البيان/متابعات: يمثل إعلان وزارة الخارجية الأرمنية نيتها تأجير ما أُطلق عليه «ممر ترامب للسلام والازدهار الدولي» للولايات المتحدة لمدة تسعةٍ وأربعين عامًا، مع منح واشنطن حصة تبلغ أربعة وسبعين في المئة من شركة التطوير، تطورًا نوعيًا يتجاوز كونه مشروع بنية تحتية أو استثمارًا اقتصاديًا عابرًا، ليشكل محطة مفصلية في إعادة ترتيب التوازنات الجيوسياسية في جنوب القوقاز. فالممر، الذي يأتي في سياق تسوية سياسية بين يريفان وباكو برعاية أمريكية مباشرة، يعكس انتقالًا واضحًا من منطق الوساطات الدبلوماسية التقليدية إلى منطق «الضمان عبر التملك والإدارة»، حيث تتحول الولايات المتحدة من راعٍ سياسي إلى شريك مهيمن في أحد أكثر الممرات حساسية في الإقليم.
من زاوية أرمينية، يمكن قراءة القرار باعتباره محاولة للخروج من مأزق استراتيجي مزمن. أرمينيا، التي تلقت خلال السنوات الأخيرة صدمات متتالية تمثلت في تراجع الدور الروسي كضامن أمني، وتآكل قدرتها على فرض شروطها في ملف ناغورني قره باغ، تجد نفسها أمام فراغ أمني وسياسي عميق. في هذا السياق، يبدو الرهان على الولايات المتحدة ليس فقط خيارًا اقتصاديًا، بل مظلة ردع غير مباشرة، تُستخدم الاستثمارات طويلة الأجل كآلية لحماية المشروع والدولة معًا، إذ يصعب استهداف أو تعطيل ممر تملك واشنطن فيه أغلبية حاسمة دون كلفة دولية مرتفعة. غير أن هذا الرهان يحمل في طياته مخاطرة واضحة تتعلق بتآكل هامش السيادة، خصوصًا في ظل منح شركة أمريكية حقوقًا حصرية تشمل التخطيط والتشغيل وتحصيل الإيرادات وإدارة الممر كمنظومة شبه مستقلة.
على المستوى الأمريكي، يعكس المشروع تحولا في أدوات النفوذ، حيث لم تعد واشنطن تكتفي بالحضور العسكري أو الدبلوماسي، بل تتجه إلى ترسيخ وجودها عبر التحكم في العقد اللوجستية الحيوية. «ممر ترامب» ليس مجرد طريق يربط أذربيجان بنخجوان عبر الأراضي الأرمنية، بل حلقة في شبكة أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل طرق التجارة والطاقة في أوراسيا، وتقليص أدوار القوى المنافسة، وعلى رأسها روسيا وإيران. فإدارة أمريكية مباشرة لممر متعدد الوسائط في جنوب القوقاز تمنح واشنطن قدرة على التأثير في تدفقات التجارة الإقليمية، وربطها بالمصالح الغربية، في لحظة يتراجع فيها نفوذ موسكو بسبب انشغالاتها الاستراتيجية وتتصاعد فيها حساسية طهران تجاه أي ترتيبات تقلص عمقها الجغرافي أو تحاصرها اقتصاديًا.
أما أذربيجان، فهي المستفيد العملي من فتح خط نقل مستقر يربط أراضيها بنخجوان دون المرور بإيران، وتحت ضمانة أمريكية تقلل من مخاطر التعطيل أو الابتزاز السياسي. غير أن هذا المكسب يأتي على حساب توازنات تقليدية كانت تمنح باكو هامش مناورة أوسع بين القوى الكبرى، إذ إن إدخال الولايات المتحدة كشريك مهيمن يحد من قدرة الأطراف الإقليمية على إدارة الخلافات بمعزل عن الحسابات الأمريكية.
إقليميًا، يُتوقع أن يثير المشروع تحفظات عميقة لدى روسيا وإيران على حد سواء. فموسكو قد ترى في «ممر ترامب» اختراقًا مباشرًا لمجال نفوذها التاريخي في القوقاز، وتكريسًا لتحول أرمينيا من شريك تقليدي إلى ساحة نفوذ غربي مفتوح. أما طهران، فستتعامل مع الممر بوصفه تهديدًا استراتيجيًا مزدوجًا، لأنه يعزز حضور الولايات المتحدة قرب حدودها الشمالية، ويمنح أذربيجان مسارًا بديلًا يقلل من أهمية الأراضي الإيرانية في الربط الإقليمي. هذه المعادلة تنذر بتصاعد ضغوط سياسية وربما اقتصادية على يريفان، في محاولة لفرملة المشروع أو إعادة التفاوض حول شروطه.
لذلك لا يمكن فصل «ممر ترامب» عن سياق أوسع من إعادة توزيع النفوذ العالمي، حيث تتراجع الضمانات الأمنية التقليدية لصالح شراكات استثمارية طويلة الأمد تحمل في جوهرها أبعادًا سيادية وأمنية. أرمينيا، الساعية إلى تثبيت موقعها في بيئة إقليمية مضطربة، اختارت مقايضة جزء معتبر من السيطرة الاقتصادية والسيادية بضمانة أمريكية غير مكتوبة. ونجاح هذا الخيار أو فشله سيعتمد على قدرة يريفان على إدارة العلاقة مع واشنطن دون الانزلاق إلى تبعية كاملة، وعلى مدى استعداد الولايات المتحدة للالتزام بحماية استثماراتها في حال تحولت المنافسة الإقليمية إلى صراع مفتوح. وفي كل الأحوال، يبدو أن «ممر ترامب» لن يكون مجرد مشروع نقل، بل اختبارًا قاسيًا لمعنى السيادة في زمن الاستثمار الجيوسياسي.