مجلة البيان - نهاية النفوذ العماني في ساحل أفريقيا الشرقي

نهاية النفوذ العماني في ساحل أفريقيا الشرقي
نهاية النفوذ العماني في ساحل أفريقيا الشرقي


سلاطين زنجبار والإرساليات التبشيرية في أفريقيا

على الرغم من الجهود التي بذلها سلاطين عمان في تصفية الوجود البرتغالي، من سواحل شرقي أفريقيا في القرن الثامن عشر، بعد غروب شمس الإمبراطورية البرتغالية، ومن ثم فرض سيطرتهم على هذه الأقاليم، إلا أنهم لم يلبثوا أن سخروا نفوذهم هناك لخدمة الإرساليات التبشيرية، وحركة الاستكشافات الصليبية، في أفريقيا، والتي قادت الدول الأوروبية الاستعمارية، فيما بعد، إلى استعمار القارة، ونهب خيراتها، واستعباد وإبادة شعوبها، وتغريبهم، وفرض عقيدة التثليث عليهم، حيث صارت زنجبار، عاصمة السلطنة، في القرن التاسع عشر، وفي ظل حكم سلاطين عمان، لشرقي أفريقيا، مركزا رئيسيا للمبشرين والمستكشفين والجواسيس الصليبيين وتجار العبيد، القادمين من مختلف أنحاء أوروبا وأمريكا، وكانت نقطة انطلاقهم إلى داخل القارة. ويصاب الباحث المسلم بالصدمة، عندما يقرأ حول الاستخراب الأوروبي لأفريقيا، وبخاصة البلجيكي للكونغو، عندما يعرف أنه لولا سلاطين زنجبار العمانيين، والتجار والرحالة المحسوبين عليهم في داخل القارة، لما أستطاع المبشرون والمستكشفون الصليبيون، أن يتوغلوا في مجاهل غابات الكونغو الاستوائية، هذه المنطقة التي ظلت عصية عليهم لعدة قرون. ومن أشهر التجار والرحالة العمانيين الذين قدموا تلك الخدمات، وشحموا الطريق لأولئك المبشرين والمستكشفين الصليبيين، للوصول إلى الكونغو، التاجر والرحالة العماني، حميد المرجبي (1840–1905)، المشهور باسم تيبوتيب، أي الصاعقة، وهو لقب أطلقه عليه سكان الكونغو، بسبب الأصوات التي كانت تصدر من بنادقه. وكان المرجبي هذا تاجرا للرقيق والعاج، لمع نجمه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، خلال فترة حكم السلطانين ماجد وبرغش ابني سعيد، لجزيرة زنجبار. وكانت عملية مطاردة العاج والرقيق، هي التي قادته للمغامرة، فانطلق من زنجبار، ووصل إلى الكونغو، واستولى عليها، وأخذ يمارس سيطرة سياسية وتجارية مباشرة، هناك، باسم سلطنة زنجبار العربية. والمتعارف عليه اليوم، أن الفضل في اكتشاف الكنغو، يرجع للمستكشف والمبشر الانجليزي، الإسكتلندي الأصل، ليفنجستون (1813-1873)، الذي عينته بريطانيا قنصلا عاما لها على شاطئ أفريقيا الشرقي في الفترة (1858-1864)، وهو ما يشير إلى مهمته الدبلوماسية. والمستكشف والمبشر الانجليزي الأمريكي الأصل، ستانلي (1841-1904)، وكأن هذه المنطقة لم تكن معروفة للعرب، وكأنها لم تكن قد اكتشفت بواسطة المرجبي السالف الذكر. وما كان المستكشفان الصليبيان المذكوران، ليغامرا بالتوغل في الكنغو، التي تشكل الغابات80% من مساحتها، ويغرسا مراكز التبشير النصرانية في أعماق القارة، لولا المساعدات التي قدمها لهما سلاطين زنجبار، ورجلهم المخلص حميد المرجبي، حاكم الكونغو، والذي كان على علاقة وطيدة، برؤساء قبائل الكنغو وأواسط أفريقيا.

دور سلاطين زنجبار في اكتشاف الأوروبيين للكونغو

فأما ليفنجستون، فقد استقبله السلطان "ماجد بن سعيد (1856-1870) ، في جزيرته عام 1865، بكل ود وحفاوة، وزوده بخطابات التوصية اللازمة، إلى الرؤساء العرب التابعين له داخل أفريقيا الشرقية، وقد استفاد ليفنجستون من نفوذ سلطنة زنجبار العربية في شرقي ووسط أفريقيا، بل وفي الكونغو ذاتها، كما استفاد من الإدلاء العرب في كشف نهر الزمبيزي والمناطق المحيطة بالبحيرات العظمى، في وسط أفريقيا وشرقها. كما أن حميد المرجبي في الكونغو، قدم له مساعدات ومعلومات كثيرة عن الطرق الآمنة، والمسالك المأهولة بالسكان المتحضرين، والمحطات العربية، في هذه الجهات. وأما ستانلي، والذي جاء للبحث عن ليفنجستون، ولكشف ما تبقى من مناطق أواسط أفريقيا، فقد لعبت سلطنة زنجبار نفس الدور في اكتشافاته، وهذا رغم ما عرف به هذا المستكشف الصليبي من قسوة، وغطرسة، ودموية، ووحشية. وعند عودة ستانلي الثانية إلى القارة الأفريقية باسم ليبوبولد الثاني ملك بلجيكا، ومؤسس (جمعية الكونغو الدولية)، سنة 1878،، حظي أيضا باستقبال مماثل من قبل السلطان "برغش بن سعيد" (1870-1890)، والذي أمده بقوة عسكرية لحمايته أثناء رحلاته داخل القارة، كما حظي بالمساعدات من قبل "حميد المرجبي"، في الكونغو. وعندما استشعر السلطان برغش، بأن ليبوبولد الثاني ملك بلجيكا، يسعى لإقامة مستعمرة بلجيكية في حوض نهر الكونغو، تحت ستار (جمعية الكونغو الدولية)، واستخدم المستكشف ستانلي وكيلا لها في أفريقيا، فنشط هذا الأخير في عقد معاهدات حماية مع السلاطين المحليين في الكونغو وفي تأسيس المراكز التجارية البلجيكية على نهر الكنغو وفروعه، أوعز السلطان برغش، لحميد المرجبي نائبه على الكونغو، بتعزيز نفوذ السلطنة هناك، ولم يكن ذلك حقيقة، بدافع الشعور الديني، وإنما خشية من السلطان أن يؤدي نشاط ستانلي إلى تحويل التجارة في أواسط أفريقيا، من الساحل الشرقي، الواقع تحت سلطته، إلى الساحل الغربي الواقع تحت سيطرة ملك بلجيكا. وقد نجح المرجبي في التوسع في الكونغو ووسط أفريقيا، باسم سلطنة زنجبار العربية، بين عامي 1883 و 1886. بيد أن هذه التحركات جاءت بعد فوات الأوان، ففي غضون ذلك انعقد مؤتمر برلين (1884-1885)، حول الكنغو وغرب أفريقيا، والذي بموجبه تم تقسيم قارة أفريقيا، وتوزيعها بين القوى الأوروبية الاستعمارية، كما تُقسم الشاة المذبوحة، وفيه أيضا تم الاعتراف بالكونغو كملكية خاصة للملك ليوبولد الثاني، ملك بلجيكا، وعدم الاعتراف بأي سلطة حاكمة في قارة أفريقيا كلها، بما فيها سلطنة زنجبار العربية، حليفة الانجليز، فيما عدا الحبشة وليبيريا.

أفول نجم سلطنة زنجبار العمانية

ولذلك لم تلبث أراضي سلطنة زنجبار العمانية، أن احتلت عام 1886، من قبل ثلاث قوى استعمارية، وهي ألمانيا، وانجلترا، وفرنسا، ولم تعد سلطنة زنجبار تتعدى جزيرة زنجبار، والتي انتقلت سنة 1890، من الوصاية البريطانية غير المباشرة، إلى الوصاية المباشرة (الاحتلال)، حيث جعل منها البريطانيون وكرا للمؤامرات والدسائس، وقاعدة لمواجهة المد الإسلامي في شرقي أفريقيا، ولمواجهة الثورات الإسلامية المشتعلة هناك، كالثورة المهدية في السودان، ضد الانجليز، وكثورة محمد عبد الله حسن في الصومال، ضد الايطاليين. في الوقت الذي صار فيه حميد المرجبي، حاكم الكونغو، يتعرض للضغوط البلجيكية، في قلب أفريقيا. وبدلا من أن يجابه المرجبي هذه الضغوط، ويرفع راية الجهاد، سارع بالإذعان للبلجيكيين، رغم ضعف قوتهم وقلة عددهم وجهلهم بتضاريس المنطقة، وقتذاك، فقد قبل المرجبي، أن يكون أداة للبلجيكيين لترسيخ نفوذهم في الكونغو، تحت مسمى (حاكم عام للكنغو)، بمرتب زهيد ومهين، وهو ستون جنيها شهريا، وبشرط أن يكون إلى جانبه موظف بلجيكي لمباشرة الاتصالات الخارجية، وعلى أن يلتزم، بتقديم مساعدته للحملة الصليبية التي كُلِّف ستانلي بقيادتها من قبل بريطانيا وبلجيكا، انطلاقا من الكنغو، لإنقاذ "أمين باشا"[1]، حاكم مديرية خط الاستواء السودانية، منذ عام 1887، وكان حينذاك، محاصرا من قبل أنصار الثورة المهدية. فاستفاد ستانلي من مساعدات المرجبي، في الكونغو، للوصول إلى هدفه. ومع ذلك، لم يلبث البلجيكيون، أن غدروا بالمرجبي، بعد أن انتهى دوره، والذي لم يلبث أن ترك لهم الكنغو، وعاد إلى زنجبار، فمات بها عام 1905، وحضر العزاء عدد من القناصل الغربيين، وسيطر البلجيكيون على تجارته ومراكزه، وقضوا على حركة أنصاره، وخضعت الكونغو لبلجيكا، وبعثاتها التبشيرية، وللتجار الأوروبيين المستغلين، ودخلت في نفق مظلم لم تخرج منه إلى اليوم. والمهم أنه على هذا النحو، انتهى النفوذ العماني في شرقي أفريقيا، ولم تشهد هذه المنطقة حروبا جهادية، ضد القوى الاستعمارية الصليبية، كتلك التي شهدتها المناطق الأخرى من القارة السوداء ذات الغالبية المسلمة، كالصومال، ونيجيريا، وبلدان غرب أفريقيا، وتشاد، والسودان، وغيرها. وذلك أن الأساس الذي قامت عليه سلطنة زنجبار العربية في شرقي أفريقيا، كان هو التجارة، وبخاصة تجارة العبيد، وليس الدين، ولذلك، لم يلبث نفوذها أن انتهى من معظم المناطق في شرق أفريقيا، وكأنه مر عليها كومضة في الغروب، فيما عدا جزيرة زنجبار، والتي صارت حاليا جزءا من تنزانيا، والواقعة تحت نظام حكم صليبي شديد العداء للإسلام وأهله.

***


 


[1] هو مستكشف ومبشر ألماني يدعي أدوارد شنتزر، أدعى الانتساب إلى الإسلام، وتقمص ثوب شخصية عربية، للتضليل.