• - الموافق2026/02/14م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
موانئ دبي.. التجارة الدولية وأبعادها الاستخبارية

كيف تكشف العلاقات غير المعلنة قبل اتفاقيات إبراهام بين نخب إماراتية وشخصيات صهيونية عن تحالفات خفية، وما دور الموانئ والتكنولوجيا والأمن السيبراني والاستثمارات الدفاعية في تشكيل شبكة مصالح أعادت رسم توازنات المنطقة الحديثة سياسياً واقتصادياً وأمنياً اليوم


في تفاصيل العلاقات الدولية التي تقودها المصالح المتشابكة بين الأمن والاقتصاد والسياسة، تكمن وقائع لا تردّها البيانات الرسمية وحدها. ففي السنوات التي سبقت إعلان اتفاقيات إبراهام عام 2020، انطلقت روابط تمتد لسنوات بين شخصيات نافذة في الإمارات و«الدولة العبرية»، امتدت لتشمل ما هو أكثر من علاقات دبلوماسية فحسب، بل دخلت في صميم القدرات الإستراتيجية والدفاعية للأطراف جميعًا.

علاقة واحدة تكشف جزءًا من هذه الشبكة هي العلاقة بين جيفري إبستين، اليهودي الأمريكي المثير للجدل، وسلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس إدارة شركة موانئ دبي العالمية. تكشف رسائل بريدية مسرّبة نشرتها منصة "دروب سايت" أنها لم تكن مجرد علاقة شخصية عابرة أو سياحية، بل تواصل دائم منذ ما يقارب عقدين (٢٠٠٦٢٠١٩)، وتضمنت محادثات حول استراتيجيات العمل، والتعاون المقترح في البنية التحتية اللوجستية، وتقاسم الأفكار بشأن فرص الاستثمار في الموانئ الصهيونية مثل ميناء حيفا، وهي مؤشرات لم تكن تظهر في البيانات الرسمية حينذاك. فقد لاحظ صحفي زار إبستين عام 2013 صورة معروضة في غرفة الاستقبال بقصره في نيويورك، تُظهر إبستين مع محمد بن زايد، الرئيس الإماراتي، وهما يرتديان ملابس البحر ومعدات الغطس، وهو دليل بصري على أن العلاقة لم تكن اقتصادية أو تجارية فحسب، بل كانت تشمل تواصلًا شخصيًا وثيقًا مع قيادات عليا، ما يعزز فهم التحالفات العميقة التي كانت تتبلور في السنوات التي سبقت اتفاقيات إبراهام.

تعد شركة موانئ دبي العالمية التي يديرها سلطان بن سليم، إحدى أركان اللوجستيات في الشرق الأوسط والعالم، فهي تشغل واحدة من أكبر شبكات الموانئ في العالم بما يزيد على أربعين دولة وأكثر من ملايين الحاويات سنويًا، وتمثل نحو 10٪ من حركة الحاويات العالمية وأهم موانئها، ميناء جبل علي في دبي الذي تديره الشركة يُعد مركزًا بحريًا حيويًا، ليس فقط في التجارة بل في تدفق البيانات التشغيلية التي يمكن أن تُستخدم لفهم اتجاهات حركة البضائع والسفن، وهو عامل وثيق الصلة بتحليل الأمن البحري في الشرق الأوسط.

تشير المراسلات بين إبستين وسليم إلى أن الحوار بينهما تضمن اقتراحات حول فرص الاستثمار في البنى التحتية البحرية، وقد أرسل إبستين عدة مراسلات تحتوي على روابط لمقالات تتناول فرص الاستثمار في الموانئ الصهيونية لسليم، معتبرًا أن هذه الروابط تمثل مسارات جديدة ممكنة للتعاون. ولم تقتصر الاتصالات على المناقشات التجارية فحسب، بل كانت العلاقات تمتد إلى ترتيب اجتماعات بين سليم وشخصيات بارزة من الدولة العبرية، من بينهم إيهود باراك  الذي شغل منصبي رئيس الوزراء ووزير الجيش، مما يشير إلى أن شبكة العلاقات لم تكن اقتصادية فقط، بل تتضمن اتصالًا بشخصيات ذات خلفيات أمنية وسياسية استخباراتية واسعة. في عدة مناسبات خلال منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، رتب إبستين لقاءات بين إيهود باراك وسلطان أحمد بن سليم، مُسوّقًا إياها كفرصة لباراك للتقرب من حاكم دبي وتعزيز المصالح الدبلوماسية والأمنية للصهيونية في الخارج. ففي 18 يونيو/حزيران 2013، أرسل إبستين رسالة إلى باراك كتب فيها: "أعتقد أنه يجب أن تلتقيا. إنه الذراع الأيمن لـــ آل مكثوم".

في اليوم نفسه، كان باراك يزور روسيا لحضور اجتماع خاص مع فلاديمير بوتين على هامش منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي، وهو اجتماع شكل جزءًا من قناة اتصال دبلوماسية سرية تم تنسيقها بمساعدة إبستين، تتعلق بمناقشة تغييرات محتملة في سوريا بوساطة روسية. وقد أظهر نمط إبستين في تنسيق الاجتماعات أنه كان يستغل رحلات سفر باراك لتسهيل لقاءات استراتيجية مع نخب اقتصادية وسياسية، إذ سافر إبستين إلى دبي وأفريقيا في الوقت نفسه الذي كان فيه باراك في روسيا.

بعد عودة باراك، حاول إبستين تسهيل صفقة استثمارية لسليم في البنية التحتية اللوجستية الصهيونية، وأرسل له في 4 يوليو/تموز 2013 رابطًا لمقال إخباري حول الاستثمار الأجنبي في موانئ الصهيونية، مرفقًا برسالة: "هل هذا مناسب للسلطان؟". ورغم أن باراك رأى أن الاقتراح سابق لأوانه، شجّع إبستين على متابعة تطوير العلاقة، مؤكدًا ضرورة التفكير في الاستفادة من هذه المعرفة على المدى الطويل.

استمرت الاجتماعات بين باراك وسليم، حيث التقى الاثنان مجددًا في مؤتمر سانت بطرسبرغ الصيفي في يونيو 2015، مع تولي إبستين مرة أخرى ترتيب اللقاء، وكتب باراك: "أنا مدين له. في المرة الماضية دفع ثمن قهوتي ومقبلاتي"، فردّ إبستين مازحًا: "بما أنه يعرف عاداتك الغذائية، فأنت مدين له بالكثير".

واستمرت العلاقة التي أسسها إبستين في التوسع لتشمل استثمارات تقنية وأمنية مباشرة، ففي 5 أغسطس/آب 2018، راسل سليم إبستين بشأن شركة (كارباين) الصهيونية للأمن السيبراني، الممولة من إبستين ويرأسها باراك، والتي تمكّن موظفي الطوارئ وخدمات الأمن من الحصول على بيانات دقيقة عن الموقع وبث مباشر للفيديو والصوت من الهواتف. وأبلغ سليم إبستين أنه ينوي الاستثمار في الشركة، بعد مناقشة مع مؤسسها أمير إليشاي حول استخدام هذه التقنية لخدمة حكومة دبي ولتعزيز الأمن في الموانئ البحرية التي تديرها موانئ دبي العالمية.

 وقد تجسَّدت هذه العلاقات في خطوات أقوى وأكثر رسمية بعد توقيع اتفاقيات إبراهيم في سبتمبر/أيلول 2020، إذ دخلت دبي العالمية، في مذكرات تفاهم واتفاقات مع جهات صهيونية لتقييم إمكانيات تطوير الموانئ وتهيئة شبكات لوجستية تربط بين ميناء جبل علي وموانئ مثل ميناء إيلات، وسعت أيضًا إلى شراكات مع مؤسسات مالية عبرية كـ بنك لئومي لتوسيع نطاق التعاون في البنى التحتية الاقتصادية.

في جانب موازي من تحرك إبيستين كان فرع آخر ينمو من شبكة العلاقات هذه تمثّل في مجال الأمن السيبراني والتقنية. من خلال مراسلاته مع سليم وبعض الجهات، روّج لفكرة أنشطة مرتبطة بشركات تقنية صهيونية مثل Carbyne، التي توفر حلولًا لمراكز الطوارئ من خلال تحليل بيانات الهاتف المحمول وتحديد المواقع ونقلها في الوقت الفعلي. هذا النوع من التكنولوجيا، كما ذكرت التحليلات، يستهدف تعزيز القدرات التشغيلية لمراكز الطوارئ والأمن الداخلي، وهو ما قد يتجاوز مجرد الاستخدام المدني ليصل إلى ما يشبه أدوات يمكن أن تستخدمها شبكات استخباراتية أو دفاعية.

