مجلة البيان - لغز الجنجويد

لغز الجنجويد
لغز الجنجويد


يجري الآن وعلى وسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع تداول اسم الفريق محمد حمدان داقلوي الشهير بحميدتي نائب رئيس المجلس العسكري الحاكم في السودان بعد الانقلاب العسكري الذي وقع في السودان منذ شهرين تقريبا ...ولا يخلو تداوله من السخرية والتهكم من بعض الناس وينسبون له أن قائد الجنجويد فماهي حقيقة هذه التسمية وماذا تعني؟

نشأت الجنجويد مع بداية التمرد في دارفور والتي تختلف الروايات حول موعد وأسباب بداياته:

فكثير من الروايات تقول انه بدأ عام 2003 عندما قامت مجموعتان متمردتان هما حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة بقتال الحكومة السودانية التي اتهمها المتمردون باضطهاد سكان دارفور من غير العرب ذوي الأصول الأفريقية السوداء لحساب ذوي الأصول العربية.

ويَعتبر مؤسس العمل المسلح في دارفور ضد الحكومة السودانية ورئيس الجبهة الثورية الديمقراطية صلاح أبو السرة أن قصة دارفور بدأت حين قرر التجمع الوطني الديمقراطي السوداني المعارض - وهو مجموعة من الأحزاب السياسية السودانية تشكلت عام 1989 لمعارضة نظام عمر البشير بعد أن استولى على السلطة إثر انقلاب عسكري يوم 6 يونيو 1989 - بدء  عمليات مسلحة ضد النظام بدأت من شرق السودان خاصة من الحدود الإريترية ثم نشأت جبهه ضد النظام في دارفور لمساندة خطوط القتال بالشرق وكلّفه التجمع بفتح هذه الجبهة ولكن شاءت الأقدار أن يُعتقل قبل المعارك بأيام وهناك أيضاً رأي آخر يرى أن الحرب نتيجة لأطماع بعض الدول في ثروات دارفور وأن الضربات المتلاحقة التي قامت بها جماعات التمرد دفعت الحكومة إلى تجنيد قبائل موالية لها وتصوير الأمر كصراع قبلي.

ويبدو أن النزاع في الأصل كان محليا بين أبناء دارفور من ذوي الأصول الافريقية الذين يستقرون في الزراعة وبين نظراءهم من الأصول العربية من الرعاة المتنقلين بحثا عن مرعى لحيواناتهم وكانت المشاكل غالبا ما تجد طريقها إلى الحل بين زعماء القبائل من العربية والأفريقية من الجانبين ولكن مع ظهور الدول الأفريقية بحدودها الحديثة وتنازع الاستراتيجيات الدولية وخاصة الفرنسي والأمريكي أخذت النزاعات الحدودية بينها شكلا عرقيا فبعد أن كان نزاعا بين مزارعين ورعاة أصبح بين عربا وأفارقة.

وصارت حربا نتج عنها أن عدد المشردين من دارفور بحسب تقديرات الأمم المتحدة عام 2008 بلغ 300 ألف شخص بين رجال ونساء وأطفال بينما ترى الحكومة السودانية أن هذه التقديرات مبالغ فيها..

وظهرت الجنجويد

في خضم هذا النزاع تم أطلاق اسم الجنجويد على بعض القبائل العربية حيث كان هذا الاسم سيء السمعة ويتكون في الغالب وعلى أرجح الأقوال من مقطعين أحدهما (الجن) وهو مصطلح في دارفور يقصد به الرجل المسلح و(جاويد) ويقصد به الخيل من جواد فيصبح الرجل المسلح الذي يمتطي الخيل ويشير البعض إلى أن لفظ جنجويد صار يطلق على مجموعة شباب من دولة تشاد المجاورة للبلاد عُرفوا بالنهب والسرقة. ويُرجع آخرون أصل تسمية الجنجويد إلى إحدى الشخصيات المعروفة في درافور وهو حامد جنجويد الذي كان يقود عصابة سرقة.

وعلى العموم فإن هذا المصطلح لدى عامة أهل دارفور يشيرون به إلى القبائل التي تقوم بأعمال النهب والسلب والاغارة على القبائل الأخرى لذلك فإن اطلاقه في إطار الحرب الدائرة بين القبائل العربية والأفريقية جرى توظيفه ضد القبائل العربية لاتهامها دائما بالنهب والسرقة كما يتهم الأفارقة بعض هذه القبائل بأنها متحالفة مع الجيش الحكومي حيث تستخدمها الإدارة كحليف بديل لها مثل حال صحوات العراق التي تستخدمها أمريكا في قتال المقاومة العراقية ويؤكد على هذا المعنى رئيس مجلس شورى القبائل العربية في شمال دارفور إبراهيم عبد الله إسماعيل حين صرح بأن فشل الحركات المتمردة في الحرب ونجاح القبائل العربية في هزيمتهم تسببا بإطلاق لفظ الجنجويد عليها للنيل منها لأن اللفظ يطلق على مجموعة اللصوص.

وواقع الحال فإن رواية استخدام الحكومة لبعض القبائل العربية تبدو صحيحة نوعا ما ...فالحكومة السودانية من قبل حتى وصول البشير للحكم وجدت نفسها في مأزق خطير فهناك تمرد في الشرق وهناك تمرد في الجنوب ثم يأتي تمردا آخرا في الغرب في دارفور ليزيد من حالة الشعور بالتمزق داخل الحكومة المركزية وأحد أهم الأسباب والتي أدت إلى انقلاب الجيش على الحكومة المدنية عام 1989 بقيادة عمر البشير كان هو هذه التهديدات لوحدة البلاد فجون جارانج زعيم الجنوبيين المدعوم من الغرب كان يزحف باتجاه الخرطوم وليس للسيطرة على الجنوب فقط...وما إن توجهت حملة للجيش السوداني إلى تلك المناطق عندما قامت مجموعات التمرد في دارفور في محاصرة المدن حتى وقعت في كمين محكم للتمردين نتج عنه مقتل العديد من الجنود وأسر قائد برتبة لواء الأمر الذي جعل قيادات الجيش تغير من خططها وتتعاون مع أبناء القبائل حتى تسيطر على الوضع فتم تكوين قوات عسكرية من بعض أبناء قبائل دارفور العربية بزعامة زعيم قبيلة "المحاميد" موسى هلال وهي التي أطلقت عليها بعض القبائل الأفريقية الجنجويد وعملت وسائل الاعلام الغربية على الترويج لهذا الاسم وبالرغم من أن الحكومة السودانية نفت رسميا علاقتها بموسى هلال وقالت أنه قد قام بمهاجمة قوات حكومية ولاحقا اضطرت الحكومة السودانية إلى الاعتراف به علنا وأطلقت على قواته حرس الحدود وعملت على تدريبها وتزويدها بالسلاح وجاء حميدتي ليخلف ابن عمه موسى هلال ليتولى زمام القيادة ولاحقا تم اطلاق اسم قوات التدخل السريع على هذه القوات التي نجحت بشكل كبير في اخماد التمرد والقضاء على معظم المسلحين.

ويقول رئيس مجلس شورى القبائل العربية إبراهيم عبد الله إسماعيل أنه في البداية أطلقوا عليهم اسمم الباش مرقة مؤكداً أن الحكومة جندت القبائل العربية بشكل رسمي ضمن وحدة حرس الحدود التابعة للقوات المسلحة ومنحوا رتباً عسكرية لرموز تلك القبائل. ويضيف أن هذا أمر مألوف أن يكون لكل دولة قوة احتياطية وهذا معمول به حتى في الولايات المتحدة ويشدد إبراهيم اسماعيل على أن مساحات تواجد القبائل العربية المحسوبة على قوات التدخل السريع بعد الحرب وصلت إلى 75 في المئة من مساحة الأقاليم تسيطر عليها 60 قبيلة من أصل 118 في دارفور. ويشير إسماعيل إلى أن لدى هذه القوات 19 ألف مقاتل بعضهم لم يدخلوا في الصراع ومجندون لليوم الأسود...ولم يوضح مقصده باليوم الأسود.

بينما يرصد مجدي الجزولي الباحث بمعهد ريفت فالي بنيروبي إن صعود حميدتي جاء بعد أن قام الجيش بالتعاقد على مكافحة التمرد مع الجماعات المحلية المسلحة وتم إعادة تجميع هذه الجماعات عام 2013 في قوات الدعم السريع لضبطها وربطها أكثر مع القوات المسلحة. وقامت تحت قيادة حميدتي بشن حملتين عسكريتين في دار فور عام 2014 و2015 على التوالي.  وأضاف الجزولي: من ناحية جوهرية كان هذا هو السبب الذي أدى لهزيمة التمرد لأن حميدتي كان قادرا على تجنيد مقاتلين يعرفون التضاريس الجغرافية للمناطق.

ولكن الروايات المتلاحقة ظلت تلاحق قوات حميدتي بارتكابها تجاوزات تتعلق بحقوق الانسان.

ففي تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش عام 2015 قالت فيه إن قوات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات مروعة وواسعة في دارفور وشردت السكان بالقوة ودمرت الآبار ونهبت المواشي وعذبت السكان وقامت بعمليات قتل خارج القانون واغتصابات جماعية.

وهنا تتعقد النظرة إلى قوات التدخل السريع حيث تتداخل الأطماع الإقليمية والدولية والمشاريع الجيواستراتيجية على هذه البقعة من الأراضي السودانية ويلاحظ الباحث في مركز الأهرام هاني رسلان دخول لفاعلين اقليميين مثل تشاد وليبيا واريتريا  وفاعلين دوليين مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والامم المتحدة والاتحاد الأوروبي... بل ان الازمة اجتذبت عددا من الفاعلين الجدد في النظام الدولي من الذين يطلق عليهم الكيانات التي لا تمثل دولا ذات سيادة مثل منظمات المجتمع المدني ومنظمات الاغاثة والاعلام الدولي وجماعات الضغط والمصالح.

والمحصلة النهائية أن الجنجويد هي تسمية أطلقت مكايدة على جماعة مسلحة من أهل دارفور ذو الأصول العربية لمحاولة شيطنتهم لتأليب أهل السودان عليهم بل هي قوات كان لها الدور الأكبر في الحفاظ على دارفور من الانفصال وهي تمثل ما يقرب من 27 % من مساحة السودان مما أدى إلى احباط محاولات إقليمية ودولية لإضعاف السودان وتفتيته ولكن يعيبهم عدم السيطرة على قواتهم بل ينبغي محاسبتها على الانتهاكات التي ارتكبتها في بعض أهالي دارفور ورد إليهم حقوقهم المشروعة.