معالم منهجية جديدة في الدراسات القرآنية

Share
Share
معالم منهجية جديدة في الدراسات القرآنية
معالم منهجية جديدة في الدراسات القرآنية


مقدمة:

وضع المستشرق الألماني الكبير ثيودور نولدكه (1836–1930) في «تاريخ القرآن 1860م» حجر الزاوية للدراسات القرآنية الغربية، ورتب السور ترتيبًا غريبًا مدعيًا أنه الأفضل، وقد التزموا به التزامًا صارمًا وانغلقوا عليه قرابة قرنين، وكتب نولدِكِه مقالة «مقدمة للقرآن» أكسبت نهجه قدرًا عظيمًا من الممارسة والهيمنة والتحصين، انتشرت المقالة بشتى اللغات، ولا يزال يعاد طبعها[1]، ولم يأت هذا النهج بجديد، لذا نددت مارلين والدمان[2] بهيمنة الأجندة الصارمة، واستخدمت معرفتها الخاصة بالقرآن لمهاجمة المعرفة الغربية العامة حول الإسلام لأجل التوضيح[3]، يضيف لورنس: «مثّل التنوع الثقافي الذي بدأ منذ ثمانينيات القرن العشرين وبتأثير الإسلاموفوبيا بعد 11/9 مثل تهديدًا قويًّا لفتح النافذة التي ظلت مغلقة»[4].

الخطاب السامي والدراسات القرآنية:

بفضل بحوث ميشيل كويبرس[5] بدأت معالم منهجية جديدة، وبتأليفه «نظم القرآن الكريم 2012»، شرح فيه تطبيق الخطاب السامي للقرآن الكريم، وقال: «علماء الغرب لم يشرعوا سوى في الثمانينـات مـن القـرن العشـرين بالاهتمام بمسألة التنظيم الداخلي للسور وإن ظلت نتائجهم جزئية، مـنهم من تناول السور المكية مثل أنجليكا نويويرث[6] وبييركرابون دي كابرونا[7]، وماتياس زاهنيزر[8]، ونيل روبنسون[9] تناولا بعض السور المدنية»[10].

ثمت تعليق: على الرغم من أن هذه البحوث تمثل إرهاصات جادة ومحاولات رائدة تحاول الخروج عن النسق المعتاد، إلا أنها ظلت تحت السيطرة النولدكية، لأنها التزمت بترتيبه.

معالم المنهجية الجديدة:

من الباكر جدًّا تحديد معالم المنهجية الجديدة، وإن ظهر التناظر والتماثل والتوازي من أهم سماتها، اكتشف كويبرس أنماطًا متناظرة في القرآن الكريم، سألتُه: تقوم بتطبيق أساليب البلاغة النصية الحديثة في تحليل القرآن، هل يمكنك توضيح كيفية تماسك النص القرآني في ضوء أساليب البنيوية الحديثة؟

أجاب: طلبي الأول ينبع من التحليل البنيوي الحديث (على ما أظن) مبني على نظريات رولان بارث، وتزفيتان تودوروف وجيرار جينت، للأسف لم يقدموا نتائج مرضية، ثم قمت بدراسة عمل رولان مينيه - أستاذ التفسير اليسوعي للكتاب المقدس في الجامعة الغريغورية في روما - الذي اقتنع في ضوء وسائل تحليل النصوص التوراتية أنها تستند في المقام الأول على مجموعة من التماثلات: التوازي (AB / A’B ‘)، وتكوين مرآة (AB / B’A’)، والتراكيب المتحدة المركز (AB / X / B’A ‘).

طبقتُ طريقتَه بكل تعقيداتها في النص القرآني، سرعان ما ظهرت السور التي تبدو مجزأة، متماسكة بقوة، شُيِّدتْ بِنيتُها بدقة وذكاء، على الرغم من المظهر، فلا يوجد أيُّ تناقض في القرآن، وظل التماسُك تماسكًا حقيقيًّا وقويًّا ودافعًا.

التدليل بأنموذج:

الفكرة ببساطة، يتخذ من الآيات التي توجد في منتصف السورة مركزًا لمحورها، تدور حوله الآيات السابقة واللاحقة، يدلل بقرائن على ترابط الآيات بقوة حول محورها.

