يُحسَب لها حساب، كما أعادت لها أزمة أوكرانيا وتحديها للهمينة الأوروبية والأمريكية الدورَ الفعال كلاعب يُحسَب له حساب في هيكلة النظام الدولي.

ويرى بعض المحللـين أن ما حققتـه روسيا هـو مجرد فقاعة مؤقتة، وأنها غير قادرة على المنافسة على الزعامة الدولية لأسباب ديموغرافية واقتصادية وعسكرية وتقنية، كما أن عودتها إلى النظام الدولي كإحدى القوى الفاعلة فيه مرتبطة بشخصية الرئيس الروسي فلادمير بوتين؛ فماذ إن غاب عن الساحة لسبب من الأسباب؟ فالنظام الروسي غير مؤسسي ويرتبط بشخصية بوتين إلى حدٍّ بعيد.

هكذا كان وضع وشكل النظام الدولي وأكبر القوى فيه قبل أزمة كورونا، ويمكن تلخيصه في شكوك متزايدة في قدرة أو عدم اكتراث أمريكي بتلك الزعامة العالمية مع سعيها لمنع أي قوة تحاول منافستها وخاصة الصين التي تصعد بشكل سريع، ولكنه صعود مرتبط بعوامل ضعف كامنة في نظامها القمعي... مع صعود متردد لكل من روسيا والاتحاد الأوروبي.

وجاءت أزمة اجتياح وباء كورونا للعالم؛ فماذا حدث في النظام الدولي؟

تأثيرات كورونا على النظام الدولي:

يقول بعض الخبراء: إن الأوبئة لا تقل تأثيراً عن الحروب والأزمات الاقتصادية في إحداث تغيرات في النظام العالمي عبر بلورة نظام جديد أو تهيئـة الأجواء لصعود قوى أخرى منافسة بجوار دول أخرى ظلت مسيطرة لعقود، وينبئنا التاريخ أن الأوبئـة التي أصابت العالم قديماً أعادت صياغة العالم على نحو شامل بعد أن قضت على مئات الملايين من البشر، وتسببت في انهيار إمبراطوريات، وتصدع حكومات، وإبادة أجيال بأكملها.

لقد كشف انتشار وباء كورونا بهذه الكيفية وعلى امتداد خريطة جغرافية عالمية واسعة عن عدة حقائق لا يُعرَف بَعدُ درجة تأثيرها وانتشارها عالمياً:

منها حالة عدم اليقين التي تُفاقِم كلاً من الفوضى والصدمة.

ومنها تأثير في إرباك الأسواق والهزة التي أحدثها في الاقتصاد العالمي.

ومنها انكشاف العولمة: فالعولمة مبدأها الأساسي هو انفتاح الحدود بين الدول بقدر الإمكان وهذا يتحقق بعاملين اثنين: حرية التنقل، وحرية الاقتصاد. 

ومن أسس العولمة في الغرب أيضاً الحرية الفردية الشخصية، فانغلاق الدول على حدودها خوفاً من انتشار الوباء أصاب فكرة العولمة في صميمهـا، ولكن وُجِد من يتحدث عن إعادة إحياء مفهوم العولمة في إطار مفهوم أوسع يتجاوز القضايا التجارية والاقتصادية ليشمل المجالات الأخلاقية والثقافية والسياسية أيضاً، هذه المجالات يُقصَد بها وجود مقياس للشفافية والمشاركة الشعبية في صنع القرار والتدفق الحر للمعلومات وتقاسم منهجي للموارد العلمية والتكنولوجية للتعامل مع حالات الطوارئ العالمية.

كما كشف الوباء عن عدم وجود مؤسسات عالمية أو دولية قادرة على قيادة مواجهة الوباء. 

وانكشف أيضاً النظام السياسي الفيدرالي الأمريكي حيث السلطة مقسمة بين الحكومة الفيدرالية وحكومة الولايات، وفي هـذه الأزمـة تحـدَّت بعض الولايات رغبة ترامب في تضييق نطاق الحظر وإعادة النشاط الاقتصادي، وداخل كل ولاية كان هناك معارضون لسلطة الولاية نفسها وقراراتها في إبقاء الحظر.

وكشف الوباء عن هشاشة الاتحاد الأوروبي؛ فأواصر العلاقات بدأت تتصدع بين عدد من دوله وتحطمت قيم التضامن وتزعزعت الثقة بين أعضائه، ولفتت نيكول غنيسوتو نائبة رئيس معهد جاك ديلور (وهو مؤسسة فكرية مستقلة تتخذ من باريس مقراً لها) الانتباه إلى أن الاتحاد الأوروبي أظهر عدَم جاهزيته وعجزَه وجبنَه، فضلاً عن تردُّده على نحو صارخ.

كما ظهرت الصين بمظهر مختلف عنه؛ فمنهم من رأى أنها عرضت النموذج الأفضل بتقديمها المساعدات للدول المختلفة وقدرتها المزعومة في السيطرة على المرض.

ومنهم من حمَّلها السبب في انتشار الوباء نظراً لانعدام الشفافية في نظامها السياسي.

وفي الموقفين المتناقضين كليهما هناك عدة حقائق في الموقف الصيني: أنه نظام ديكتاتوري يفتقد الشفافية؛ فالأرقام المعلنـة عن الإصابات والوفيـات تبدو غير حقيقية وتتعمد الصين إخفاءها: إما لتجنب تحميلها اللوم عن انتشار المرض، وإما لتتقدم على أنها منقذة البشرية من هذا الوباء ومن ثَمَّ تكسب خطوات في رحلتها لقمة النظام الدولي.