تشير تقارير وتحليلات متعددة إلى أن الإمارات لم تقتصر في نهجها بعد إعلان التطبيع مع «الدولة العبرية» على العلاقات التجارية التقليدية بل دخلت في استثمارات وشراكات ملموسة في مجالات التكنولوجيا الأمنية والدفاع السيبراني والتحليل الاستخباراتي، مع أطراف صهيونية لها علاقة مباشرة بالقدرات الدفاعية والتقنية، يأتي هذا في إطار سعي أبوظبي لتعزيز قدرتها في مواجهة التهديدات المتسارعة في الساحة الرقمية والتقنية واستثمار التطبيع لتعميق التنسيق الإقليمي في المجالات الحساسة. من أبرز هذه التحركات الاستثمارية، أقدمت مجموعة EDGE الإماراتية المتخصصة في التكنولوجيا الدفاعية في يناير 2025 على استحواذ حصة استراتيجية بنسبة ثلاثين بالمئة من أسهم شركة (ثيرد آي سيستمز) الصهيونية الناشئة، وهي شركة تكنولوجية دفاعية متقدمة تعمل على تطوير أنظمة كشف وتحديد الطائرات بدون طيار باستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث بلغت قيمة الصفقة حوالي عشرة ملايين دولار مع استثمار مشترك إضافي بقيمة اثني عشر مليون دولار لتنمية هذه التقنيات للسوق العالمي. في سياق مشابه، وقعت شركة (سايبر إنت) الصهيونية المتخصصة في التحليل الاستخباراتي للأمن السيبراني اتفاقية مع شركة اتصالات الإماراتية في مارس 2023 لتوفير منصة ذكية لرصد التهديدات الإلكترونية والاستجابة لها في الوقت الحقيقي، وهو تعاون يعكس اندماجاً مباشراً بين كيانات تقنية إماراتية وصهيونية في حماية الشبكات الحيوية، كما أوردت صحيفة (تايمز أوف إسرائيل)، إلى جانب ذلك، تعاونت منصة EliteCISOs الإماراتية مع منظمة Cyber Together الصهيونية لتعزيز الأمن السيبراني داخل الدولة العبرية، بما يشمل تبادل الخبرات والتدريب وورش العمل لتعزيز القدرات السيبرانية الاستراتيجية، يضاف إلى ذلك أن شركة الصناعات العسكرية الصهيونية "«إلبيت سيستم" أبرمت صفقة ضخمة مع الإمارات بلغت قيمتها نحو 2.3 مليار دولار، وُصفت بأنها منظومة استراتيجية متقدمة تُعد واحدة من أكبر الصفقات في تاريخ الشركة، وهو ما يعكس مستوى التعاون الأمني العميق بين الطرفين، متجاوزًا التداولات التقليدية إلى تبادل التكنولوجيا الدفاعية المتقدمة، حسبما أفاد موقع PNN الفلسطيني.

إن هذا التعاون في المجال الدفاعي يعبر عن تحوّل أوسع في الاستراتيجية الأمنية الإقليمية، حيث أصبحت هناك قنوات تنسيق استخباري ودفاعي غير معلنة بين الطرفين، تتجاوز خط العلاقات التجارية والاقتصادية، وتركز على طموحات مشتركة في المنطقة مثل تهديدات السواحل، الهجمات السيبرانية، ومحاولات السيطرة على حركة التجارة البحرية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر.

وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة العلاقة بين الإمارات والدولة العبرية على أنها مجرد تطبيع سياسي، بل كـ شبكة من المصالح المتشابكة التي تشمل الاقتصاد العالمي، الأمن البحري، التكنولوجيات الحديثة، والتحالفات الدفاعية. فبينما ترتبط شركة موانئ دبي العالمية  عبر شبكتها الهائلة من الموانئ وأصولها البحرية  بتدفقات البيانات التشغيلية، تدفع هذه البنى التحتية لإنشاء قنوات تبادل معلومات يمكن أن تستفيد منها الجهات الأمنية والاستخباراتية في كلا الطرفين، ليس في إطار الإعلانات العلنية فحسب، بل داخل أنظمة القرار الإستراتيجي في مواجهة التهديدات الإقليمية.

ومع أن إعلان اتفاقيات إبراهيم قد جعل من الشراكات عنصرًا معلنًا في العلاقات بين الطرفين، فإن العلاقات التي سبقتها وخاصة تلك التي أنشأتها الرسائل المتبادلة بين إبستين وسليم تُظهر أن أساس التعاون كان يتبلور بعيدا عن السجالات السياسية العامة، وعبر قنوات التواصل الفردية التي عملت على رفع مستوى الثقة بين نخب اقتصادية وتقنية وسياسية وأمنية، ما أسهم في تشكيل بنية واسعة تضم التجارة، التكنولوجيا، الدفاع، والتفاهمات الاستراتيجية التي لا يمكن فصلها عن التحولات الكبرى في المشهد الإقليمي.

 

أعلى