مجلة البيان - أطفال الشوارع "ضحايا أم جناة"؟

أطفال الشوارع "ضحايا أم جناة"؟
أطفال الشوارع "ضحايا أم جناة"؟


تحقيق: محمد فتح الله


د. عصام توفيق: الإعلام سبب رئيس في تفاقم الأزمة، وزادت تفاقمها في سنوات المخلوع.

د. مدحت أبو النصر: كم من السرقات التي تمت باسم مشاريع التصدي للظاهرة، وما فعلوا شيئا.

د. محمد رشدي: بالرغم من كونهم"ضحايا لا جناة" إلا أن ثمة أسباب تجعلهم أقرب للإجرام.

د.  علي السالوس: عليكم بالنظام الإسلامي في حل المشكلة، والزكاة دليل.

د. زينب صالح: ربط تفشي الظاهرة بالانحطاط الأخلاقي في المجتمعات أمر ضروري.

د. أحمد عمر هاشم: كلمتي لأغنياء الأمة اتقوا الله في أطفال شوارعها، وأأسف على ضياع الوقف.

 

لم ينس أحدٌ تلك المشاهد التي تُبرز مجموعة من الأطفال الذين وقفوا بجانب المجمع العلمي بقلب القاهرة في ميدان تحريرها، وكانت تعلوهم ابتسامة عجيبة؛ وكأنهم حرروا فلسطين مثلاً أو أفغانستان؛ في نفس اللحظة التي تلتهم النار مبنى المجمع الذي يضم تاريخ مصر وحاضرها بين طيات كتبه ووثائقه؛ فتركت هذه المشاهد عشرات الأسئلة بل مئاتها؛ كيف وصل مثل هؤلاء الأطفال لهذا المنعطف الخطير؟ كيف يشعلون النار في تاريخ أمتهم وتعلوهم ابتسامة المنتصر، ونشوة الفاتح؟ كيف وصلوا إلى ما وصلوا إليه والمجتمع في غيبة من أمره؟ أين كان المحللون النفسيون؟ وأين الدراسات عن هذه الظاهرة الخطيرة؟ أين كان التربويون؟ لماذا لم يستشرف أحد ما حدث؟، وكيف يفسروا تلك النظرات الحارقة الضاحكة؟ وأسئلة كثيرة كان لابد من الوقوف على إجابات لها من أهل التخصص والذكر؛ فبماذا يجيبوا؟.

يري الأستاذ الدكتور عصام توفيق قمر أستاذ أصول التربية المساعد، ورئيس قسم الأنشطة الاجتماعية والثقافية بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية؛ أن مشكلة ظاهرة "أطفال الشوارع" لم تظهر على الساحة فجأة، وإنما هي امتداد طبيعي للعقود الطويلة التي زاد تفاقمها في سنوات الرئيس المخلوع، وقد  حذرنا منها كثيرًا لشدة خطورتها على المجتمعات؛ وذلك لشدة إحساسها بالتهميش والنسيان حتى أنهم يتعاملون على أنهم ليسوا آدميين، وفي الوقت الذي لم يسارع أحد لنجدتهم ونجدة المجتمع؛ زاد عددهم في الشوارع والمناطق المختلفة في ظل تجاهل الدولة والمنظمات الحكومية والدولية بل والأهلية، وهو مما زاد لديهم الشعور بالحرمان والرغبة في الانتقام، وخاصة في ظل ما يرونه من ثراء فاحش على أرض الواقع أو يشاهدونه في وسائل الإعلام التي تتحمل في نظري الجزء الأكبر من أسباب هذه المشكلة؛ وتكمن في عرض كل ما هو مستفز لمثل هؤلاء؛ فإنك ترى جل المسلسلات والأفلام وحتى المسرحيات تقام في أبهى صورة، وأغنى شكل؛ وكأن السينما أو التليفزيون هذه في بلد كألمانيا أو إيطاليا، وليس هناك من أحد في الشعب يعيش تحت تحت خط الفقر.

هم ضحية

ويؤكد الدكتور قمر أن ما رأيناه مثلا في أحداث حريق المجمع العلمي، أو غيره؛ لم يأت من فراغ، ولقد ساهم المجتمع في صنعهم؛ ولهذا فهم  ضحية الجهل والفقر والبطالة والطلاق والتهميش والزواج العرفي والزنا والتسرب من المدارس والإهمال وعوامل أخرى كثيرة اجتماعية ونفسية لها صلة بالمحيط الاجتماعي أو شخصية الطفل مثل البحث عن الإثارة ومحاولة إثبات الذات وقد رسخت نشأتهم القاسية في الشوارع وتحت الكباري وفي المساكن العشوائية عدم الانتماء لهذا البلد.

