مجلة البيان - زمان الفرد يا فرعون ولى!

 زمان الفرد يا فرعون ولى!
زمان الفرد يا فرعون ولى!

 

حالة الاحتقان الشديدة في المجتمع العربي آية من آيات الإحباط وافتقاد الأمل في أنظمة التبعية العلمانية. واستمرار وتجذر ذلك الحرمان والإحباط أدى إلى قطيعة هائلة بين الشعوب وحكوماتها. وجعل بعض هذه الحكومات تتعامل مع مطالب الشعوب إما بروح الاستهانة، واللامبالاة، أو النظر إليها بعين الريبة والشك على اعتبار أنها حالة أمنية، وليست مطالب مشروعة.

وبسبب هذه الحماقة السياسية و(بطء الفهم!)، ثار الشعب التونسي ثم المصري، وكأني بالشاعر الكبير أحمد شوقي يطل علينا من ديوانه قائلاً:

زمان الفـــــرد يا فرعــــــــون ولى 

                                       ودالــــــت دولــــــة المتجبرينا

وأصبحت الرعاة بكل أرض 

                                     على حكم الرعية نازلينا

لقد أثبتت الأحداث أن هذه الأنظمة غاية في الضعف والهشاشة، وتبين أنَّ العقلية البوليسية القمعية عاجزة عن ترويض الشعوب بشكل دائم، فحركة الشارع فاقت في قوتها وصلابتها وتجاوبها مع الأحداث قدرة الأنظمة والأجهزة الأمنية.

ومن الصعب الحديث عن السبب الرئيس للشرارة التي أشعلت فتيل الثورتين التونسية والمصرية، ولا يمكن اختزال هذه الأحداث الكبيرة في سبب وحيد أو رئيس، فليس الجوع أو الفقر أو البطالة أو الحالة الاقتصادية عموماً هي العامل الوحيد؛ بل هي مجموعة معقدة من العوامل والأسباب التي يؤثر بعضها على بعض، وربما تجتمع كثير من خيوطها في شعور طاغ بالقهر والبغي والظلم ومصادرة الحقوق الدينية والسياسية والاقتصادية والحقوقية والاجتماعية.

وعندما تتصاعد حدة الاحتقان والتشنج في المجتمع، ويزداد شرخ القطيعة وانعدام الثقة بين الأنظمة وشعوبها؛ يصبح حال المجتمع أشبه بحال التنور المغلق الذي يمكن أن تشعله أدنى شرارة!

والمخرج من هذا المأزق ليس بازدراء مطالب الشعوب أو السعي لترويضها، وإنما بتأسيس الثقة السياسية والاجتماعية في أحضانها، وترسيخ أواصر الشراكة الحقيقية، ومن البدهي أن هذا لن يتحقق إلا بتولية القوي الأمين الذي يحكم بأمر الله – تعالى -، ويسعى لتعزيز هوية الأمة وكرامتها، ويسوس الناس بالرحمة والإحسان، ويعطي كل ذي حق حقه، وينتصف للناس بالقسط والعدل حتى من نفسه.

اللافت للنظر في تونس ومصر أن الشارع سبق في حركته وفاعليته الأحزاب السياسية والحركات الإسلامية ومؤسسات المجتمع المدني، وتجاوز العلماء والمفكرين وأهل الرأي، بل أخذ يسوقهم باتجاهه، ويفرض عليهم طريقه، وهذه ظاهرة جديدة لا ينبغي تجاوزها أو الاستهانة بها، فهي تؤكد فراغاً، أبعد الشباب عن جذورهم ومحاضنهم. وأحسب أن هذا يتطلب أفقاً جديداً يبادر إلى تغيير الأبنية الدعوية وتجديد الأولويات الفكرية، وإعادة تأسيسها لكي تكون أقدر على الانطلاق بنبض المجتمع وروحه وتطلعاته.