"تذكروا هذا الاسم جيدًا.. فخري زاده"؛ بهذه الكلمات تحدث رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل عامين، وتحديدًا في عام 2018، عندما كان يستعرض نتنياهو ما توصل إليه جهاز الاستخبارات "الموساد" بعد استيلائه على حزمة واسعة من الوثائق المتعلقة بمساعي إيران لتطوير ترسانتها النووية، وصف نتنياهو هذا الرجل حينها بأنه القائد الفعلي لبرنامج طهران النووي العسكري، لكن هذا لم يكن الظهور الأول لاسم هذا العالم الغامض في العلن، ففي عام 2014 تطرق دبلوماسي غربي خلال حديثه لوكالة رويترز إلى دور هذا العالم في برنامج طهران النووي، قائلًا: "إذا قررت إيران عسكرة عمليات التخصيب لديها، فإن محسن فخري زاده سيتم تعريفه بأبي القنبلة النووية". فمن هو محسن فخري زاده الذي أدى اغتياله إلى تصدره عناوين الصحف والأخبار خلال الساعات الماضية؟

لا يُعرف الكثير عن العلماء الضالعين في تطوير البرنامج النووي الإيراني، سوى أن وجود مواجهة غير علنية لأجل عرقلة هذا البرنامج، تكشف من حين لآخر عن أسماء جديدة لم يكن أحد يعرف عنها شيئًا، يعدّ "محسن فخري زاده مهابادي" أحد هذه الأسماء، فقد وُلِدَ زاده عام 1958 في مدينة قم، كان ضابطًا في الحرس الثوري وقد ترقى حتى وصل إلى رتبة لواء، كما أنه كان يعمل أستاذًا للفيزياء بجامعة الإمام الحسين في العاصمة طهران، حيث حصل منها على شهادة الدكتوراه في الهندسة النووية، بين عامي 2002-2003 تولى منصب المدير التنفيذي في "مشروع آماد" الذي كان يختص بإجراء بحوث متعلقة باليورانيوم وتحديث الصواريخ لتزويدها برؤوس نووية، كما كان يتولى رئاسة مركز الأبحاث والتكنولوجيا منذ عام 2011 وحتى اغتياله، كما تولى منصب نائب وزير الدفاع، وكان يحوز ثلاثة جوازات للسفر، حيث سافر إلى العديد من الوجهات الخارجية، لاسيما إلى دول آسيا، بغية الحصول على أحدث المعلومات في المجال الذي ينشط فيه، وتحدثت تقارير عن استقدامه لمواد مطلوبة للبحوث النووية من السوق السوداء الدولية من خلال تلك الرحلات، وقد ساهم دوره البارز في البحوث النووية الجارية في بلاده جعله هو العالم النووي الأرفع هناك، وكان مقربًا بشدة من القادة الإيرانيين وصولًا إلى المرشد الأعلى علي خامنئي الذي كان يحظى بدعمه الكامل.

 كان زاده يعيش في أجواء من السرية، إذ كان يتفادى الظهور أمام الجمهور إلا في حالات نادرة، كما أن قلة من الناس خارج إيران كانوا يعرفون مظهره، وسبق وأن أوردته الوكالة الدولية للطاقة الذرية في عام 2011 ضمن تقريرها المشهور، بوصفه أنه "شخصية رئيسية في الجهود الإيرانية لتطوير التكنولوجيا وكسب المعرفة المطلوبة لإنتاج قنابل نووية"، وكان زاده هو الإيراني الوحيد الذي أتى هذا التقرير على ذكره. أما في عام 2014، أيّ قبل عام من توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1، كان زاده يتصدر قائمة المسؤولين المراوغين حيال البرنامج النووي الإيراني، حيث عانت الوكالة الدولية في التوصل إليه، ودأبت الحكومة الإيرانية، في ردها على مطالب الوكالة المتكررة لاستجواب زاده ضمن التحقيق في مزاعم ممارسة طهران أنشطة نووية محظورة، بأن هذا العالم الغامض موجود بالفعل، ولكنه ضابط عسكري ولا علاقة له مع البرنامج النووي، وقد يُفَسر رفض إيران لتقديم زاده إلى هذه التحقيقات بسبب مخاوفها الأمنية، لا سيما بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت العديد من علماءها النوويين.

