العقل نعمةٌ لا تكتمل إلا بنور الوحي؛ فمن اتبعهما اهتدى للحق وسَلِم من الضلال، ومن عَطَّل العقل أو قدَّم الهوى والخرافة على هدي الله؛ عاش قلقًا وضاع في ظلمات الباطل وتبدلت عنده الحقائق.
الحمد لله الولي الحميد؛ فضل البشر بالعقل، وهداهم بالوحي، فمن استنار بالوحي زكت
نفسه، وصلح قلبه، وقبل عمله. ومن أعرض عن الوحي أضله عقله، وأشرب هواه، وتعس في
دنياه، وخسر في أخراه، نحمده على ما هدانا واجتبانا، ونشكره على ما أعطانا وأولانا،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ كشف الله
تعالى به الغمة، وأنار به الظلمة، ونصر به الملة، ملة إبراهيم حنيفا وما كان من
المشركين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم
الدين.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى
وأطيعوه، والزموا دينه ولا تتركوه، وتمسكوا بحبله ولا تفلتوه، واتلوا كتابه ولا
تهجروه؛ فإنكم إلى ربكم راجعون، وعلى أعمالكم محاسبون ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ
مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ
فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ
وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: 102-104].
أيها الناس: فضل الله تعالى الإنسان
بالعقل على سائر الحيوان، وجعله مناط التكليف، فمن لا عقل له لا تتناول الأوامر
والنواهي. وبالعقل يتفكر الإنسان في أسماء الله تعالى وصفاته، وبه يتفكر في عجائب
مخلوقاته، ويتدبر آيات كتابه؛ فيزيد إيمانه ويقينه، ويصلح قلبه، وتزكو نفسه،
ويتسامى عن الدنايا، ويعلو في معارج العلوم والمعارف. وقد أثنى الله تعالى على من
شغلوا عقولهم فيما ينفعهم مما يقربهم من ربهم سبحانه ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا
أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 269]، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
[آل عمران: 190]، ووصف من حادوا عن الحق، وعطلوا عقولهم عن إدراكه فقال سبحانه ﴿صُمٌّ
بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 171]، وقال تعالى ﴿ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: 58]. ولأنهم عطلوا عقولهم عن
معرفة الوحي يقولون يوم القيامة ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا
فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10].
والعقل في منزلة بين الوحي والخرافة؛ فالوحي الرباني حاكما على العقل، وهاديا له
إلى الخير، ومانعا له من الشر، ومهذبا له من الطغيان؛ فمن أخذ بالوحي هدي عقله إلى
الصواب، وعصم من الضلال، ومشى في النور، وسلم من الضياع. والخرافة تحت العقل؛ فمن
انساق إليها ضل الطريق، وأتى بالعجائب، وأزرى بنفسه، وصار أمثولةً للناس؛ ليدركوا
أن من أطفأ نور العقل أضاع طريق النجاة، وتاه في دياجير الظلمات، وأتى بالعجائب
والمضحكات.
وإنما كان الوحي هدى ونورا لأنه يكشف لمن أخذ به ما غاب عنه من أخبار الماضي وأخبار
المستقبل؛ ولذا نجد في القرآن والسنة كيفية بدء الخليقة، وأخبار الأمم السابقة. كما
نجد فيهما أخبار المستقبل من الفتن والملاحم وأشراط الساعة، وأخبار القيامة والبعث
والحساب والجزاء والجنة والنار. ولا سبيل إلى الوصول لذلك بالعقل المجرد، ومهما
كانت قوة العقل وحدته فإنه لا يستقل بمعرفة الماضي والمستقل، فلا وصول إليه إلا
بإخبار من علام الغيوب سبحانه وتعالى، وهذه من وظائف الوحي، فالآخذون بالوحي مختصون
بمعرفة الصواب في أخبار الماضي والمستقبل. وفي القرآن آيات كثيرة تدل على أن القرآن
هدى ونور، يهدي أتباعه للصواب في العقائد والشرائع والأخبار، وكفى بذلك شرفا لأهل
الإسلام؛ لأن الوحي الصحيح وقف عندهم، وبعث به رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم. ومن
الآيات في ذلك قول الله تعالى ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ
مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ
وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15-16]، وفي مثل قرآني يقارن الله تعالى من
اهتدى بالوحي فحيي به قلبه، فأبصر النور، ومن أعرض عنه فمات قلبه، وتاه في الظلام
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ
فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾
[الأنعام: 122]. وقال تعالى ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ
اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
[طه: 123-124]. والوحي يدل صاحبه على ما هو أحسن في كل شيء ﴿إِنَّ هَذَا
الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]. والوحي روح القلوب؛
فكما أن الأجساد لا تحيا إلا بأرواحها؛ فكذلك القلوب لا تحيا إلا بوحي ربها، وإلا
كانت قلوبا ميتة ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾
[الشورى: 52]. وخطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال:
«وَقَدْ
تَرَكْتُ
فِيكُمْ
مَا لَنْ
تَضِلُّوا
بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابُ اللهِ»
رواه مسلم. ولا يمكن لأحد أن يأخذ بكتاب الله تعالى إلا إذا أخذ بسنة النبي صلى
الله عليه وسلم؛ لأن في القرآن أمرا بالأخذ بالسنة، فمن لم يأخذ بالسنة لم يأخذ بكل
القرآن، وإنما أخذ ببعضه وترك بعضه كحال من ذم الله تعالى من أهل الكتاب حين خاطبهم
سبحانه بقوله ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾
[البقرة: 85]، وقد قال الله تعالى آمرا بالأخذ بالسنة ﴿وَمَا آتَاكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، وقال
تعالى ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل
عمران: 132].
وأما الخرافة فهي ما لا يستند في إثباته إلى وحي ولا عقل؛ وقد تكون خبرا؛ كالإخبار
عن الماضي أو المستقبل بالكذب أو بالتخيل، وقد تكون عقيدة وشريعة، وكل الأديان
الوثنية بنيت على الخرافة، والأديان المحرفة كانت صحيحة ثم دخلتها الخرافة
فأفسدتها. وتتعاقب الأجيال على الأخذ بالخرافة وتصديقها؛ اتباعا للأسلاف؛ كما قال
الله تعالى حكاية عن المشركين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ
اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان:
21]، بل عابوا على الرسول أن ينهاهم عن الشرك وقالوا ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ
نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: 62]، وحجتهم ﴿إِنَّا وَجَدْنَا
آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22]،
وجدوهم على خرافة فاتبعوهم فيها، وعادوا الرسل عليها.
فمن هذب عقله بالوحي بلغ الحقيقة، وسعد في الأولى والآخرة. ومن سطا بعقله على الوحي
ليعطله أصابته الحيرة، ومزقه الشك، وأصيب بالقلق في الدنيا، وعذب في الآخرة. ومن
عطل عقله وانساق خلف الخرافة؛ حرم نفسه من متع الحلال، وأضنى جسده بما يبعده عن
الله تعالى، وضيع عمره فيما يظنه هدى وهو ضلال، نعوذ بالله تعالى من ذلك.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم...
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى
آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى
وأطيعوه ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى
كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].
أيها المسلمون: من لم يعرف مكانة الوحي
تركه لأجل ما يسميه عقلا، وليس هو بعقل، وإنما هو هوى سماه عقلا؛ ولذا سمى السلف
الصالح المبتدعة أهل الأهواء؛ لأن عقولهم زينت لهم اتباع أهوائهم، وترك ما دل عليه
الوحي ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾
[القصص: 50]، وفي القديم والحديث سطا أهل الأهواء بعقولهم على نصوص صفات الله تعالى
فحرفوا معانيها، وأفرغوها من مضامينها؛ ليوافقوا العقل الفلسفي الوثني اليوناني،
ومنهم نشأت فتنة القول بخلق القرآن التي امتحن فيها العلماء، وثبت فيها الإمام أحمد
رحمه الله تعالى؛ لأجل نفي صفة الكلام عن الله تعالى. وهذه البدعة القديمة بعثت من
جديد، ونشط أصحابها في وسائل التواصل الجماعي ينفون علو الله تعالى، واستواءه على
عرشه، ويعطلونه من صفاته التي أخبرنا سبحانه بها في وحيه، وعلى لسان رسوله صلى الله
عليه وسلم، ويضلون عوام المسلمين بأهوائهم الضالة، ويروجون فيهم بضاعتهم الفاسدة.
وطائفة أخرى من أهل الأهواء سطوا على نصوص التشريع؛ فمسخوها بعقولهم، وعطلوا
أحكامها؛ ليحلوا المحرمات، ويسقطوا الواجبات، ويمسخوا الإسلام بالشهوات. فهؤلاء
كلهم يزعمون أنهم عقلانيون، وحقيقتهم أنهم تركوا الوحي لأجل أهوائهم.
وثمة طائفة أخرى أعلوا من شأن الخرافة، ولبسوا على جهال المسلمين، فأوهموهم أن
خرافاتهم من الوحي، فلم يتبعوا الوحي، ولم تردهم عقولهم عن الخرافة؛ فعظموا
المخلوقين من دون الله تعالى، وتعلقوا بالأموات، وأقاموا عند القبور والأضرحة
يدعونها، ويستغيثون بها، وينذرون لها؛ يرجون من الأموات نفعا، ويدفعون بهم ضرا؛
فقادتهم خرافتهم إلى الشرك بالله تعالى، وإلى كم كبير من البدع المحدثة في العبادات
والأذكار وتعظيم الأمكنة والأزمان؛ مما لم يأت به وحي، ولا يقره عقل، وصرفوا
بالعبادات الباطلة عن التعبد الصحيح لله تعالى؛ كما صرفوا عن الوحي والعقل إلى
الخرافة، وهؤلاء أيضا باتوا ينشطون في ترويج بدعهم وضلالهم عبر وسائل التواصل
الجماعي؛ ليضلوا بذلك العامة، ويحرفوهم إلى الدجل والخرافة.
حمى الله المسلمين من ضلال أهل الأهواء، وهداهم إلى طريق الرشاد.
وصلوا وسلموا على نبيكم....