كما يشير الدكتور قمر إلى أهم سمات هؤلاء الأطفال النفسية، ويقول: إن هناك خصائص مشتركة بينهم أهمها: الشغب والعناد والميول العدوانية نتيجة طبيعية للإحباط النفسي بسبب فقدانهم الحب داخل أسرهم أولا؛ ثم مجتمعهم ثانية، ويزداد الميل إلى العدوانية مع ازدياد المدة التي يقضيها الطفل في حياة الشارع لأن  العنف هو اللغة الوحيدة في حياة الشارع سواء مع بعضهم البعض ويصاحبه الانفعال الشديد والغيرة الشديدة، دون اهتمام بمستقبل.

ويصفهم أيضا بأنهم يعانون من التشتت العاطفي، وحب التملك، وشعورهم بعدم المساواة مع الآخرين، وحب ألعاب الحركة، والقوة‏ والميل إلى الممارسات الشاذة مثل‏:‏ ما يعرف في وسطهم بشم "الكُلَّة"[1] والبنزين، فضلا عن الشذوذ الجنسي بين الأطفال وجرائم الاغتصاب[2].

وختم الدكتور قمر حديثه عن هذه الفئة بأنها  ضحية اللامبالاة لحكومة كان كل ما همها جمع المال من شعب تاه في طريق الحاضر لأنه لم يستوعب ماضيه ولم يتعود التخطيط للمستقبل.

كما أشار إلى أن سهولة استقطاب هؤلاء الأطفال وتوجيههم للقيام بأية أعمال جون النظر في شرعيتها أو عدمه، وذلك لعدم وجود انتماء لديهم تجاه الوطن لأن بسبب الحقد-المحق- الذي تربى بداخلهم تجاه المجتمع وأفراده، ولهذا -صدقني- ليس بغريب أبدًا أن ترى مثل هذه التصرفات في حرق المجمع العلمي، والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة؛ دون شعور بأي نوع من الشفقة أو الندم؛ بل تحول شعورهم إلى سعادة وفرح المنتصر.

سرقة بإسمهم

ووضح الأستاذ الدكتور: مدحت أبو النصر، أستاذ الخدمة الاجتماعية بجامعة حلوان، ورئيس قسم العلوم الاجتماعية بكلية شرطة دبي سابقاً، أن أسباب عدوانية أطفال الشوارع بظروفهم الصعبة التي نشأوا وتربوا عليها؛ وذلك من جانب سوء التعامل معهم على المستوى الحكومي أو الرسمي؛ مُمثلا ذلك في إهمال الدولة ومؤسساتها لهم، بل والعمل الدءوب على تهميش مثل هذه الفئات، ولقد زاد الطين بلة؛ أن النظام السابق كان يعلن في كل صوب وحدب عن مشاريع هنا وأخرى هناك، لهؤلاء الأطفال، وملايين تصرف، ومليارات تنفق باسم "أطفال الشوارع" وعلى أرض الواقع –لا شئ ولا تغيير-، ثم من الجانب الآخر؛ وهي المنظمات المجتمع الأهلي أو القطاع الخيري، فأولا: كان هناك عدم اكتفاء لتلك المنظمات التي تستوعب العمل على هذا الأمر، ثم تقاعس الموجود منهم بالفعل، بل وضاعف الأمر سوءً مُتاجرة بعض الجمعيات والمنظمات باسمهم وحالهم ومشاكلهم، وإذا وضعنا في الحسبان تجاهل القطاع الخاص وتخليه تمام عنهم؛ وهو ما أدي إلى تسريحهم من الجمعيات القليلة التي حاولت مساعدتهم وبهذا وجودوا أنفسهم في الشوارع تارة أخرى.