ولكن أخطر مؤشر على تأثير الفيروس على النظام الدولي هو اندلاع حرب كلامية واتهامات متبادلة بنشر الفيروس بين الولايات المتحدة والصين.

المسارات المتوقعة:

في تصريح ذي مغزى يقول الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: «إن العلاقة بين القوى العظمى لم تكن أبداً مختلة بهذا الشكل».

وفي تحقيق نُشِر في الغارديان البريطـانية حاول محررها تحديد الخاسرين والرابحين في أزمة كورونا: ينقل فيها محرر الخبر عن هنري كيسنجر الذي ينصح الحكام بالاستعداد الآن للانتقال إلى نظام عالمي لِـمَا بعد فيروس كورونا... مؤكداً أن هذه الجائحة تبرهن بشكل كبير على أن العالم إما أن يتضافر أو أن يهزمه الفيروس.

ويعلق باتريك وينتور كاتب مقال الغـارديان: كأنما هذه الجائحة تحولت إلى منافسة حول زعامة العالم، مشيراً إلى أن الدول التي تصدت للأزمة بفعالية أكثر هي التي ستحظى بالشعبية.

بينما يعتقد ستيفن والت أستاذ الشؤون الدولية بكلية جون كنيدي للعلوم الحكومية بجامعة هارفارد أن الصين قد تنجح، مضيفاً أن فيروس كورونا سيسرِّع وتيرة تحوُّل موازين القوى والنفوذ من غرب الكرة الأرضية إلى شرقها... ويستطرد بالقول: إن كوريا الجنوبية وسنغافورة أظهرتا استجابة أفضل للوباء، بينما أبلت الصين بلاءً حسناً بعد تجاوزها أخطاء البدايات. أما ردود فعل الحكومات في أوروبا والولايات المتحدة - والحديث ما يزال لستيفن والت - فقد اتسمت بالارتياب الشديد، الأمر الذي سيضعف - على الأرجح - نفوذ النموذج الغربي.

ومن وجهة نظر الفيلسوف الكوري الجنوبي بايونغ تشول هان في مقالة بصحيفة إلباييس الإسبانية يرى أن المنتصرين هم «الدول الآسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين وهونغ كونغ وسنغافورة بسبب عقليتها الاستبدادية المستمدة من الإرث الثقافي للعقيدة الكونفوشيوسية».

ويضيف بايونغ، أن الناس في تلك الدول لا ينزعون كثيراً إلى التمرد، وهم مطيعون أكثر من نظرائهم الأوروبيين، ويثقون بالدولة، وحياتهم أكثر تنظيماً، وفوق هذا وذاك، أظهروا التزاماً صارماً بالرقابة التي فرضتها عليهم السلطات في بلدانهم في مواجهة جائحة كورونا.

ويتابع الفيلسوف الكوري الجنوبي، أن الجوائح في آسيا لا يكافحها علماء الفيروسات والأوبئة وحدهم، بل أيضاً خبراء الحاسوب والبيانات الضخمة، وتنبَّأ زاعماً أن «الصين بات بإمكانها الآن الترويج لدولتها البوليسية الرقمية كنموذج للنجاح في درء الوباء. وستفاخر أكثر بتفوق نظامها».

ولكن شيفشانكر مينون الأستاذ الزائر بجامعة أشوكا في الهند يرى أن التجربة برهنت حتى الآن على أن تعامل الأنظمة الاستبدادية والشعبوية مع الجائحة لم يكن هو الأفضل بأي حال، مؤكداً أن الدول التي تصدت مبكراً وبنجاح للأزمة (مثل كوريا وتايوان) هي دول ديمقراطية لا يحكمها زعماء مستبدون أو شعبويون.

ويتفق فرانسيس فوكوياما صاحب كتاب نهاية التاريخ مع هذا الرأي؛ إذ يقول في هذا الصدد: إن الخط الفاصل في الاستجابة الفعالة للأزمات لا يضع الأنظمة الاستبدادية في كفة والديمقراطيات في كفة أخرى. فالعامل الحاسم في الأداء ليس هو نوع النظام بقدر ما هو قدرة الدولة على الاستجابة للكوارث، وفوق كل ذلك درجة الثقة بالحكومة.

وأثنى فوكوياما على ألمانيا وكوريا الجنوبية في هذا الخصوص؛ فكوريا الجنوبية تروج لنفسها على أنها القوة الديمقراطية على عكس الصين؛ إذ استطاعت التعامل مع الأزمة على أفضل ما يكون التعامل، وتعجُّ صحافتها الوطنية بمقالات تنوه بأن ألمانيـا اقتفت أثر النمـوذج الكوري الجنوبي في إجراء فحوص جماعية لمواطنيها.

ونحن نرى أنه لكي يتحقق أثر ذو بال على النظام الدولي من انتشار وباء كورونا لا بد من أن تكون المدة التي ستستغرقها إجراءات الحظر والتوقف طويلة.

وحتى الآن إذا لم يتحقق هذا الشرط (أي إذا لم يمتد الحظر ويطول) يبدو أن السيناريو الأقرب هو بقاء النظام الدولي كما هو في حالته الراهنة.

  


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة