مجلة البيان - تكبيرات العيد والغلو في التبديع

تكبيرات العيد والغلو في التبديع
تكبيرات العيد والغلو في التبديع


الغلو في التبديع أمرٌ طالما تسبب في صداماتٍ بين أبناء صحوةٍ إسلاميةٍ تربو على أن رؤية نارٍ في المسجد أحب إليهم من رؤية بدعةٍ فيه كما روى عن إبي إدريس الخولاني رحمه الله. ولاشك أن هذه الصدامات يترتب عليها نفرة البعض، كما تسهم في ترسيخ الصورة التي تشيعها وسائل الإعلام عن شباب الصحوة حيث تظهرهم في صورة المتشددين والمتنطعين. ومن مظاهر هذا الغلو مسألة تبديع تكبيرات العيد التي اعتادها المسلمون في شتى البلدان وحمل الناس على تكبيرةٍ بعينها، فكم تحولت ساحات صلاة العيد التي هي موطن الفرح والائتلاف إلى ساحات شجار واختلاف، لذلك كان لابد من بيان المسألة بيانًا علميًا أثريًا هادئًا لنتجنب مثل هذه المواقف التي ترسخ فكرةً سلبيةً عن الدعوة وأبنائها.

نبدأ أولاً بالكلام على حكم تكبير العيدين، فالتكبير في العيدين سنة سنها لنا النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها شيءٌ مرفوعٌ متصل، إلا أنه قد وردت آثارٌ كثيرةٌ تدل على مشروعيته، وأنه من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، من ذلك ما يلي:

1. ما رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ مرسلٍ صحيحٍ عن الزهري "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتي المصلى وحتى يقضي الصلاة فإذا قضى الصلاة قطع التكبير".

2. ما رواه الطبراني في الكبير وصححه الألباني عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه "ما من أيامٍ أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير". وهذا يدل على طلب مطلق التكبير في أيام العشر من ذي الحجة ومنها يوم العيد، ويستمر إلى آخر أيام التشريق كما سيأتي.

3. ما رواه البخاري ومسلمٌ عن أم عطية رضي الله عنها قالت "كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها وحتى نخرج الحيض فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم ويرجون بركة ذلك اليوم وطهرته".

4. سئل الإمام أحمد رحمه الله: بأي حديث تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؟ قال: بالإجماع، عمر، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود رضي الله عنهم" نقله ابن قدامة في المغني.

5. ما رواه الدار قطني عن ابن عمر رضي الله عنه "أنه كان إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ثم يكبر حتى يأتي الإمام".

فهذه الآثار وغيرها تبين أن التكبير في العيدين كان موجوداً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل به الصحابة رضي الله عنهم وسماه الإمام أحمد إجماعاً.

صيغة التكبير:

وأما صيغة التكبير فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها شيءٌ، وكل ما ورد عنه أنه كبر كما جاء في حديث الزهري عند ابن أبي شيبة، أو أمر بمطلق التكبير في العشر من ذي الحجة، كما نقلناه من حديث ابن عباس عند الطبراني في الكبير.

و الذي ورد من صيغ التكبير إنما هو عن بعض الصحابة والتابعين دون أن يرفعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهى تكبيرات مختلفة تدل على أنه لم تكن هناك صيغة معينة يجب التزامها ولا يجوز العدول عنها، بل كانوا يذكرون الله كلٌ على طريقته. فقد روى ابن أبي شيبة في باب (التكبير إذا خرج إلى العيد):

1. عن أبي قتادة "أنه كان يكبر يوم العيد ويذكر الله" إسناده صحيح.

2. وعن عطاء بن السائب قال "خرجت مع أبي عبد الرحمن وابن مغفل فكبر أبو عبد الرحمن يكبر يرفع صوته بالتكبير وكان ابن مغفل يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" إسناده صحيح.

3. وروى في باب (التكبير من أي يوم هو؟ وإلى أي ساعة؟): عن الأسود قال" كان عبد الله -أي ابن مسعود-  يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من النحر يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد". وإسناده صحيح.

4. وعن ابن عباس "أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق لا يكبر في المغرب الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الله أكبر وأجل الله أكبر ولله الحمد" إسناده صحيح.

5. وروى في باب (كيف يكبر يوم عرفة): عن إبراهيم النخعي قال "كانوا –أي أصحاب ابن مسعود-  يكبرون يوم عرفة وأحدهم مستقبل القبلة في دبر الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد" إسناده صحيح.

6. وعن الحسن كان يكبر الله أكبر الله أكبر ثلاث مرات.إسناده صحيح.

7. وروي البيهقي في السنن الكبرى عن أبي عثمان النهدي قال كان سلمان رضي الله عنه يعلمنا التكبير يقول كبروا: الله أكبر الله أكبر كبيرا اللهم أنت أعلى وأجل من أن تكون لك صاحبة أو يكون لك ولد أو يكون لك شريك في الملك أو يكون لك ولي من الذل وكبره تكبيرا اللهم اغفر لنا اللهم ارحمنا، ثم قال والله لتكتبن هذه لا تترك هاتين ولتكونن شفعاً لهاتين".إسناده صحيح.

فهذه الآثار عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم تبين أنه لم تكن هناك صيغة معينة لتكبير العيد، وإنما المطلوب في العيد هو مطلق التكبير والأمر متروك لك لتكبر على أي صيغة شئت ما دامت تعد تكبيرا. وقد أدخل الصحابة مع التكبير تحميداً وتهليلاً وثناءً ودعاء، كما في تكبير سلمان الفارسي رضي الله عنه.

ونظير ذلك في الشرع التلبية في الحج والعمرة، فقد روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبداً يقول لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، لا يزيد على هذه الكلمات". و رويا كذلك عن نافع قوله "وكان عبد الله بن عمر يزيد مع هذا لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغبى إليك والعمل". وفي صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم "فأهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم عليهم شيئاً منه ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته". وفي رواية عند أحمد وأبي داود " ولبى الناس والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبي صلى الله عليه و سلم يسمع فلا يقول لهم شيئا".

فإن قيل هذا التوسع في التلبية قد أقره النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا وهذا التوسع في التكبير يوم العيد قد فعله الصحابة وأقروه ولم ينقل فيه إنكارٌ منكرٍ. فالذي يظهر ـــ والله تعالى أعلم ـــ أن التكبير يوم العيدين وفي أيام التشريق ليس له صيغة معينة تجوز دون غيرها، وإنما كيفما كبر الإنسان فقد حصلت السنة وأتى بمطلق التكبير الذي ندب إليه الشرع.

وعليه؛ فهذه الصيغة المشهورة التي يكبر بها الناس لا بأس بها، ولا يصح إطلاق لفظ البدعة عليها، وإن زادوا فيها غير التكبير من ثناءٍ على الله وصلاةٍ على رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد زاد الصحابة رضوان الله عليهم كذلك ثناءً و دعاءً على أصل التكبير. وهذه نقولات عن بعض العلماء تبين أنه ليس في التكبير صيغة معينة لا يجوز غيرها، وأن تلك الصيغة المشهورة التي عليها أكثر المسلمين اليوم جائزة عندهم. ومن ذلك ما قاله الأمام الشافعي رحمه في الأم (520/2)": والتكبير كما كبر رسول الله  صلى الله عليه وسلم في الصلاة الله أكبر فيبدأ الإمام فيقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر حتى يقولها ثلاثاً وإن زاد تكبيراً فحسن وإن زاد فقال الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً الله أكبر ولا نعبد إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر فحسن وما زاد مع هذا من ذكر الله أحببته غير أني أحب أن يبدأ بثلاث تكبيرات نسقا".

وقال الإمام القرافي المالكي رحمه الله في الذخيرة (419/2): "ولم يحدده مالك لأن الأمر ورد به مطلقا، واستحب ابن حبيبٍ الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد على ما هدانا اللهم اجعلنا لك من الشاكرين لقوله تعالى (ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) وكان أصبغ يزيد الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً ولا حول ولا قوة إلا بالله".

وقال الشرنبلالي الحنفي رحمه الله في مراقي الفلاح (201): (والتكبير) هو (أن يقول الله أكبر الله أكبر) مرتان (لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد) لما روي أنه صلى الله عليه و سلم صلى صلاة الغداة يوم عرفة ثم أقبل على أصحابه بوجهه فقال " خير ما قلنا وقالت الأنبياء قبلنا في يومنا هذا الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد " ومن جعل التكبيرات ثلاثاً في الأول لا تثبت له، ويزيد على هذا إن شاء فيقول " الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وعلى أصحاب محمد وعلى أزواج محمد وسلم تسليماً كثيراً".

وبذلك يتبين أن الأمر واسع لا إنكار فيه، وأن الخلاف بين صيغ التكبيرات هو من خلاف التنوع، وإن تكن من نصيحة أو توجيه إلى صيغة تراها أفضل فيجب أن تكون برفق، ويمكن أن يقال إن التكبير الوارد عن الصحابة أولى من غيره ولكن دون تبديع، كما يقال إن تلبية النبي صلى الله عليه وسلم أولى من غيرها دون تبديع.

وينبغي التنبه إلى أن ما ذكرناه هنا ليس مدعاة إلى إعادة الكرّة مرة أخرى في الأماكن التي استقر فيها التكبير على تكبير ابن مسعود رضي الله عنه، فهذا لا معنى له ولا داع، وإنما هو مدعاة إلى ترك الإنكار على المسلمين فيما يسوغ فيه الخلاف وإلى الرفق بالمصلين الذين يصرون على عدم تغيير التكبير الذي اعتادوا عليه لأن الأمر واسع كما تبين. وأيضاً يجب الترفق بإخواننا المتحمسين للسنة الحريصين عليها، الذين ينكرون على الناس تكبيرهم الحالي ظنا منهم أنه بدعة، فجزاهم الله خيراً على حرصهم على السنة، والواجب أن يُعَلَّموا الحكم برفق لا على سبيل الإنكار والإفحام.

والله سبحانه الموفق وهو أعلم بالصواب، والحمد لله رب العالمين.

** ملف خاص (رمضان.. حكم وأحكام وآداب)