مجلة البيان - رمضان ووقائع فتح الأندلس

رمضان ووقائع فتح الأندلس
رمضان ووقائع فتح الأندلس


رمضان شهر الجهاد، إلى جانب كونه شهر الصيام، والقيام، وقراءة القرآن، ففي رمضان دارت أغلب انتصارات وفتوحات المسلمين، منذ غزوة بدر في رمضان 2هـ، وحتى اليوم، ومن الفتوحات المهمة، التي أعز الله بها الإسلام، والتي جرت في رمضان، فتح الأندلس، فقد جرى هذا الفتح من خلال عدد من الوقائع العسكرية الكبرى، التي وقعت في شهر رمضان المبارك أهمها

سرية طريف الاستكشافية: رمضان 91هـ

ففي رمضان من هذا العام، كان عبور القائد طَريف بن مالك، خليج الزقاق، على رأس السرية الاستكشافية، التي بعث بها موسى بن نصير، أمير أفريقية، إلى الأندلس، وكان عبور طريف من عدوة المغرب إلى عدوة الأندلس، في أربعمائة مقاتل، معهم مائة فرس، على ظهر أربعة مراكب، فنزل طريف مع جنوده في الموضع الذي نُسب إليه، والذي لا يزال يعرف باسمه، حتى اليوم "طريف" ، وهي جزيرة صغيرة على ساحل الأندلس الجنوبي. ومن هذا الموضع أغار طريف على الجزيرة الخضراء، ونواحيها، وقام ببعض العمليات العسكرية السريعة هنا وهناك، في نطاق المهمة الموكولة إليه، وعاد إلى طنجة، بالسبي الكثير، والمال الوفير، ومحققا النجاح المطلوب. وتأتي أهمية هذه السرية، في كونها أول خطوة عملية على طريق العبور، إلى أسبانيا، تنفيذا للخطة التي رسمها القائد الكبير موسى بن نصير، بدقة وبراعة، فضلا عن امتحانها للدور الذي كان يوليان، حاكم سبته، يقوم به، ومدى إخلاصه، وجديته في التعاون مع المسلمين، في إنجاز هذا المشروع الكبير. وكان يوليان هذا يكره لذريق ملك القوط، ويرغب في تقويض نظامه، وهدم مملكته، لأشياء نقمها عليه. ومن أجل هذا حسّن للمسلمين فتح أسبانيا، وقدم لهم السفن اللازمة لعبور المضيق إليها. وذلك بعد أن كان قد أعتقد لنفسه، ولأصحابه، عهدا مع موسى بن نصير، رضي به، وأطمأن إليه. وأيا كان الأمر، فإننا من خلال سرية طريف هذه، نرى أن فتح المسلمين لأسبانيا، لم يكن منذ البداية مغامرة حربية ارتجالية، كما يزعم المستشرقون، بل كان فتحا منظما، حسب خطة محكمة، موضوعة من قبل. خطة أعدت لها وسائلها ومقدماتها، وأهدافها، وطرق تنفيذها.

موقعة وادي لكة الحاسمة: رمضان 92هـ

وفي رمضان من هذا العام/ يونيو 711م، خاض المسلمون معركة وادي لكّة، ضد الجيش القُوطي، بقيادة لُذْريق، ذلك الملك القوطي الجرماني، الذي كان مشهورا بظلمه، وفسقه، وإجرامه. فبعد أن تأكد موسى بن نصير من ملائمة ظروف أسبانيا الداخلية للفتح، أعد لهذه المهمة الخطيرة، جيشا قوامه 7000 مقاتل، جلهم من البربر، وقدّم عليه طارق بن زياد، حاكم طنجة، ثم أمده، بعد ذلك، بخمسة آلاف، وذلك بعد أن كان موسى قد جهز السفن اللازمة للعبور، بالتنسيق مع يوليان حاكم سبتة. ونزل طارق في الجبل الذي نسب إليه، والذي لا يزال يعرف باسمه حتى الآن " جبل طارق". ولما أتصل بلذريق، خبر نزول المسلمين في الجزيرة الخضراء، أقبل متبخترا، على رأس جيوشه الجرارة، والتقي بجيش طارق عند مجرى نهر وادي لكة، بجنوب غربي أسبانيا، حيث دارت المعركة الفاصلة بين المسلمين والقوط، تلك المعركة التي، استهلها طارق بخطبته الشهيرة: " أيها الناس، أين المفر؟! البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر، وأعلموا أنكم في هذه الجزيرة، أضيع من الأيتام، في مأدبة اللئام، وقد استقبلكم العدو بجيشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا قوت إلا ما تستخلصونه من عدوكم...". وقد بدأت المعركة في يوم الأحد 28 رمضان 92هـ، واستمرت ثمانية أيام، وانتهت بهزيمة ساحقة ماحقة للقوط. ويذكر المؤرخون أن طارق بن زياد، عندما رأى المعركة تشتد ضراوة، يوما بعد يوم، ورأى أن تطاولها ليس في صالح المسلمين، نظرا لقلة عددهم، جعل الوصول إلى لذريق هدفه، وعندما لاحت له الفرصة، وثب عليه كالليث الضاري، وأطاح به من فوق سريره، وبمقتله تداعت صفوف القوط، وولوا الأدبار هاربين، تاركين جثث قتلاهم تغطي ميدان المعركة. وقد فتح هذا الانتصار الكبير، أبواب أسبانيا كلها أمام المسلمين، ففي أعقابه تتابعت سقوط مدنها بأيديهم، وعلى رأسها العاصمة طليطلة، وغنم الفاتحون المسلمون ما فيها من ذخائر وكنوز.

عبور موسى بن نصير وفتح اشبيلية: رمضان 93هـ.

وفي رمضان من هذا العام، كان عبور موسى بن نُصَيْر، إلى الأندلس، على رأس 18000 مقاتل، معظمهم من العرب، نجدةً لـطارق بن زياد ولاستكمال فتح المدن والمناطق التي لم يمر بها طارق. وكان تصرف موسى هذا، متفقا مع تخطيط رزين هدفه الإفادة القصوى من الفرصة التي أتيحت للمسلمين. فقد كان عبوره تعزيزا للجيش الإسلامي، وسدا لمحاولات قطع الطريق عليه، من قبل قوات القوط التي لجأت للتحصن، في الجنوب الشرقي والجنوب الغربي من أسبانيا، وإتماما لخطة الفتح المرسومة، ونشرا للعقيدة الإسلامية، التي كان كل ذلك من أجلها. ومن أجلها أيضا عبر مع موسى بن نصير، من عبر من التابعين، فكانوا مقاتلين، ودعاة إلى الله، وشهودا على العقود والاتفاقيات، التي تُبرم مع أمراء المدن المسيحيين، ومشرفين على بناء المساجد، في هذه المدن، ومسئولين عن قسمة الغنائم، بين المجاهدين. وتأكيدا على هذا الهدف السامي، كان أول عمل يقوم به موسى بن نصير، بعد نزوله في الجزيرة الخضراء، وهي أول مدينة افتتحت في الأندلس، هو إنشاء مسجد الرايات، في المكان الذي اجتمع فيه أصحاب الرايات المسلمين للتشاور، بصدد السبيل الأمثل لاستكمال الفتح. ولم يلبث موسى بن نصير، حتى استأنف المسير، سالكا طريقا آخر، غير الطريق، الذي سلكه طارق من قبل، وفتح في طريقه هذه مدائن أسبانية، لا تقل عظمتها وأهميتها، عن عظمة وأهمية المدائن التي فتحها طارق، مثل شذونة، وقرمونة، ثم توج موسى فتوحاته بفتح أشبيلية، وكانت هي الهدف الرئيس في خطته، فقد كانت يومئذ أكبر مدن أسبانيا، بعد طليطلة، ثم اتجه موسى بعد ذلك، صوب مدينة ماردة الواقعة إلى الشمال الغربي من أشبيلية. جاء ذلك في الوقت، الذي كان فيه، ولده عبد العزيز بن موسى بن نصير، قد استكمل فتح الجنوب الغربي من أسبانيا.

فتح ماردة وإعلان أسبانيا ولاية إسلامية: رمضان 94هـ

وفي رمضان من هذا العام، كان فتح مدينة ماردة. وكانت هذه المدينة من المدن الأسبانية التي استعصت على المسلمين عند الفتح، وذلك لأنها كانت مدينة حصينة جدا، وكان يحيط بها سور ضخم، عرضه اثنا عشر ذراعا، وارتفاعه ثماني عشر ذراعا، وقيل: أنها كانت قاعدة لملوك أسبانيا الأوائل، قبل أن يجتاحها القوط، ويجعلوا قاعدتهم في طليطلة. والمهم أن ماردة كانت مدينة صعبة المنال، وعرة المسالك، وكان في أهلها منعة شديدة، وبأس عظيم، ومن هنا جاء اسمها ماردة. وليس ذلك فحسب، إنما الأهم، هو أن كثيرا من فلول الجيش القوطي، وكبار أعوان لذريق، الذين فروا بعد هزيمتهم في معركة وادي لكة، تحصنوا بداخلها، وقاوموا المسلمين مقاومة شديدة، ونالوا منهم، بصورة فاقت توقعات موسى بن نصير، لكن المسلمين بدورهم قتلوا الكثير منهم، خاصة في الكمائن، التي كان يدبرها لهم القائد المحنك الداهية موسى بن نصير، هذا الأخير الذي كان عمره آنذاك يبلغ زهاء سبعين عاما، دون أن يفقد بعد همة الشباب، والذي أشرف على فتح هذه المدينة بنفسه، وأقام عليها حتى فتحها، وذلك بعد عدة أشهر من بدء الحصار الشاق والمتواصل. وكان فتحها صلحا. وكان ذلك أيضا في آخر رمضان سنة 94هـ. ودخلها المسلمون في أول أيام عيد الفطر. وبفتحها أعلن موسى هذا البلد (أسبانيا) ، بلدا إسلاميا. وهكذا ضمت أول قطعة من أوروبا إلى الخلافة الإسلامية في دمشق. فكان هذا الفتح من أعظم الفتوح الذاهبة بالسمعة والصي، في ظهور الملّة الحنيفية.

***