يوضح كويبرس: دعونا نأخذ على سبيل المثال سورة البروج، على الرغم من أن أنصار النقد التاريخي مثل ريجيس بلاشير نظر إلى النص باعتباره نصًّا مركبًا مكونًا من شظايا من أوقات مختلفة جنبًا إلى جنب ببساطة دون علاقات منطقية واضحة، ولكن وفقًا للتحليل البلاغي نجد أن السورة لها ثماني وحدات نصية مرتبة في التكوين متحدة المركز على النحو التالي:

من خلال دراسة متأنية يمكن للمرء أن يجد القرائن النصية التي تكشف عن وجود بنية دائرية حادة من خلال الثنائيات، في الوسط: {إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْـمُؤْمِنِينَ وَالْـمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْـحَرِيقِ 10 إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج: 10، ١١].

المراسلات: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْـحَمِيدِ 8 الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [البروج: ٨، ٩].

الألقاب الإلهية زوجين زوجين: {الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} / {الْغَفُورُ الْوَدُودُ}؛ والمرادفات لها: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} و{ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} [البروج: 15]، ثم في كل مرة يؤكد على امتياز ملكي: {لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} و{الْعَرْشِ} و{فَعَّالٌ لِّـمَا يُرِىدُ} [البروج: 16]، النشاط المطلق لله القاضي، الله هو «شاهد على كل شيء»، «فعال بإرادته».

 المراسلات: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْـجُنُودِ 17 فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} [البروج: 17، 18]. جيوش فرعون وثمود، عاقبهم الله، وكثيرًا ما يستشهد على هذا النحو في القرآن وبمثل هذا التماثل وأمثاله (مثل أصحاب الأخدود) يمثلون أيضًا عددًا من المتمردين الذين عاقبهم الله.

المراسلات في الآيات الأولى ملمح خارجي {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ 1 وَالْيَوْمِ الْـمَوْعُودِ 2 وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: ١ - ٣] السورة بدأت بـ«السماء»، تنتهي السورة بالأمثلة السماوية في الآيتين الأخيرتين: {بَلْ هُوَ قُرآنٌ مَّجِيدٌ 21 فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} [البروج: 21، ٢٢].

وتفسير النص بمتابعة المتتاليات بين وحدات النص المشار إليها بواسطة هذه القرائن النصية، وبالتالي يوفر التحليل الخطابي تفسيرًا لسياق الآيات، من بنية النص ذاته.

أصالة المنهج وإنصاف العلماء المسلمين:

يتذكر المرء بعفوية كتاب السيوطي «تناسق الدرر في تناسب السور»، غير أن ميشيل كويبرس يقول: «أنا مهتم بشكل خاص بكتاب ﺍﻹﻣﺎﻡﺍﻟﺨﻄَّﺎﺑﻲ (ت 386/996) ﻛﺘﺎﺑﻪ «ﺑﻴﺎﻥ ﺇﻋﺠﺎﺯ ﺍﻟﻘﺮآﻥ» وبعض فصول كتاب «البرهان في علوم القرآن للزركشي» (المتوفى: 794هـ)» وقد استنسخه جزئيًّا السيوطي (ت 911هـ) وهناك - أيضًا - بعض الرموز المثيرة للاهتمام في التفاسير، بما في ذلك فخر الدين الرازي (ت 606هـ) والبقاعي (ت 885هـ)، إنه يظهر على سبيل المثال كيف يتم ربط نهاية السورة ببداية السورة التالية، أو كيفية بداية ونهاية السورة، لكن سعيد حوَّى (ت 1989)، كان الأول من بين المفسرين للقرآن في إظهار أن نص السورة يمكن جعله في أربعة مستويات، في ترتيب تنازلي، في القسم (qism)، وفي القطعة (المقطع)، وفي الفقرة (فقرة) وفي المجموعة (majmū’a)، حَدَسُه كان صحيحًا، لكنه لم يذكر تفاصيل نظريته بما فيه الكفاية: في الواقع، في النص الطويل، قد يكون هناك المزيد من المستويات، إلى ما يصل إلى عشرة مستويات، في الخطابات السامية يمكن للمرء أن يميز المستويات التالية: المدى (الكلمة)، والعضو (العبارة)، والجزء (بما فيها من عنصر واحد إلى ثلاثة عناصر، لا أكثر)، والقطعة (بما في ذلك 1-3 شرائح)، والجزء (المرء يمكن أن يقسمه إلى ثلاث قطع)، ومرورًا (بعدة أجزاء)، يتسلسل (عدد المقاطع)، الجزء (في عدة متواليات)، وأخيرًا الكتاب، أحيانًا يتم إضافتها في شبه أجزاء subparts وتسلسل فرعي، يمكن مجموع المستويات يصل لأحد عشر مستوى في السور الطويلة».

 على الرغم من إعجابنا بهذا النسق الذي حط نمطية ترتيب نولدكه ووضعها للأبد، واقترب جدًا من تناسب السور إلا أننا مازلنا قلقين نتابع المستجدات عن كثب، استطاع كويبرس في تطبيقاته أن يؤكد على وحدة السورة وقوة تماسكها، في المقال القادم إن شاء الله، خطوة متقدمة في هذا النهج مع باحث آخر طبق النهج ذاته فوضحت له قوة الترابط بين السور فأسلم الباحث بعد أن تبينت له سماوية الكتاب الذي يعجز أن يكتب مثله جن أو بشر.

 

:: مجلة البيان العدد  340 ذو الحجة  1436هـ، سبتمبر  - أكتوبر  2015م.


[1]  The Qur’an: An Introductory Essay byTheodor Nöldeke, Edited by N.A. Newman, New material copyright 1992 by N.A. Newman, Published by Interdisciplinary Biblical Research InstituteP.O. Box 423, Hatfield, PA USA.

[2] مارلين روبنسون والدمان حصلت على الدكتوراه من جامعة شيكاغو، التحقت بكلية جامعة ولاية أوهايو، قامت باختبار المقارنات حتى موتها في يوليو 1996 عن عمر 53 عامًا، قامت بتحليل الآداب التاريخية للبيهقي 384-458 ،994-1066 مؤرخ القرن الحادي عشر، حفظت المحددات النصية وما شكله عمل البيهقي في عمل زميلها ديك دافيس.

[3]  Marilyn Robinson Waldman, Prophecy and Power: Muhammad and the Qur>an in the Light of Comparison (Comparative Islamic Studies) 2013,p.vii-p.x

[4]  Ibid, p.3

[5] مستشرق بلجيكي من أصول فلمنكية عريقة، حصل على الدكتوراه في الأدب الفارسي في جامعة طهران، وعمل بها، ثم غادرها عام 1986؛ ليقيم باحثًا في معهد الدومنيكان IDEO بالقاهرة، وبعد دراسة اللغة العربية، بدأ يعمل ببحوثه في التحليل البنيوي للخطاب القرآني.

[6]  Neuwirth, Angelika, Studien zur Komposition der mekkanischen Suren, Berlin/NewYork, Walter de Gruyter, Studien zur Sprache, Geschichte und Kultur des islamischen Orients 10, 1981

[7]  Crapon de Caprona, Pierre, Le Coran : aux sources de la parole oraculaire.

Structures rythmiques des sourates mecquoises, Paris, Publications Orientalistes de France, Arabiyya 2, 1981.

[8]  Zahniser, A. H. Mathias, « Major Transitions and thematic Borders in two long Sûras:

al-Baqara and al-Nisâ’ », dans Literary Structures of Religious Meaning in the Qur’ân, éd. I. J. Boullata, London/Richmond, Curzon Press, 2000, pp. 26-55. Zahniser, A. H. Mathias, « Major Transitions and thematic Borders in two long Sûras:

al-Baqara and al-Nisâ’ », dans Literary Structures of Religious Meaning in the Qur’ân, éd. I. J. Boullata, London/Richmond, Curzon Press, 2000, pp. 26-55.

[9]  Robinson, Neal, Discovering the Qur’an. A Contemporary Approach to a Veiled Text, London, SCM-Press, 2003, pp. 201-223.

[10] ميشل كويبروس، نظرة جديدة إلى نظم القرآن، ترجمة د.يوسف حبيب نقولا حبيب، منشورات معهد الدراسات الشرقية للآباء الدومنيكان بالقاهرة، بدون تاريخ، ص 5- 6.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة