مجلة البيان - إعلام الثورة السورية يخترق جدار الصمت

إعلام الثورة السورية يخترق جدار الصمت
إعلام الثورة السورية يخترق جدار الصمت

عنصر المفاجأة وضغط الوقت الذين تتسم بهما الأزمة، يؤديان إلى عدم قدرة وسائل الإعلام على مواكبة الحدث بشكلٍ فوري، ما يعرض الجمهور للوقوع تحت تأثير الشائعات والدعايات المضادة، لذلك يسود اتفاق عام بين الباحثين في مجال الإعلام على ضرورة التحرك السريع ونشر الرسائل التحذيرية في التوقيت المطلوب، وصياغة المعلومة بطريقة واضحة بسيطة بعيدة عن التعقيد الفني أو العبارات المتخصصة التي لا يستوعبها الجمهور العام.

ولا يخفي ناشطو الثورة السورية امتنانهم لمخترع كاميرا الهواتف النقالة التي حملت صور مظاهراتهم السلمية بداية الثورة للعالم، لكنهم بعد عامين ونصف العام على انطلاق الثورة انتقلوا من الهواية إلى الاحتراف، وبدأوا بناء مؤسسات إعلامية حقيقية تقارع مؤسسات النظام ودعايته الإعلامية.

في مدينة حلب السورية، تحول نشطاء ساقتهم الظروف لنقل صور الثورة للعالم، إلى إعلاميين بدأوا مؤخرا بتأسيس وكالات إعلامية تطمح للاحتراف، وأن تكون صوت المجتمع السوري وصورته.

أبرز المراكز الإعلامية وأكبرها في حلب هو مركز حلب الإعلامي، الذي تميز ولا يزال بنقل صورة الأحداث في حلب سواء العسكرية أو الحراك الشعبي، أو صوت المجتمع المدني وهموم الناس في الشارع.

ناشط إعلامي في الثورة

على غرار المركز نشأت وكالات إعلامية حديثا، إحدى هذه الوكالات هي وكالة "شهباء برس" وهي وكالة حديثة العهد تتعاون مع مؤسسة التوحيد الاعلامية التابعة للواء التوحيد, صاحب النفوذ الواضح في حلب وريفها.

وبدأت الوكالة بنشطاء لا يعرفون بعضهم من قبل، ولم يكن بعضهم يخطط ليكون ناشطا إعلاميا في الثورة.

يقول أبو فراس الحلبي -وهو عضو مجلس إدارة الوكالة ومدير المكتب الإعلامي للواء التوحيد- إنه عندما خرج لأول مرة في مظاهرة تطالب بإسقاط النظام في حلب لم يكن يعرف أنه سيتجرأ على حمل هاتف نقال ويقوم بتصوير المظاهرة قبل أن يقوم بإرسال المقطع على البريد الإلكتروني لقنوات فضائية.

ويضيف الحلبي "كانت سعادتي كبيرة عندما شاهدت المقطع الذي صورته على شاشة تلفزيون أورينت، وهو ما شجعني على الاستمرار".

ويلفت إلى أنه أسس مع آخرين صفحات على "فيسبوك"، ثم أسسوا تنسيقيات يقول إن التواصل بين أعضائها كان يتم عبر "سكايب"، بل إنه اكتشف أن الذين كان يتواصل معهم يعرفون بعضهم لكنهم يتواصلون بأسماء مستعارة خوفا من القبضة الأمنية للنظام.

ويتذكر أبو فراس -وهو طالب جامعي- المعيقات التي واجهتهم من قطع الاتصالات، إلى حظر مواقع التواصل الاجتماعي و"سكايب" وغيرها، وكيف واجهوا كل ذلك بالإصرار على نقل صور الدماء التي كانت تسيل بالمظاهرات السلمية على يد جنود النظام.

الحلبي قال إن "تأسيس الوكالة بدأ بعد دخول الثوار لمدينة حلب، حيث تم تأسيسها، وافتتاح ثلاثين مكتبا لها يعمل فيها ستون مراسلا، منها ثمانية في مدينة حلب، وعشرون في الريف الحلبي، ومكتبان في حماة وإدلب".

كما نبه إلى أن "الوكالة تمكنت من تصدير مراسلين كانوا مجرد ناشطين هواة لفضائيات عربية مشهورة"، وأشار إلى أن "الوكالة تخطط لافتتاح تلفزيون محلي في الفترة المقبلة لتكون قناة محلية سورية تواجه إعلام النظام ودعايته".

وكالة نشطاء

من جانبها تعمل وكالة "حلب نيوز" وهي وكالة بدأت من نشطاء الثورة الذين نقلوا صور المظاهرات ثم يوميات سيطرة الثوار على حلب وريفها إلى العالم، لينتهي الأمر بهم لتأسيس الوكالة.

تحدث مدير الوكالة ريان مشعل عن أن "الوكالة لديها اليوم تسعة مكاتب يعمل فيها نحو 35 مراسلا ميدانيا، وأنهم يتجهون لإطلاق إذاعة على ترددات "إف إم" خلال وقت قصير".

وبين مشعل عددا من الصعوبات التي تواجه عمل الإعلاميين في حلب، ومنها الاعتداء عليهم وأحيانا احتجازهم من قبل بعض الفصائل، مشيرا إلى أن هناك تواصلا مع بقية الوكالات العاملة في حلب لإنشاء رابطة تحمي الإعلاميين وتمنع الاعتداء عليهم وتفهم طبيعة عملهم.

كسر الحواجز

كما شهدت حلب ولادة ثلاثة صحف ورقية خلال الأشهر القليلة الماضية، وهي صحف سوريا الحرة، ورؤية، وصحيفة حبر.

يقول "غيث ياقوت"، رئيس تحرير صحيفة "حبر" الأسبوعية التي تلاقي رواجا داخل حلب على الرغم من أنها توزع نسخها المطبوعة مجانا، إن "الصحيفة تطبع ألفي نسخة أسبوعيا، وتوزع على نقاط منتقاة للحرص على تداولها بين أكبر عدد من الناس، وهي ممولة من رجال أعمال سوريين في الخارج اقتنعوا بفكرة وجود صحيفة تتيح النقد في المناطق (المحررة)، وتكسر الحواجز بين الثوار وقادتهم من جهة والناس من جهة أخرى".

وتابع "نحن نركز على الهم اليومي للمواطن الحلبي الذي ليس له علاقة بالأمور السياسية والعسكرية، ونركز على التحقيقات خاصة تلك التي تختص بأوجه القصور التي تسبب معاناة الناس".

أعداد الصحيفة الـ15 التي صدرت حتى الآن ركزت على الهموم اليومية للناس ومشكلاتهم وشكاواهم، كما دمجت بين لقاءات مع قادة عسكريين، وتحقيقات وجهت نقدا لاذعا لإدارات مدنية، عوضا عن نقل صورة المجتمع بفرحه وحزن، كما حرصت الصحيفة على وضع كاريكاتير على صدر كل عدد من صفحتها الأولى.

من الموبايل إلى كاميرا

ومنذ بداية الحراك الثوري السوري، تميّز الحدث بعلاقة جديدة حصدت انتباه الملايين، يوم توطّدت العلاقة بين المواطن السوري والكاميرا التي باتت الموثّق الأساسي لمأساته.

تطوّرت العلاقة بين الناشط السوريّ الذي حمل كاميرا الموبايل في أيام الثورة الأولى لتسجيل المظاهرات صغيرةً كانت أم كبيرة، ومن الموبايل انتقل إلى كاميرا الديجيتال البسيطة قبل أن يُتقن استخدام كاميرات المحترفين.

والناشط هو طالب جامعي، وأحياناً تلميذ في الصفوف المتوسطة أو الثانويّة، جذبته هالة العدسة، فقرّر التعرّف عن قرب على تلك الأداة، ليوظّفها في خدمة ما يُؤمن به.

نشأت علاقةٌ وثيقة بين الناشطين والكاميرا، باتت الأخيرة تُمثّل شخصاً حقيقياً بالنسبة لهم. هي تارةً الحبيبة، وطوراً الصديقة أو الرفيق الشهيد. تدفعهم كاميراتهم يومياً نحو مخاطرات قد يراها صحافيون آخرون مستحيلة. يؤكدون أنّه لولا تلك العلاقة الوثيقة بينهم وبين الكاميرا، لما زادت حماستهم وترسّخ التزامهم بتوثيق ما يحصل في بلادهم.

من الغوطة الشرقية يقول "يوسف" وهو ناشطٌ امتهن التصوير والتوثيق منذ أيام الثورة الأولى :”عندما تتوقف كاميراتنا عن العمل، تُصيبنا حالةٌ من الهستيريا. توقّفت عدسة كاميرتي عن الاستجابة مرة، وكانت الغوطة محاصرة.. بدأت أجوب الأنحاء وأستعين بعدسات الأصدقاء للتصوير. عندما تُقصَف الغوطة، أوّل ما أفكر فيه هو كاميرتي، التي سيصعب استخدامها إن أصابتها شظية صغيرة حتى. بتُّ أتناسى الخطر المحدق بي، وكل ما أهتم به هو الحفاظ على الكاميرا، فأنا لا أهتم إن أُصبت.. كل ما يهمني هو سلامة الكاميرا”.

ويُضيف: “أصبحت الكاميرا صديقة. هي الشيء الوحيد الذي عمل وما زال يعمل لصالح الثورة. أستطيع التعبير عن مشاعري من خلالها. إن خسرتها يوماً، قد يعني هذا اختفاء يوسف عن الوجود. بداخلي مشاعر تؤكد لي أنّ هذه الكاميرا جزء أساسي من قضيتي. قضية أؤمن بها، والكاميرا أيضاً جزء لا يتجزأ من طموحي”. يشرح يوسف: “أنا وكاميرتي متلاصقان، يصعب فصلنا عن بعضنا. تُرافقني يومياً حتى لو لم ألتقط الصور”.

يتحدث يوسف عن الكاميرا وكأنها حبيبته، يغار عليها، لا يسمح لها بالخروج والتجول وحيدةً. ترافقه وتؤنس وحدته. “لقد استطاعت الكاميرا إيصال صوتي وأصوات الآخرين خلال ثورتنا. تحدثت عن آلام الآخرين بواسطتها. عكست صور اليوميات والمعاناة التي باتت جزءا لا يتجزأ من واقعنا”.

محمد، المصور الذي غادر الغوطة منذ أشهر قليلة بسبب إصابته، يتذكر كاميرته التي تركها: “اضطررت إلى ترك كاميرتي في سورية بعد أن رافقتني سنتيْن. ودّعتها، غمرتها، وقبّلتها، بعد أن كانت الشاهد الوحيد على معاناتي ويومياتي. أحزنتني فكرة تركها. كانت لحظة وداعها أصعب من لحظة وداع أصدقائي. لطالما رافقتني كاميرتي حتى خلال إصاباتي العديدة. عندما أصبت بالهاون للمرة الأولى، كانت كاميرتي حاضرة”.

ويُضيف: “عندما قررت الهروب إلى لبنان، دخلت خلسةً، وبالتالي لم أستطع أن أحمل معي أوزانا وأغراضا كثيرة بسبب مشقّة السفر. وجدت نفسي أمام خيارات صعبة. إحضار كاميرتي معي لم يكن خياراً. أحسست حينها أنني أترك ابنتي الصغيرة في أمانة أحدهم. كان موقفاً قاسياً، اضطررتُ للتعايش معه. مهمتها التقاط وتوثيق ما يحصل في الغوطة، أنا لا أستطيع إجبارها على المغادرة. أنا أثق بأنه سيهتمّ بها، هي في أيدٍ أمينة”.

بعد وصول محمد إلى لبنان، شعر بحاجة ماسة لاقتناء كاميرا. “جمعت ما يكفي لشراء كاميرا متوسطة المواصفات. بعدها اشتريت كاميرا للمحترفين. طبعاً أنا اليوم مفلس بسبب صرفي المال على كاميرا، لكنني سعيد لأنني ألتقط الصور مجدداً. عدت لاصطحاب كاميرتي معي أينما ذهبت. أوثق اليوم كل اللحظات الجميلة والحزينة والمسلية. لديّ أرشيفي الخاص. اسم كاميرتي اليوم “سولي”، والثانية اسمها “نضال” كما سماها مالكها الأول. لكلّ إنسان إطار مناسب وصورة مناسبة. التصوير أصبح شغفي".

سلاح (الكاميرا)

يتحدث عمار عن علاقته بالكاميرا بالكثير من الخجل: “يجمعني رابط قوي وغريب مع كاميرتي، هي الصديق المخلص. كاميرتي هي سلاحي. عند الذهاب إلى المعركة، عليّ اصطحاب الكاميرا معي، وإلا أحسستُ بضعفٍ وخوفٍ شديديْن، والخوف إحساس جارح بالنسبة لي. عندما أوثق أي شيء بواسطة الصور، جرائم أو اشتباكات أو حتى دمار، أشعر براحةٍ كبيرة؛ لأنّ الصور ستصل إلى الناس في الخارج، وسيرونها حتى إن فقدت حياتي، وسأعلم أنّي استعملت السلاح المناسب في الوقت والمكان المناسبيْن، وأني أتحت للناس فرصة مشاهدة ما يحصل. سأتمسك بسلاحي (الكاميرا) حتى النهاية”.

من جهتها، تقول الأخصائية في علم النفس آية مهنا إنّ الكاميرا هي الأداة التي أتاحت لهؤلاء الشبان فرصة عرض ما تراه أعينهم. هي الذاكرة التي وثقت ما حصل، ذاكرة بصرية مجردة من المشاعر، وهي سهلة الولوج، كما يسهل التعمق بها، ويصعب دحض ما تُمثله.

وتشرح: “هي طريقة جديدة أيضاً ليرى العالم بطولات هؤلاء الشبان. ساعدتهم الكاميرا في النجاح وشقّ طرقاتهم الخاصة قبل أن يدخل العنصر المادي في التصوير. كما أتاح لهم ذلك فرصةً ليشعروا بالانتماء إلى مجموعة معينة”.

لعلّ ما جمع الناشطين بالكاميرا خلال الحرب الضارية، هو الصمت الذي تتميز به لحظات التقاط الصورة الأولى؛ حيث يطغى صوت ضغطهم على زر التصوير على صوت الحرب القائمة.

من المؤكد أنّ لتلك الكاميرات قوةً استطاعت دفع الناشطين لمحاربة الظروف والصعوبات من أجل الحفاظ على تلك العلاقة المميزة.

تصوير خارج الحدود

أما الفيلم التسجيلي السوري "بعيد، قريب من تخوم الوطن" فقد رصد حال ملايين السوريين اليوم، وهم يهجرون عن بلادهم بالقوة، ويظلون، رغم ذلك، يحومون حوله، على أمل العودة يوماً عندما يتحرر.

أساس الفيلم، على ما قال مخرجه الفوز طنجور ، كان إطلالة على عينة من الطبقة الوسطى السورية عبر مقهى بيروتي في شارع الحمرا، لكن الفكرة أُخذته إلى أمكنة أخرى، لترصد تلك الشريحة في الأردن وتركيا إلى جانب لبنان.

وكما يقول طنجور فقد كان مقصودا أن يبتعد الفيلم عن خيمة اللاجئ، وهو في مهب الغبار والثلج والمطر وعصف الريح، ربما لتصبح هذه المفردات خلفية للمشهد.

هكذا اختار الفيلم عددا من السوريين باتوا كلهم خارج الحدود، ولم يكن محض مصادفة أنهم ينتمون إلى مدن ولهجات مختلفة، وبداهة، ولأن الثورة ضمت مختلف الطوائف، فقد كان أمرا غير محسوب أن ضيوف الفيلم انتموا أيضا إلى طوائف سورية مختلفة.

تحدث هؤلاء عن تجربتهم التي تراوحت بين الاعتقال والتهديد بالاعتقال والتظاهر وأعمال الإغاثة والإعلام. أهم ما يقدمه مشهد هؤلاء أنه يصعب تصديق أنهم ينتمون إلى ثورة متشددة، أو متطرفة، لقد برع الفيلم في تقديم الصورة التي تستحقها الثورة السورية، المدنية، السلمية، والتوق إلى الكرامة والعدل ودولة المواطنة.