يُوصف زاده بأنه العقل المدبر للجهود السرية في تصنيع القنبلة النووية لإيران، لذا فقد كان هدفًا دائمًا للموساد، وقد تم اغتياله يوم الجمعة 27 نوفمبر 2020 في مدينة أبسرد بشمال إيران، ردود الفعل الداخلية لم تتأخر طويلًا، فوزير الدفاع الإيراني أمير حاتمي وصف الاغتيال بالعملية الإرهابية، أما قائد الجيش فقال إن إيران تحتفظ بحق الانتقام من العدو على اغتيال زاده، معتبرًا ان اغتيال زاده لن يمنع إيران من المضي قدمًا في طريق التقدم والتطور السلمي، وقد شاركه رئيس الأركان نفس الوعيد، مهددًا بالانتقام القاسي من منفذي الجريمة ومن يقفون وراءهم. أما وزير الخارجية، محمد جواد ظريف، كان أكثر وضوحًا، حين اتهم إسرائيل مباشرة، وأعلن أنها متورطة في الأمر، وهو نفس الاتهام الذي وصل إليه حسين دهقان، المستشار العسكري للمرشد الإيراني، والذي اعتبر أن إسرائيل تدفع المنطقة نحو حرب شاملة، أما رئيس منظمة الطاقة النووية الإيراينة، علي أكبر صالحي، فقد وصف زاده بأنه كان أحد أهم النخب العلمية المسؤولة عن الصناعات الدفاعية الإيرانية وساهم بدور هام في تعزيرها، مؤكدًا أن دمائه ستسهم في تعزيز قوة إيران.

وفيما كانت تتوالى ردود الأفعال والتصريحات من القادة الإيرانيين.. كانت الدول الأوروبية والولايات المتحدة وإسرائيل يلوذون بالصمت التام، فالبنتاجون امتنع عن التعليق على حادثة اغتيال زاده، وكذلك فعل مكتب بنيامين نتنياهو، غير أن الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته والمغرم بالتغريد عبر تويتر، قد أعاد نشر أخبار عبر حسابه بشأن اغتيال زاده، ولم يكتب ترامب أي تعليق على الموضوع، لكنه أعاد نشر تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" عن الاغتيال، كما أعاد نشر تغريدة للصحفي الإسرائيلي يوسي ميلمان تزعم أن زاده كان مطلوبًا لدى الموساد على مدى سنين وأن اغتياله يوجه ضربة إلى إيران من الناحية النفسية والمهنية. من جهة اخرى فإن هذه الحادثة قد تشكل معضلة أمام الرئيس المنتخب جو بايدن، إذ يمكن يمكن أن تخلق نوعًا من التوترات والتصعيد الذي قد يفضي إلى مواجهة عسكرية، ليس فقط بين إسرائيل وإيران، ولكن أيضا بين الولايات المتحدة وايران، فبايدن قد تعهد بوضع الولايات المتحدة مرة أخرى في الاتفاق النووي الإيراني، وهو اتفاق يعارضه الجمهوريون على نطاق واسع، كما يعارضه الكيان الإسرائيلي، وسبق لنتنياهو أن واجه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما علنًا لنفس السبب، في حين دعم بقوة انسحاب ترامب من الاتفاق وأيّد العقوبات التي فرضها على إيران.

قبل عامين من الآن، أماط نتنياهو اللثام عن أطنان من الوثائق المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، زعم حينها أن الموساد تمكن من جمع تلك الوثائق ونقلها من طهران إلى تل أبيب من خلال عملية تجسسية معقدة ومحكمة، حينها وصفت إيران ذلك بالعرض الإعلامي ونفت تعرض أي وثيقة مرتبطة ببرنامجها النووي للسرقة، لكن من الواضح الآن أن تلك الوثائق المزعومة ربما تكون هى التي ساعدت على اغتيال زاده، بيد أن اغتيال علماء الذرة الإيرانيين ليس أمرًا وليد اللحظة، فالمعركة قديمة، وعلى مر السنوات الماضية ـ خاصةً بين عامي 2010 و2012 ـ جرى اغتيال العديد منهم، أبرزهم: مسعود علي محمدي، ومجيد شهرياري، وفريدون عباسي، وداريوش رضائي، ومصطفى أحمدي، والغريب أن جميعهم قد تشابهت إلى حد كبير طريقة اغتيالهم عبر سيارة ملغومة، وفي نفس المدينة.. العاصمة طهران!، لكن بأيّ حال فإن تلك الاغتيالات تفتح الباب على مصراعيه أمام حقيقة مفزعة وهى أن جهاز الموساد التابع لهذا الكيان الصهيوني الصغير يصول ويجول بكل سهولة ويسر في قلب العاصمة الإيرانية وينتقي أهدافه هناك ويصيبها بكل دقة، فيما يستمر القادة الإيرانيون ـ منذ أكثر من أربعين عامًا ـ في الشجب والإدانة كلما وقعت حادثة اغتيال!