البيان/متابعات: يشير الحراك السياسي والإعلامي المتسارع حول رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، إلى محاولة واضحة تقودها الدولة العبرية لإعادة إنتاجه كخيار سياسي محتمل في مرحلة اضطراب إيراني متصاعد، مستفيدة من حالة الاحتجاج الداخلي، والضغط الأميركي، وأدوات الحرب الرقمية الحديثة. هذا الرهان لا ينفصل عن سياق إقليمي أوسع، يتقاطع فيه التصعيد العسكري، وحروب المعلومات، والسعي لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.
تأتي هذه التحركات في وقت تدخل فيه إيران أسبوعها الرابع من احتجاجات واسعة، انطلقت من مطالب اقتصادية مرتبطة بتدهور الأوضاع المعيشية، لكنها سرعان ما تحولت إلى موجة اعتراض سياسي تطعن بشرعية النظام ذاته. وعلى الرغم من القبضة الأمنية، لم تتمكن السلطات الإيرانية من احتواء الغضب الشعبي حتى الآن، ما فتح الباب أمام سيناريوهات متعددة حول “اليوم التالي”، وأعاد إلى الواجهة سؤال البدائل السياسية الممكنة في حال تفاقم الأزمة.
في هذا السياق، يبدو أن الدولة العبرية اختارت الاستثمار في شخصية معارضة “مريحة” ومنفصلة جغرافيًا عن الداخل الإيراني، وقابلة للتسويق خارجيًا بوصفها ديمقراطية وغير عدائية. زيارة رضا بهلوي العلنية إلى تل أبيب في نيسان ٢٠٢٣ شكّلت نقطة تحول مفصلية، حيث جرى تقديمه إعلاميًا كلقب سياسي رمزي، في محاولة لتكريس سردية مفادها أن الصراع مع إيران هو صراع أنظمة لا شعوب. إلا أن هذا الطرح يتجاهل ثقل الإرث التاريخي للنظام الملكي في الذاكرة الإيرانية، وافتقار بهلوي لقاعدة اجتماعية راسخة داخل البلاد.
يتزامن هذا الرهان مع تصعيد واضح في أدوات التأثير الرقمي. التحقيقات الصحفية والأكاديمية التي كشفت عن حملات تضليل منظمة باللغة الفارسية، تُدار من داخل الدولة العبرية أو عبر متعاقدين مرتبطين بها، تشير إلى انتقال المواجهة مع إيران من المجالين العسكري والدبلوماسي إلى فضاء الحرب النفسية والمعلوماتية. استخدام حسابات وهمية وتقنيات ذكاء اصطناعي لتضخيم صورة بهلوي، والترويج لفكرة “استعادة الملكية”، يعكس محاولة لصناعة رأي عام افتراضي بديل، قد يُستخدم لاحقًا لتبرير تدخلات سياسية أو عسكرية.
الأخطر في هذا المشهد هو التزامن بين حملات التأثير الرقمي وعمليات عسكرية مباشرة، كما حدث خلال قصف سجن إيفين، ما يوحي بتكامل بين العمل العسكري وحرب المعلومات. هذا التكامل يعكس عقيدة حديثة في إدارة الصراعات، حيث لم يعد الهدف الحسم الميداني فقط، بل كسر السردية المقابلة، وفرض رواية سياسية مسبقة عن شكل البديل والنظام القادم.
على الجانب الأمريكي، يظل الموقف متأرجحًا بين الضغط السياسي والتلويح بالخيار العسكري. تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول “خيارات قوية جدًا” قيد الدراسة، ورفع مستوى التأهب في الدولة العبرية تحسبًا لأي تدخل، تعكس إدراكًا مشتركًا بأن الاضطرابات الإيرانية قد تشكل فرصة استراتيجية نادرة. غير أن الانقسام داخل الكونغرس، والتخوف من تداعيات مواجهة مفتوحة، يحدّان حتى الآن من الانزلاق السريع نحو الخيار العسكري.
من زاوية تقدير الموقف، يكشف الرهان على رضا بهلوي عن أزمة في خيال البدائل لدى خصوم إيران، إذ يجري استدعاء نموذج من الماضي بوصفه حلًا لأزمة معقدة ومتجذرة اجتماعيًا. هذا الرهان قد يخدم أهدافًا تكتيكية قصيرة المدى، لكنه يحمل مخاطر استراتيجية، أبرزها تعميق الشكوك داخل الشارع الإيراني تجاه أي معارضة مرتبطة بالخارج، وتعزيز خطاب النظام حول “التآمر الخارجي”.
في المحصلة، يتقاطع المشهد الإيراني اليوم بين ثلاثة مسارات، أولها غضب داخلي حقيقي ومفتوح على احتمالات متعددة، ورهان خارجي تقوده الدولة العبرية على صناعة بديل سياسي من المنفى عبر أدوات رقمية وإعلامية، وتردد أميركي بين الاحتواء والتدخل. وبين هذه المسارات، يبقى مستقبل إيران رهين قدرة الشارع على فرض معادلاته من الداخل لا سيما مع تباطئ حركة الإحتجاجات وخروج مظاهرات داعمة ومؤيدة للنظام، في مقابل محاولات الخارج رسم هذا المستقبل من خلف الشاشات والخرائط العسكرية.