منذ اللحظة الأولى لسباق انتخابات الرئاسة الأمريكية، شكّل الملف الإيراني جزءًا بارزًا في محور السياسة الخارجية للولايات المتحدة لكلا المرشحين، فالرئيس الحالي دونالد ترامب قد أوفى بوعده الإنتخابي الذي قطعه على نفسه في عام 2016، وذلك من خلال الإنسحاب أحادي الجانب من الإتفاق النووي مع إيران، كما أصدر أمرًا رئاسيًا يتضمن العودة إلى العقوبات القاسية على إيران، وذلك في إطار نهج مغاير تماما مع السياسة التي تبناها الرئيس السابق باراك أوباما، وعلى النقيض من ترامب.. كان المرشح آنذاك، والرئيس المنتخب حاليًا، جو بايدن، قد وعد بأن أسلوبه سيختلف كليًا عن أسلوب ترامب، وكأنه سيعيد العلاقات الأمريكية - الإيرانية إلى المربع الأول من جديد، إذ تعهد بالعودة إلى الاتفاق النووي متعدد الأطراف بهدف تحجيم الأنشطة النووية لطهران، كما تعهد بتقديم مسار دبلوماسي معقول ومتوازن لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات مرة أخرى، وذلك بالرغم من أن مستشاريه لا يتوقعون الكثير من وراء هذا الاتفاق. لكن ماذا عن الإيرانيين على الجانب الآخر؟، كيف ينظرون إلى فوز بايدن؟، وهل فوزه بالنسبة لهم يشكل فرصة أفضل بالنسبة لهم، أم أنه حجم التوقعات لا يختلف عما كانت عليه إذا فاز ترامب بولاية ثانية؟، هل شبح الحرب لا يزال قائمًا؟

في خمسينات القرن الماضي، بدأ البرنامج النووي الإيراني في رؤية النور في إطار برنامج الرئيس الأمريكي دوايت آيزنهاور، والمعروف باسم "الذرة من أجل السلام"، ففي عام 1967 تم التوقيع على اتفاقية بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية والولايات المتحدة وإيران لتوريد اليورانيوم المخصب والبلوتونيوم، وفي نفس العام تأسس مركز طهران للبحوث النووية بدعم أمريكي، لكن مع سقوط الشاه وقيام الثورة وإنحراف البرنامج النووي الطموح الذي كان المأمول منه هو سد فجوة الطاقة في إيران في عصر ما بعد النفط، بدأت المخاوف الدولية من تصنيع إيران للسلاح النووي، وتتابعت الاحداث بشكل درامي وصولًا إلى الاتفاق النووي الذي أُبرم في عام 2015، والذي جرى انسحاب أمريكا منه في عام 2018 وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران مجددًا، مما تسبب في إلحاق أضرار واسعة بها وجعلتها تترنح على حافة الإنهيار، وقد ظهر ذلك جليًا في فترات عديدة، لعل أبرزها ـ على سبيل المثال ـ حين ظهرت قدرة الدولة محدودة للغاية على استيراد الأدوية خلال فترة تفشي وباء كورونا المستجد في ربوعها.

رسميًا؛ فإن الرئيس الإيراني حسن روحاني قد اعتبر أن نهاية الترامبية هى إحدى علامات انتصار إيران، كما انه يرى في فوز بايدن فرصة لواشنطن للتعويض عما يعتبرها "أخطاء عهد ترامب"، مؤكدًا أن الوقت قد حان للعودة الى مسار احترام الالتزامات الدولية، مطالبًا إدارة بايدن المقبلة بإدانة السياسات غير الإنسانية والإجراءات المعادية لحقوق الإنسان التي انتهجها إدارة ترامب خلال سنوات حكمه، الذي اتهمه بارتكاب أسوأ الجرائم بحق الإيرانيين من خلال ممارسته للإرهاب الاقتصادي، ومن المستغرب أن روحاني قد طالب بضرورة أن تدفع الإدارة المقبلة تعويضات عن هذه الأخطاء، لكن بحسب العديد من الخبراء والمتابعين فإنه من غير المرجح أن يوافق بايدن على دفع تعويضات لإيران، أو أن يقوم بشكل فوري بإلغاء كافة العقوبات التي فرضها سلفه عليها، قد يكون هناك بعض القرارات السريعة لتخفيف العقوبات، لا سيما فيما يخص التعامل مع بعض شركات النفط الإيرانية، علاوة على إلغاء تصنيف البنك المركزي الإيراني كمنظمة داعمة للإرهاب.