وأكد الدكتور أبو النصر على الارتباط الوثيق بين أسباب تفاقم مصيبة أطفال الشوارع وبين انفلات الوضع الأمني من ناحية، وسوء الأحوال الاقتصادية من ناحية أخرى، وكثرة الأموال المتخصصة لإثارة القلاقل في مصر بعد الثورة من ناحية ثلاثة،

أقسام وتصنيفات

وأكد أيضا على أن أطفال الشوارع ليسوا شكلا واحدا، وإنما هم على أربعة تقسيمات: المتسربون من البيوت، والهاربون من الأحداث (سجون الأطفال)[3]، والخارجين من دور الأيتام بعد بلوغهم ثمانية عشر عامًا، وأخيرًا المفقودين الذين ضلوا الطريق أو تغيبوا عن أسرهم في ظل ظروف غامضة. وهناك من يصنف هؤلاء بطريقة أخرى، وهي إلى ثلاثة أصناف: منهم من يعيش بين الشارع والمنزل، ومنهم من يشتغلون بالشوارع ولا يحققون دخلا كافيا، ومنهم من يتعرض لأبشع ألوان الاستغلال من طرف الشارع سواء عن طريق تشغيلهم في ظروف صعبة أو استغلالهم الجسدي، وطبعا لا يخفى أن وضعية كل هؤلاء متشابهة من حيث المبيت في الشوارع.

ويرى الدكتور أبو النصر أن حل هذه المعضلة لن يكون بين ليلة وضحاها؛ وإنما قد يستغرق سنوات وسنوات، فهي نتاج تراكمات سنوات طويلة من الإهمال والظروف الصعبة للأسر والمجتمعات.

أقرب للإجرام

ويري الدكتور محمد رشدي محمد؛ المحاضر بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الإمارات العربية سابقًا، انه وبالرغم من أن "أطفال الشوارع" ضحايا لا جناة؛ إلا أن ثمة أسباب تجعلهم أقرب للإجرام[4]، ومنها مثلا: أنهم لا يدركون الصواب من الخطأ لحرمانهم من التربية والتنشئة السليمة، ومن المأكل والملبس؛ وعليه فإنهم يلجئون للسرقة وقطع الطرق، هذا إن لم يأت التسول بما يرتضونه.

وتعرض الدكتور رشدي إلى الحلول؛ مؤكدًا على أن التصدي لهذه الكارثة يوجب تبنِّى حزمه متكاملة من الإجراءات غير المسبوقة لتجفيف منابع وأسباب المشكلة، كما يوجب القضاء على أسباب تفاقمها، وليس فقط مواجهة آثارها، فضلا عن سن مزيد من القوانين للأمن الاجتماعي، وتفعيل حقيق لكافة المنظمات الأهلية والخيرية، مع التفعيل الحقيقي لنفوذ قطاع العمل الخاص.

شريعتنا هي الحل

ويشير الأستاذ الدكتور علي السالوس خبير الاقتصاد الإسلامي إلى ضرورة معالجة القضية بصور صحيحة، وإلا سوف تكون النتيجة عكسية؛ مشيرا إلى أن النظام الإسلامي هو الأفضل في حل مثل هذه المشكلات؛ وذكر أنه وعلى سبيل المثال: الزكاة، مؤكدًا على أن إعطاء أطفال الشوارع من الزكاة سيعمل على الحد من الظاهرة؛ وذلك من خلال إنشاء مشروعات صغيرة تحولهم من عاطلين إلى مُنتجين، وطبعا بالضوابط الشرعية التي من أهمها: عمل ما يعرف بدراسات الجدوى السليمة للمشروع؛ مع عمليات التدريب لأطفال الشوارع على كل مشروع، بالإضافة إلى أن تتولى جهة رقابية يتوافر في أعضائها العدل والقيم الإيمانية والأخلاقية بجانب المهارة الفنية الإشراف عليها.

كما بَيَّن فضيلة الدكتور السالوس ضرورة متابعة هذه المشروعات بدقة واستمرار؛ وذلك لعلاج أي انحراف أو معوقات، مع تفضيل احتضان الجمعيات الأهلية المهنية والخيرية من مؤسسات المجتمع المدني، مع الأخذ في الاعتبار سهولة الحركة المشروعية؛ مع البعد عن التعقيدات الرسمية؛ وأن تحمل هذه المنظمات همَّ إعادة تربية أطفال الشوارع على القيم الإسلامية العليا وعلى الخلق القويم، والسلوك المستقيم.

انحطاط أخلاقي

وحاولت الدكتورة زينب صالح الأستاذة المساعدة بقسم الاقتصاد, بكلية التجارة جامعة الأزهر، ربط تفشي هذه الظاهرة بالانحطاط الأخلاقي في المجتمعات، والذي يتسبب فيه غياب الوعي الديني للأبوين، وظروفهم الاقتصادية الصعبة؛ مما يدفع الأبناء إلى الخروج والهروب إلى الشارع؛ ليتعرض لكافة أشكال الاستغلال الجنسي والبدني والمادي،  مع سوء المعاملة والحرمان النفسي لتوفير لقمة العيش؛ هذا بالإضافة إلى عملية تعودهم على التعرض لحملات القبض الجماعية من أجهزة الأمن ويتعرضون للإيذاء البدني والنفسي والجنسي والابتزاز سواء من قِبل بعض أفراد الشرطة أو من المحتجزين الجنائيين البالغين المسجونين معهم.

هذه كلمتي للأغنياء

ووجه الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم، أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر، وعضو مجمع البحوث الإسلامية، كلمة إلى أغنياء المسلمين أن يوجهوا جزء ولو بسيط من زكواتهم لصالح حماية "أطفال الشوارع" والذين لا مأوي لهم؛ وذلك للعمل على حل مشكلاتهم، والحد من تفشي هذه الظاهرة.

وذكر الدكتور هاشم أنه يجوز دفع الزكاة من أجل إطعام هؤلاء أو كسوتهم أو حتى دفعها لأسرهم لإعانتهم على الحياة؛ وكذلك للعمل على إعادتهم إلى أهليهم، وبالطبع الأمر هنا لا يقتصر على نسبة الزكاة الواجبة فقط بل يتسع ليُدخل الصدقات والتطوعات لإنشاء هيئات ومؤسسات تستطيع العناية بهم وتعمل على حل مشكلاتهم؛ ليصبحوا فعَّالين في المجتمع.

كما الدكتور عمر هاشم على أن غياب الوعي الديني، وعدم تطبيق أحكامه تطبيقا سليما في حياتنا؛ فضلا عن ظروف المجتمع التي جعلت هذه الفئة موجودة، وفي تزايد باستمرار، وذلك لامتناع أو تقاعس كثير من أغنياء امتنا عن إخراج زكاتهم وصدقاتهم؛ وبسبب أن الماديات أصبحت تطغى على كثير منهم، وهذا غير تراجع قيم الرحمة والعطف واللين، ومع ضياع الوقف، مما أدى إلى أن هؤلاء وغيرهم ضحية الانحراف الأخلاقي والأمية والفقر.

وأنهى الدكتور هاشم كلامه، بالتأكيد على أن الإسلام أوجب حماية الأطفال من الضياع بتوفير الرعاية الكاملة لهم، فلقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فمن حديث ابن عمر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيتها ومسؤولة عن رعيتها.. ثم ذكر الولاة، ثم قال: ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)[رواه الشيخان]، حتى نستطيع تأمين مستقبل جيد لمجتمعاتنا الإسلامية، وعليه فإني (والكلام للدكتور هاشم) أقول بأنه على كل فرد من أفراد المجتمع – حاكما ومحكوما – أن يتحمل مسئوليته في علاج هذه المشكلة، وذلك وفقا للحديث السابق "كلكم راع ومسئول عن رعيته".



  [1] كشف تقرير عن وضع أطفال الشوارع في محافظتي القاهرة والإسكندرية بدعم من الأمم المتحدة والمعني بالمخدرات والجريمة وبرنامج الغذاء أن حوالي 66 في المائة؛ يتناولون بانتظام عقاقير خطيرة و80 في المائة معرضون لخطر العنف المدني من جانب مستخدميه في المجتمع وحتى أقرانه وأن 70 في المائة منهم تسربوا من المدارس.

[2]. فلقد كشف تقريرٌ لجمعية الدفاع الاجتماعي أن 90 في المائة من أطفال الشوارع تعرضوا للاغتصاب؛ وهو يُعد أول تجارب الفتاة التي تخرج إلى الشارع؛ بل وقد الأمر إلى حد الاتجار بالبشر؛ وخاصة إن مصر تحتل فيه مكانًا متقدما.       

[3]. فوفقا لدراسة أعدت من قِبل المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بمصر؛ وصل عدد المودَعين في مؤسسات الأحداث الحكومية بحوالي "565" ألف طفل، وهم بين مرتكب جريمة أو فاقد للأهلية وغير ذلك؛ وهؤلاء جميعهم في "27" مؤسسة رسمية لرعاية الأحداث.

[4]. أشارت إحصاءات الإدارة العامة للدفاع الاجتماعي إلى زيادة حجم قضايا الجنح التي يرتكبها أطفال الشوارع فكان أكثرها السرقة بنسبة تخطت 56 في المائة، ثم جاء بعد ذلك قضايا التسول بنسبة 13.9 في المائة.