مجلة البيان - الكبار يموتون والصغار ينسون!

الكبار يموتون والصغار ينسون!
الكبار يموتون والصغار ينسون!


استذكرت اليوم مع اللغط والتصارع العربي-العربي مقولة ديفيد بن غوريون رئيس وزراء "إسرائيل" الأول بعد إعلان تأسيس دولة الاحتلال إذ قال توطئة لمرحلة مقبلة من الصراع "الكبار يموتون ..والصغار ينسون"، وقد مر على هذه المقولة 72 عاماً تخللها انتفاضتان وسلسلة حروب بين العرب ودولة الاحتلال طوالها استمر تدفق الوعي عبر آلة الإعلام العربي والإسلامي الرسمية والإعلام الفلسطيني وكذلك يردفها بالمعلومات وكالات الأنباء العالمية ومنظمات حقوق الإنسان التي كانت ترصد جرائم الاحتلال طوال هذه الفترة التي تقتصر فقط على العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني وهي التي تلت عام 1948م إذ رحلت بريطانيا كمستعمر عن فلسطين بعد أن سلمتها للمليشيات اليهودية التي أعلنت فيها دولة على حساب الحق الإسلامي والعربي والفلسطيني.

مقولة بن غوريون تلك لم تكن اقتباساً يراد الاستدلال به لضياع الحق الفلسطيني بل كان استراتيجية صهيوأمريكية كان هدفها حذف فلسطين بثقافتها وهويتها وموروثها الديني من الوعي الجمعي العربي، حتى أصبح صحن "الحمص" من التراث الغذائي اليهودي! يوجد على مستوى العالم 13 مليون فلسطيني غالبيتهم العظمى يعيشون في مخيمات لجوء بوثيقة لاجئ، بموجب صفقة القرن التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يجب توطين هؤلاء اللاجئين خارج فلسطين بالتنسيق مع منظمة التعاون الإسلامي، وبموجب الصفقة أيضاً يجب أن يتواصل التنسيق الأمني مع "إسرائيل" لتوفير الحماية لمواطنيها، وكذلك تلغى المقاطعة العربية لها بالكامل وتحتفظ بالسيادة على مخزون المياه الإقليمي لكونه ملف حيوي بالنسبة للأمن القومي الإسرائيلي، كلك فإن توطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان الذي يقيمون فيها يقابله تعويض لليهود الذين هجروا من البلدان العربية وقد ذكرت وزارة الخارجية الإسرائيلية إحصائيات واضحة وصريحة ورفعت دعاوى قضائية حول هذا الموضوع. وتلغى الصفقة أي قرار خاص بالإنسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي تم إحتلالها عام 1967م وتقر فقط بدولة يهودية بموجب الحدود التي وضعتها الإدارة الأمريكية. وليس من حق الفلسطينيين التعاون عسكرياً أو أمنياً مع أي جهة قد تؤثر على الأمن الإسرائيلي وتبقى الأراضي التي تديرها السلطة الفلسطينية خاضعة أمنياً للسيطرة الإسرائيلية.

تلك تفاصيل الصفقة التي وضعها المستشار الأمريكي جاريد كوشنر طرحت سابقاً في عهد ياسر عرفات وعرفت باسم وثيقة (بيلن-عباس) وحاولت إسرائيل الضغط على عرفات للقبول بها في كامب ديفيد عام 2000 بدعم من الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون لكن رفضه تسبب في إندلاع الإنتفاضة الفلسطينية الثانية التي نقلت الصراع من الصراع الشعبوي المقتصر على الحجارة والسكاكين إلى حالة حربية تسببت في تشكيل جماعة فلسطينية مسلحة تستخدم الصواريخ والأسلحة المتوسطة والخفيفة الأمر الذي أدى سريعاً إلى انهيار إتفاق أوسلو والبقاء على تعاون بين السلطة الفلسطينية و(إسرائيل) في الضفة المحتلة..

الأزمة الحقيقية ليس ما يطرح في صفقة القرن فقد طرح سابقاً وأفشله صمود الشعب الفلسطيني على مدار أكثر من سبعين عاماً من المقاومة، لكن الخطر الحقيقي أن نفجع بأن تغيب فلسطين عن الوعي الجمعي العربي والإسلامي وأن تصبح مجرد أزمة خاصة بمن يسكن على أرضها. على مدار الصراع في فلسطين كانت فلسطين حية في المناهج التعليمية والدروس الدينية وكذلك في البرامج التلفزيونية والإذاعية لكننا اليوم وبعد ظهور الإعلام الاجتماعي وتقلص دور الإعلام التقليدي أصبح لدينا أزمة عميقة إذ نجد جهلة التاريخ والهوية ينبرون للدفاع عن وجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية ومحاولة تحييد المسلمين عن هويتهم وأولوياتهم وإجبارهم على القبول بالخيارات الأمريكية والتسليم بجبروت هذا الطاعون الذي أصابنا.. نحتاج اليوم كلاً في موقعه إلى تحمل مسؤولياتنا إزاء معضلة الوعي التي تعيشها الأمة العربية والإسلامية فقد نجحت (إسرائيل) في نشر الكثير من وسائل الإعلام الاجتماعي والحسابات الوهمية لزيادة الشرخ بين الشعوب المسلمة وأصبحت تشككهم في تاريخهم وهويتهم حتى أصبحنا ننكفئ داخل حدودنا المذهبية والجغرافية لدرجة أن يخرج بيننا من ينادي بالصداقة مع المحتل على حساب أصحاب الحق الأصليين.. وهذا الأمر لا يفسره إلا جهل أو فساد وخيانة.. لم تعد فلسطين قضية الإعلام التقليدي ولا حتى النخب والمناهج التعليمية بل هي مسؤولية كل أم في بيتها وكل أب يصنع من نفسه قدوة أمام أبنائه، الموروث التاريخي والديني والثقافي والجغرافي عن فلسطين أصبح اليوم أمانة وميراث يجب أن ينقله كل صاحب وعي لمن هو أصغر منه، فقد قتلت جرافة إسرائيلية الناشطة المسيحية الأمريكية راشيل كوري في رفح جنوب قطاع غزة وهي تحاول منعها من هدم بيت فلسطيني. فكيف غدت فلسطين هم للغربيين أكثر من أهلها!