معظم المسؤولين الإيرانيين لم يعلّقوا طويلًا على فوز بايدن بقدر ما علّقوا ـ شامتين ـ على هزيمة ترامب، لعل أبرزهم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيرانى، علي شمخاني، الذي قال "على الإدارة المنتخبة أن تكتب تحت صورة دونالد ترامب في البيت الأبيض، بدلاً من الرئيس الخامس والأربعين للبلاد، عبارة: عبرة للاجيال القادمة"، أما المرشد الأعلى علي خامنئي فقد رأى أن الانتخابات الأمريكية لا تأثير لها على سياسات بلاده، إذ أن "إيران اعتمدت سياسة منطقية ومدروسة لا يمكن أن تتأثر بتغيير الشخصيات في واشنطن"، لكن هذا الرأي مخالف تماما لما يعتقده ملايين الإيرانيين، فثمة يقين لديهم بأن مستقبلهم يعتمد على اسم الفائز في الانتخابات الأمريكية، ولديهم أمل كبير أن يؤدي فوز بايدن إلى تخفيف العقوبات عنهم، لكن بايدن لن يكون بمقدوره وحده أن يحلّ الأمور المعقدة في الملف الإيراني، فجلوسه إلى طاولة المفاوضات سيتطلب انتظاره انتخاب الرئيس المقبل في ايران في يونيو من عام 2021، ومن ثمَّ جس نبض إمكانيات التفاوض معه، لكن لا يوجد حتى الآن مؤشرات كافية على الطريقة التي سوف تسعى بها إدارة بايدن لمواجهة تصرفات إيران الخبيثة في المنطقة.

تمتلك إيران الآن من اليورانيوم أكثر بكثير مما هو مسموح لها بموجب الاتفاق النووي، وفي ظل الضغوط الإسرائيلية على جو بايدن حتى من قبل دخوله البيت الأبيض، وفي إطار ما يعاني منه الشرق الأوسط بالأساس من توترات وتجاذبات، فإن الأمور قد تكون مرشحة بنسبة ما إلى شفا الحرب، خاصةً وأن بايدن قد أكد خلال السنوات الماضية، وفي أكثر من موضع، عن دعمه المطلق لإسرائيل، إذ تربطه علاقاتٌ وثيقة بجماعات الضغط الإسرائيلية، وقد شدد فريق حملته الانتخابية على تضامنه مع إسرائيل، وكرئيس للولايات المتحدة فإنه بلا شك سيواصل هذا الدعم، وربما تبنى الرؤى المشتركة فيما يخص قصف إيران سواء عبر ضربات محدودة ومؤثرة أو عبر حرب مفتوحة، وقد أفادت بالفعل بعض وسائل الإعلام الأمريكية ، قبل أيام، إلى أن ترامب سأل مستشاريه البارزين عن خيارات مهاجمة موقع نووي إيراني، قبل أن يتم نُصحَه بالعدول عن ذلك، لكن باب التكهنات لا يزال مفتوحًا على مصراعيه بأن يقوم ترامب بأي خطوة متهورة لتوريط إدارة بايدن والديمقراطيين من بعده، فعلى الرغم من أن الأعراف التقليدية في السياسة الأمريكية تصنف الأيام الاخيرة من إدارة الرئيس المنتهية ولايته، بأنها فترة لتسيير الأعمال ونقل مفاتيح السلطة للإدارة الجديدة، لذلك يطلقون على الإدارة في تلك الفترة إدارة "البطة العرجاء"، إلا أن ترامب يخالف ذلك، ويستمر في ممارسة الضغوط على إيران عبر إدخاله عقوبات جديدة، ويهدد بفرض المزيد منها، وهو ما يجعل بايدن أمام وضع صعب إذا حاول إصلاح الأمور.

 

لقد كانت السنوات الأربع الماضية صعبة للغاية على الإيرانيين، ربما بعضهم لا يصدّق أن كابوس ترامب قد اقترب من نهايته، لكن في نفس الوقت فإن خيبة الأمل التي عانى منها الإيرانيون في الماضي تجعلهم قلقين من بايدن أيضا، فما فعلته الولايات المتحدة حين حنثت بالاتفاق، إلى جانب سياسة العقاب المستمرة والتي تنتهجها ضد إيران من قبل قدوم ترامب للسلطة، لا تجعل الإيرانيين مرتاحي البال تجاه ساكن البيت الأبيض، بغض النظر عن اسمه أو انتمائه الحزبي، وعلى الرغم من ذلك فقد كان هناك قدر كبير من السعادة بانتصار بايدن في شوارع إيران، لدرجة أن بعض المواطنين أطلقوا الألعاب النارية للتعبير عن موقفهم وشعورهم بالفرح لفوزه، لقد ربط الإيرانيون بين فوز بايدن و فترتي رئاسة أوباما، معتبرين أن عهد بايدن سيكون امتدادًا لفترة أوباما، فهل ثقة الإيرانيين في وعود ونوايا جو بايدن كافية لكل هذا الفرح والتفاؤل، أم أن التريث كان هو الخيار الأمثل في مثل هذه الحالة؟.. في الواقع فإن العالم باكمله ينتظر كي يرى ماذا سيحدث!